حكم تغطية بعض الوجه في الصلاة بسبب البرد الشديد

تاريخ الفتوى: 04 يونيو 2025 م
رقم الفتوى: 8677
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الصلاة
حكم تغطية بعض الوجه في الصلاة بسبب البرد الشديد

ما حكم تغطية بعض الوجه في الصلاة بسبب البرد الشديد؟ فوالدي رجل مُسِنٌّ، وعندما يذهب إلى صلاة الفجر يضع على فمه وأنفه كوفية أو ثوبًا يتقي به البرد الشديد ويصلي به، فما حكم صلاته؟

يجوز للمصلي تغطية فمه وأنفه في الصلاة بالكوفية أو غيرها مما يوضع على الوجه للتدفئة إن احتاج إلى ذلك لشدة برد أو مرض أو كِبَر سنه، وموضع الكراهة عند عدم الحاجة إليها، أو عدم وجود سبب معتبر للبسها، فإذا وجدت فإن الكراهة تُدفَعُ حينئذٍ، ومن ثمَّ فما يفعله والدُكَ جائز شرعًا، ولا حرج فيه، وصلاته صحيحة مجزئة.

المحتويات

 

المراد باللثام في اللغة وعند الفقهاء

اللِّثام: ما يوضع على الفم أو الشفة من النقاب أو غيره مما يغطى به، ولثَّم فاه، أي: غطاه، والجمع: لُثُم، والتلثُّم: شد اللِّثام. يُنظَر: "مختار الصحاح" للعلامة الرازي (ص: 279، ط. المكتبة العصرية)، و"المصباح المنير" للفيومي (2/ 549، ط. المكتبة العلمية).

واتفق الفقهاء على أنَّ المراد بالتلثُّم في الصلاة: تغطية الفم باليد أو نحوها مما يغطى به، واختلفوا في تغطية الأنف، هل هو من التلثم أم لا؟ على قولين: فبعضهم اعتبر تغطية الأنف من التلثم، في حين لم يعتبرها البعض الآخر تلثمًا. ينظر: "حاشية العلامة ابن عابدين على الدر المختار" (1/ 652، ط. دار الفكر)، و"الشرح الكبير" للعلامة الدردير المالكي (1/ 218، ط. دار الفكر)، و"المجموع" للإمام النووي الشافعي (3/ 179، ط. دار الفكر)، و"الهداية على مذهب الإمام أحمد" للإمام أبي الخطاب الكَلْوَذَانِي الحنبلي (ص: 77، ط. مؤسسة غراس).

حكم تغطية المصلي الفم والأنف في الصلاة

قد نهى الشرع الشريف المصلي -رجلًا كان أو امرأة- عن تغطية الفم والأنف حال صلاته؛ لما فيه من شغل المصلي عن الخشوع وحُسن إكمال القراءة وكمال السجود؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السَّدْلِ في الصلاة، وأنْ يُغَطِّيَ الرجلُ فاه» أخرجه الأئمة: أبو داود والتِّرْمِذِي وابن ماجه والبَيْهَقِي، وابن حبان، والحاكم.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ وَثَوْبُهُ عَلَى أَنْفِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَطْمُ الشَّيْطَانِ» أخرجه الطَّبَرَاني في "المعجم الكبير".

قال الإمام الخَطَّابي في "معالم السنن" (1/ 179، ط. المطبعة العلمية): [وقوله: «وأن يُغَطِّيَ الرجلُ فاهُ»، فإن من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، فنُهوا عن ذلك في الصلاة إلَّا أن يعرض للمصلي التثاؤب فيغطي فمه عند ذلك] اهـ.

المراد بالنهي عن التلثم في الصلاة

المراد بالنهي الوارد في هذه الأحاديث كما نصَّ عليه جمهور الفقهاء نهي الكراهة التنزيهية لا التحريمية، فلا تمنع صحة الصلاة، وهذا النهي ليس على إطلاقه؛ إذ إنَّ الفقهاء أجازوا للمصلي أن يغطي فاه بيده إذا عرض له التثاؤب في الصلاة، التزامًا بالأدب في مناجاة الله، ودفعًا للأذى عنه، استدلالًا بما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» أخرجه الإمام مسلم.

وفي رواية أخرى لمسلم: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ»، ولفظه في "المنتقى" لابن الجارود: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ غَلَبَهُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ»، وفي مسند الإمام أحمد بلفظ: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مَعَ التَّثَاؤُبِ».

قال الإمام أبو العباس القُرْطُبي المالكي في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (6/ 626، ط. دار ابن كثير): [(قوله: فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ) هذا خطاب لمن غلبه ذلك، فإنَّه يكسره بسد فاه ما أمكن، أو بوضع يده على فمه] اهـ.

علة النهي عن التلثم في الصلاة

قد تعددت آراء الشراح والفقهاء في بيان علة النهي الوارد في النصوص: فقيل: لأنها عادة جاهلية من عادات العرب، أو لِما في هذه الهيئة من التشبه بالمجوس، أو لِما فيها من معنى الكِبر، أو لأنَّ التلثم يمنع حُسن إتمام القراءة وكمال السجود.

قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 216، ط. دار الكتب العلمية): [ويكره أن يغطي فاه في الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك؛ ولأنَّ في التغطية منعًا من القراءة والأذكار المشروعة؛ ولأنه لو غطى بيده فقد ترك سنة اليد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «كفوا أيديكم في الصلاة»، ولو غطَّاهُ بثوب فقد تشبه بالمجوس؛ لأنهم يتلثمون في عبادتهم النار، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التلثم في الصلاة، إلا إذا كانت التغطية لدفع التثاؤب؛ فلا بأس به] اهـ.

وقال العلامة الدردير المالكي في "الشرح الكبير" (1/ 218): [(و) كره (تلثم) ولو لامرأة، واللثام: ما يصل لآخر الشفة السفلى] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (3/ 179): [ويكره أن يصلي الرجل متلثِّمًا، أي: مغطيًا فاه بيده أو غيرها، ويكره أن يضع يده على فمه في الصلاة إلا إذا تثاءب فإنَّ السنة وضع اليد على فيه... والمرأة والخنثى كالرجل في هذا، وهذه كراهة تنزيه لا تمنع صحة الصلاة] اهـ.

وقال العلامة البُهُوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 156، ط. عالم الكتب): [(و) كره أيضًا في صلاة (تغطية وجه، وتلثم على فم وأنف)؛ لحديث أبي هريرة... وفيه دليل على كراهة تغطية الوجه؛ لاشتماله على تغطية الفم، وقياسه: تغطية الأنف، وفي تغطية الوجه تشبه بالمجوس عند عبادتهم النيران، ولأنه ربما منع تحقيق الحروف] اهـ.

حكم صلاة الملثم الذي يخشى البرد

 الكراهة محلها عدم الحاجة، فإن وجدت حاجة إلى ذلك اندفع حكم الكراهة، كما هو مقرر عند الفقهاء من أن: حكم الكراهة يزول بأدنى حاجة، قال العلامةُ السَّفَّارِيني في "غذاء الألباب" (2/ 22، ط. مؤسسة قرطبة): [الكراهة تزول بأدنى حاجة] اهـ.

فالمراد من النهي عن التغطية: الاستمرار فيه بلا حاجة، أما عروضها ساعة لعارضٍ أو لحاجة؛ فيدخل ضمن الرخصة والجواز، ولذلك أجاز العلماء التلثم في الصلاة لمن عُرفَ أنه من زيِّه، أو احتيجَ له لعمَلٍ أو نحوه، فعن قتادة: "أن الحسن كان يُرَخِّصُ في أن يصلي الرجل وهو متلثم إذا كان من بردٍ أو عذرٍ" أخرجه عبد الرزاق في "المصنف".

قال العلامة المُلَّا علي القَارِي في "مرقاة المفاتيح" (2/ 636، ط. دار الفكر): [كانت العرب يتلثمون بالعمائم، ويجعلون أطرافها تحت أعناقهم، فيغطون أفواههم كيلا يُصيبهم الهواء المختلط من حر أو برد، فنُهوا عنه؛ لأنه يمنع حُسن إتمام القراءة وكمال السجود، وفي شرح السنة: إن عرض له التثاؤب جاز أن يغطي فمه بثوب أو يده، لحديث ورد فيه ذكره الطيبي، والفرق ظاهر؛ لأنَّ المراد من النهي استمراره بلا ضرورة، ومن الجواز عروضه ساعة لعارض] اهـ.

وقال الشيخ الحَطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (1/ 503، ط. دار الفكر) نقلًا عن الشيخ زَرُّوق في شرح الإرشاد: [أما التلثم فيمنع إذا كان لكِبْر ونحوه، ويكره لغير ذلك، إلا أن يكون ذلك شأنه؛ كأهل لمتونة، أو كان في شغل عمله من أجله فيستمر عليه] اهـ.

وعليه: فالتلثم في الصلاة اتقاء البرد في الشتاء لا يخرج عن جملة هذه الأعذار؛ بل هو أشدُّ رخصةً وآكدُ مشروعية إذا أوصى به طبيب ثقة أو علم الإنسان -بغلبة الظن- من نفسه المرض إذا لم يفعل ذلك.

الخلاصة

بناءً على ما سبق وفي السؤال: فيجوز للمصلي تغطية فمه وأنفه في الصلاة بالكوفية أو غيرها مما يوضع على الوجه للتدفئة إن احتاج إلى ذلك لشدة برد أو مرض أو كِبَر سنه، وموضع الكراهة عند عدم الحاجة إليها، أو عدم وجود سبب معتبر للبسها، فإذا وجدت فإن الكراهة تُدفَعُ حينئذٍ، ومن ثمَّ فما يفعله والدُكَ جائز شرعًا، ولا حرج فيه، وصلاته صحيحة مجزئة.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم تعدد صلاة الجمعة في القرية الواحدة، فقد سأل شيخٌ في قرية بها مساجد لا يسعُ أكبرها أهلَهَا المكلفين بالصلاة، ثم أُنشِئ مسجد آخر مثل هذه المساجد، فهل تصحّ إقامة الجمعة في هذا المسجد الحديث مع إقامتها في بعض المساجد الأخرى القديمة، أم كيف الحال؟


ما حكم تكرار قراءة الفاتحة في الركعة الواحدة عمدًا من غير سبب؟


ما حكم إمامة المسافر للمقيم في صلاة الجمعة؟ فقد سافر عالم جليل إلى بلد وحلَّ بها يوم جمعة، فهل يحق له أداء خطبة الجمعة وإمامة المصلين؟ وهل يشترط لخطبة الجمعة وإمامة المصلين الإقامة في نفس البلد؟


ما هو سر السكتات التي كان يفعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة الجهرية؟


ما حكم الترتيب عند قضاء الصلوات الفائتة؛ فأنا أقطن بأستراليا، وأبدأ العمل من الساعة الثانية عشرة ظهرًا، ولا يمكنني أداء الصلوات في أوقاتها، وقد أتمكن من تنظيم عودتي للمنزل لكسر صيامي، وربما أداء صلاة المغرب، ثم أعود للعمل. فهل يمكنني أداء صلاة المغرب قبل صلاتي الظهر والعصر، على أن أصليهما بعد عودتي للمنزل في العاشرة؟

 


ما حكم صلاة النافلة في جماعة؛ فنحن نقوم في بلدتنا بدعوة الناس إلى قيام الليل في جماعة، ونخُصُّ من ذلك بعض الأيام والأزمان المباركة؛ مثل الاثنين والخميس والعشر الأوائل من ذي الحجة وغيرها، وندعوهم لقيام الليل والصلاة والتسبيح والأدعية في يوم ميلاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ احتفالًا بمولد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقال بعض الناس: هذا بدعة، وقالوا: إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صلَّى معه في غير رمضان صحابي أو اثنان كانوا حاضرين في وقت الصلاة مصادفة، أو دخلوا معه فيها وهو لم يدعهم إليها؛ وعلى ذلك فإن دعوة الناس إلى قيام الليل في جماعة بدعة. فما مدى صحة هذا الكلام؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 15 يونيو 2026 م
الفجر
4 :7
الشروق
5 :53
الظهر
12 : 55
العصر
4:31
المغرب
7 : 58
العشاء
9 :31