ما حكم صلاة الرغائب في شهر رجب؟ فقد سمعتُ بصلاة تسمى "صلاة الرغائب" تؤدى في أول جمعة من شهر رجب بين صلاتي المغرب والعشاء، فما حكم هذه الصلاة؟ وهل هي سُنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
لم يثبت بحديثٍ صحيح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاةٌ مخصوصة في أولِ ليلةِ جمعةٍ من شهر رجب، تُؤدَّى ما بين صلاتي المغرب والعشاء، بعددٍ معيَّن من الركعات، وكيفيةٍ مخصوصة من الذكر، على الوجه المتعارف عليه باسم "صلاة الرغائب"، وإنما ورد إحياءُ ما بين هذين الوقتين على جهة الإطلاق من غير تخصيصٍ بزمانٍ أو صفةٍ بعينها، ومع ذلك يبقى باب النوافل والطاعات مفتوحًا على إطلاقه، دون تقييدٍ بعددٍ أو هيئةٍ مخصوصة، فليصلِّ حينئذٍ مَن شاء ما شاء تطوُّعًا؛ طلبًا للأجر والثواب من الله عزَّ وجلَّ، ولا حرج في ذلك شرعًا.
المحتويات
صلاة الرغائب المخصوصة بشهر رجب: هي صلاةٌ ذاتُ صفةٍ مخصوصة، يُنقَل في وصفها أنها تُجعل بين صلاتي المغرب والعشاء ليلةَ أوَّلِ جمعةٍ من شهر رجب، بعد صيام يوم الخميس، بعدد اثنتي عشرة ركعة، تُؤدَّى بستِّ تسليمات. ينظر: "المجموع" للإمام النووي (4/ 56، ط. دار الفكر)، و"الجواهر من فقه الحنفية" للعلامة طاهر بن قاسم الخوارزمي (ص: 445، ط. دار السمان).
من المقرَّر أن هذه الصلاة لم تثبت نِسبتُها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يُنقل فعلُها عن أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم، ولا عن التابعين، ولم يرد في مشروعيتها حديثٌ صحيح يُعتمد عليه. ينظر: "المجموع" للإمام النووي (4/ 56)، و"تبيين العجب بما ورد في شهر رجب" للحافظ ابن حجر العسقلاني (ص: 23، ط. مؤسسة قرطبة).
وأمَّا الحديث الوارد في فضل صلاة الرغائب، وهو: "مَا مِن أحد يَصُوم أول خَمِيس من رَجَب، ثمَّ يُصَلِّي فِيمَا بَين العشَاء وَالعَتَمَة اثنَتَي عشرَة رَكعَة، يفصل بَين كل رَكعَتَينِ بِتَسلِيمَةٍ، يقرَأ فِي كل رَكعَة بِفَاتِحَة الكتاب مرَّة، وَإِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَة القدر ثَلَاث مَرَّات، وَقل هُوَ الله أحد اثنَتَي عشرَة مرَّة، فَإِذا فرغ من صلَاته صَلَّى عَلَيَّ سبعين مرَّة، يَقُول: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِي الأُمِّي وَعَلَى آله، ثمَّ يسجد وَيَقُول فِي سُجُوده سبعين مرَّة: سُبُّوح قُدُّوس رب المَلَائِكَة وَالروح، ثمَّ يرفع رَأسه وَيَقُول سبعين مرَّة: رب اغفِر وَارحَم، وَتجَاوز عَمَّا تعلم، إِنَّك أَنت الأَعَز الأكرم، ثمَّ يسجد سَجدَة أُخرَى وَيَقُول فِيهَا مثل مَا قَالَ فِي السَّجدَة الأولَى، ثمَّ يسأَل حَاجته فِي سُجُوده، فَإِنَّهَا تُقضى"، فقد تكلَّم فيه أهلُ العلم بالحديث، وحكم عليه غيرُ واحدٍ من الحفَّاظ بالوضع وعدم الثبوت، منهم: الحافظ ابن الجوزي في "الموضوعات" (2/ 125، ط. المكتبة السلفية)، والحافظ العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (ص: 240، ط. دار ابن حزم)، والحافظ العجلوني في "كشف الخفاء" (2/ 31، ط. المكتبة العصرية).
إذا تقرَّر ما سبق، فإنَّ عدم ثبوت صلاة الرغائب على الوجه المشهور لا يَحُول دون الإقبال على أبواب الطاعة المشروعة في سائر الأوقات، ولا سيما في الأشهر والليالي التي يكثر فيها العمل الصالح، كشهر رجب وغيره: من صلاة النوافل، وقيام الليل، وتلاوة القرآن، والإكثار من الذِّكر والدعاء، من غير التزام عبادةٍ مخصوصةٍ بزمانٍ أو هيئةٍ أو عددٍ لم يدلَّ عليها دليلٌ صحيح؛ إذ النوافل وقيام الليل من القُرَب المندوب إليها على الإطلاق، وذلك كلُّه داخلٌ في باب التطوُّع المشروع.
والتطوُّع هو التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرضٍ من العبادات، وهو من أجلِّ الأعمال التي تُورِث محبَّةَ الله عزَّ وجلَّ لعباده، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَن عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَد آذَنتُهُ بِالحَربِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» أخرجه الإمام البخاري.
كما قد ورد في السُّنَّة ما يحثُّ على الإكثار من النوافل، وإحياء ما بين صلاتي المغرب والعشاء بالصلاة على جهة الإطلاق، فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن صَلَّى بَينَ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ عِشرِينَ رَكعَةً، بَنَى اللهُ لَهُ بَيتًا فِي الجَنَّةِ» أخرجه الأئمة: الترمذي، وابن ماجه، وأبو يعلى الموصلي في "المسند"، وابن شاهين في "الترغيب".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن صَلَّى بَعدَ المَغرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَم يَتَكَلَّم بَينَهُنَّ بِسُوءٍ، عُدِلنَ لَهُ بِعِبَادَةِ ثِنتَي عَشرَةَ سَنَةً» أخرجه الأئمة: الترمذي، وابن ماجه، والطبراني في "المعجم الأوسط".
الأحاديث وإن كان في أسانيدها ضعف، فإنَّها ممَّا يُعمل به في فضائل الأعمال عند عامة العلماء، على ما هو المقرَّر في هذا الباب.
قال الإمام النووي في "الأذكار" (ص: 36، ط. دار ابن حزم): [قال العلماءُ من المحدِّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُستحبُّ العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا] اهـ.
وقال الإمام الحداد الحضرمي الشافعي في "النصائح الدينية" (ص: 137، ط. الحاوي): [ومن المستحب المتأكد إحياء ما بين العشاءين بصلاة، وهو الأفضل، أو تلاوة قرآن، أو ذكر الله تعالى من تسبيح أو تهليل أو نحو ذلك.. وبالجملة فهذا الوقت من أشرف الأوقات وأفضلها، فتتأكد عمارته بوظائف الطاعات ومجانبة الغفلات والبطالات] اهـ.
وقال الإمام البعلي الحنبلي في "الروض الندي" (ص: 95، ط. المؤسسة السعيدية): [(و) يسن (إحياء بين العشاءين) وهو من قيام الليل] اهـ.
ومن ثمَّ يتبيَّن أنَّ التنفُّل بالصلاة ما بين المغرب والعشاء مشروعٌ في جميع الأوقات من غير إنكار، ويُندَب الإكثار منه في الأيام والأزمنة الفاضلة، كيوم الجمعة، والأشهر الحُرُم؛ لما تقرَّر من مضاعفة الحسنات.
قال العلامة الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (2/ 385، ط. المكتب الإسلامي) [(وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان).. (وبزمان فاضل) كيوم الجمعة، والأشهر الحرم ورمضان. أمَّا مضاعفة الحسنة، فهذا مما لا خلاف فيه] اهـ.
محلُّ الإنكار أن تُنسب صلاةٌ بعينها، بصفةٍ مخصوصة، وكيفيَّةٍ معيَّنة -إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير حديثٍ صحيحٍ يثبت نِسبتها إليه.
ويُضاف إلى ذلك أنَّ من أوجه المنع في صلاة الرغائب -على الصفة المتعارف عليها- عند بعض أهل العلم إنما هو لما اقترنت به من ظاهرة الاجتماع والجماعة في صلاة التطوُّع، والمقرر عندهم أن اجتماع الناس على أداء صلاة التطوُّع جماعة إنما يكون في حالات مخصوصة، كصلاة التراويح والعيدين والكسوف والاستسقاء، أمَّا إذا صُلِّيَت فرادى فليس فيها مانع شرعي.
قال الإمام ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 56، ط. دار الكتاب الإسلامي) في معرض بيان حكم الاجتماع على النوافل: [قال في "الحاوي القدسي": "ولا يصلى تطوع بجماعة غير التراويح، وما روي من الصلوات في الأوقات الشريفة كليلة القدر وليلة النصف من شعبان وليلتي العيد وعرفة والجمعة وغيرها تصلى فرادى" انتهى، ومن هنا يعلم كراهة الاجتماع على صلاة الرغائب التي تفعل في رجب] اهـ.
وقال الإمام ابن الحاج المالكي في "المدخل" (1/ 310، ط. دار التراث): [وقد تقدم أن فعل صلاة الرغائب في جماعة بدعة، ولو صلَّاها إنسانٌ وحده سرًّا لجاز ذلك] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه لم يثبت بحديثٍ صحيح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاةٌ مخصوصة في أولِ ليلةِ جمعةٍ من شهر رجب، تُؤدَّى ما بين صلاتي المغرب والعشاء، بعددٍ معيَّن من الركعات، وكيفيةٍ مخصوصة من الذكر، على الوجه المتعارف عليه باسم "صلاة الرغائب"، وإنما ورد إحياءُ ما بين هذين الوقتين على جهة الإطلاق من غير تخصيصٍ بزمانٍ أو صفةٍ بعينها، ومع ذلك يبقى باب النوافل والطاعات مفتوحًا على إطلاقه، دون تقييدٍ بعددٍ أو هيئةٍ مخصوصة، فليصلِّ حينئذٍ مَن شاء ما شاء تطوُّعًا؛ طلبًا للأجر والثواب من الله عزَّ وجلَّ، ولا حرج في ذلك شرعًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الالتفات في الصلاة؟
ما حكم الصلاة في الأماكن المخصصة للألعاب والاستحمام وغرف تغيير الملابس؟ فبعض أعضاء أحد الأندية الرياضية يقومون بأداء صلاة الجماعة في بعض الأماكن المخصصة للألعاب والاستحمام وغرف تغيير الملابس، مما دفع البعض للسؤال عن جواز صلاة الجماعة في هذه الأماكن، علمًا بأن مرتادي هذه الأماكن يقومون بارتداء الملابس الرياضية وملابس الاستحمام، ويقوم البعض الآخر بالثرثرة وتبادل الأحاديث غير الملائمة لجلال الصلاة، علمًا بأن للنادي مسجدًا كبيرًا للصلاة وزاويتين مجهزتين على مستوًى عالٍ، ولا تبعد أي منهما عن أي مكان في النادي سوى القليل من الأمتار.
برجاء الإفادة عن جواز صلاة الجماعة في هذه الأماكن درءًا للخلافات ونبذًا للفتنة داخل النادي.
ما عدد ركعات صلاة التراويح؟ وهل قراءة القرآن أفضل بين كل أربع ركعات في فترة الاستراحة أو المديح والإنشاد أفضل؟
هل يجوز تعدد الجمعة في بلاد سويسرا -نظرًا لضيق المكان- في المسجد الواحد من أذان الجمعة حتى أذان العصر؛ نظرًا لظروف المسلمين في تلك البلاد؟
ما حكم إخراج الفدية عن الصلوات الفائتة عن الميت؟ فقد تُوفِّي قريب لي، ونظن من حاله أنه كان مقصِّرًا في صلاته المكتوبة، فهل يجوز قضاء الصلاة عنه بعد وفاته؟ وإن لم يجز قضاؤها عنه فهل يجوز إخراج الفِدية عن ذلك؟
ما حكم الصلاة في البيوت حال المطر؟ فقد اعتاد رجلٌ الصلاة في المسجد مع الجماعة، إلا أنه يصعب عليه ذلك في الشتاء عند سقوط الأمطار بغزارة شديدة وصعوبة السير في الطريق المؤدية إلى مسجد بلدته في هذه الحالة، فهل له أن يصلي في البيت حينئذٍ وتُجزِئُه كصلاتهِ في المسجد؟