ما حكم تغطية بعض الوجه في الصلاة بسبب البرد الشديد؟ فوالدي رجل مُسِنٌّ، وعندما يذهب إلى صلاة الفجر يضع على فمه وأنفه كوفية أو ثوبًا يتقي به البرد الشديد ويصلي به، فما حكم صلاته؟
يجوز للمصلي تغطية فمه وأنفه في الصلاة بالكوفية أو غيرها مما يوضع على الوجه للتدفئة إن احتاج إلى ذلك لشدة برد أو مرض أو كِبَر سنه، وموضع الكراهة عند عدم الحاجة إليها، أو عدم وجود سبب معتبر للبسها، فإذا وجدت فإن الكراهة تُدفَعُ حينئذٍ، ومن ثمَّ فما يفعله والدُكَ جائز شرعًا، ولا حرج فيه، وصلاته صحيحة مجزئة.
المحتويات
اللِّثام: ما يوضع على الفم أو الشفة من النقاب أو غيره مما يغطى به، ولثَّم فاه، أي: غطاه، والجمع: لُثُم، والتلثُّم: شد اللِّثام. يُنظَر: "مختار الصحاح" للعلامة الرازي (ص: 279، ط. المكتبة العصرية)، و"المصباح المنير" للفيومي (2/ 549، ط. المكتبة العلمية).
واتفق الفقهاء على أنَّ المراد بالتلثُّم في الصلاة: تغطية الفم باليد أو نحوها مما يغطى به، واختلفوا في تغطية الأنف، هل هو من التلثم أم لا؟ على قولين: فبعضهم اعتبر تغطية الأنف من التلثم، في حين لم يعتبرها البعض الآخر تلثمًا. ينظر: "حاشية العلامة ابن عابدين على الدر المختار" (1/ 652، ط. دار الفكر)، و"الشرح الكبير" للعلامة الدردير المالكي (1/ 218، ط. دار الفكر)، و"المجموع" للإمام النووي الشافعي (3/ 179، ط. دار الفكر)، و"الهداية على مذهب الإمام أحمد" للإمام أبي الخطاب الكَلْوَذَانِي الحنبلي (ص: 77، ط. مؤسسة غراس).
قد نهى الشرع الشريف المصلي -رجلًا كان أو امرأة- عن تغطية الفم والأنف حال صلاته؛ لما فيه من شغل المصلي عن الخشوع وحُسن إكمال القراءة وكمال السجود؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السَّدْلِ في الصلاة، وأنْ يُغَطِّيَ الرجلُ فاه» أخرجه الأئمة: أبو داود والتِّرْمِذِي وابن ماجه والبَيْهَقِي، وابن حبان، والحاكم.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ وَثَوْبُهُ عَلَى أَنْفِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَطْمُ الشَّيْطَانِ» أخرجه الطَّبَرَاني في "المعجم الكبير".
قال الإمام الخَطَّابي في "معالم السنن" (1/ 179، ط. المطبعة العلمية): [وقوله: «وأن يُغَطِّيَ الرجلُ فاهُ»، فإن من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، فنُهوا عن ذلك في الصلاة إلَّا أن يعرض للمصلي التثاؤب فيغطي فمه عند ذلك] اهـ.
المراد بالنهي الوارد في هذه الأحاديث كما نصَّ عليه جمهور الفقهاء نهي الكراهة التنزيهية لا التحريمية، فلا تمنع صحة الصلاة، وهذا النهي ليس على إطلاقه؛ إذ إنَّ الفقهاء أجازوا للمصلي أن يغطي فاه بيده إذا عرض له التثاؤب في الصلاة، التزامًا بالأدب في مناجاة الله، ودفعًا للأذى عنه، استدلالًا بما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» أخرجه الإمام مسلم.
وفي رواية أخرى لمسلم: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ»، ولفظه في "المنتقى" لابن الجارود: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ غَلَبَهُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ»، وفي مسند الإمام أحمد بلفظ: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مَعَ التَّثَاؤُبِ».
قال الإمام أبو العباس القُرْطُبي المالكي في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (6/ 626، ط. دار ابن كثير): [(قوله: فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ) هذا خطاب لمن غلبه ذلك، فإنَّه يكسره بسد فاه ما أمكن، أو بوضع يده على فمه] اهـ.
قد تعددت آراء الشراح والفقهاء في بيان علة النهي الوارد في النصوص: فقيل: لأنها عادة جاهلية من عادات العرب، أو لِما في هذه الهيئة من التشبه بالمجوس، أو لِما فيها من معنى الكِبر، أو لأنَّ التلثم يمنع حُسن إتمام القراءة وكمال السجود.
قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 216، ط. دار الكتب العلمية): [ويكره أن يغطي فاه في الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك؛ ولأنَّ في التغطية منعًا من القراءة والأذكار المشروعة؛ ولأنه لو غطى بيده فقد ترك سنة اليد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «كفوا أيديكم في الصلاة»، ولو غطَّاهُ بثوب فقد تشبه بالمجوس؛ لأنهم يتلثمون في عبادتهم النار، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التلثم في الصلاة، إلا إذا كانت التغطية لدفع التثاؤب؛ فلا بأس به] اهـ.
وقال العلامة الدردير المالكي في "الشرح الكبير" (1/ 218): [(و) كره (تلثم) ولو لامرأة، واللثام: ما يصل لآخر الشفة السفلى] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (3/ 179): [ويكره أن يصلي الرجل متلثِّمًا، أي: مغطيًا فاه بيده أو غيرها، ويكره أن يضع يده على فمه في الصلاة إلا إذا تثاءب فإنَّ السنة وضع اليد على فيه... والمرأة والخنثى كالرجل في هذا، وهذه كراهة تنزيه لا تمنع صحة الصلاة] اهـ.
وقال العلامة البُهُوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 156، ط. عالم الكتب): [(و) كره أيضًا في صلاة (تغطية وجه، وتلثم على فم وأنف)؛ لحديث أبي هريرة... وفيه دليل على كراهة تغطية الوجه؛ لاشتماله على تغطية الفم، وقياسه: تغطية الأنف، وفي تغطية الوجه تشبه بالمجوس عند عبادتهم النيران، ولأنه ربما منع تحقيق الحروف] اهـ.
الكراهة محلها عدم الحاجة، فإن وجدت حاجة إلى ذلك اندفع حكم الكراهة، كما هو مقرر عند الفقهاء من أن: حكم الكراهة يزول بأدنى حاجة، قال العلامةُ السَّفَّارِيني في "غذاء الألباب" (2/ 22، ط. مؤسسة قرطبة): [الكراهة تزول بأدنى حاجة] اهـ.
فالمراد من النهي عن التغطية: الاستمرار فيه بلا حاجة، أما عروضها ساعة لعارضٍ أو لحاجة؛ فيدخل ضمن الرخصة والجواز، ولذلك أجاز العلماء التلثم في الصلاة لمن عُرفَ أنه من زيِّه، أو احتيجَ له لعمَلٍ أو نحوه، فعن قتادة: "أن الحسن كان يُرَخِّصُ في أن يصلي الرجل وهو متلثم إذا كان من بردٍ أو عذرٍ" أخرجه عبد الرزاق في "المصنف".
قال العلامة المُلَّا علي القَارِي في "مرقاة المفاتيح" (2/ 636، ط. دار الفكر): [كانت العرب يتلثمون بالعمائم، ويجعلون أطرافها تحت أعناقهم، فيغطون أفواههم كيلا يُصيبهم الهواء المختلط من حر أو برد، فنُهوا عنه؛ لأنه يمنع حُسن إتمام القراءة وكمال السجود، وفي شرح السنة: إن عرض له التثاؤب جاز أن يغطي فمه بثوب أو يده، لحديث ورد فيه ذكره الطيبي، والفرق ظاهر؛ لأنَّ المراد من النهي استمراره بلا ضرورة، ومن الجواز عروضه ساعة لعارض] اهـ.
وقال الشيخ الحَطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (1/ 503، ط. دار الفكر) نقلًا عن الشيخ زَرُّوق في شرح الإرشاد: [أما التلثم فيمنع إذا كان لكِبْر ونحوه، ويكره لغير ذلك، إلا أن يكون ذلك شأنه؛ كأهل لمتونة، أو كان في شغل عمله من أجله فيستمر عليه] اهـ.
وعليه: فالتلثم في الصلاة اتقاء البرد في الشتاء لا يخرج عن جملة هذه الأعذار؛ بل هو أشدُّ رخصةً وآكدُ مشروعية إذا أوصى به طبيب ثقة أو علم الإنسان -بغلبة الظن- من نفسه المرض إذا لم يفعل ذلك.
بناءً على ما سبق وفي السؤال: فيجوز للمصلي تغطية فمه وأنفه في الصلاة بالكوفية أو غيرها مما يوضع على الوجه للتدفئة إن احتاج إلى ذلك لشدة برد أو مرض أو كِبَر سنه، وموضع الكراهة عند عدم الحاجة إليها، أو عدم وجود سبب معتبر للبسها، فإذا وجدت فإن الكراهة تُدفَعُ حينئذٍ، ومن ثمَّ فما يفعله والدُكَ جائز شرعًا، ولا حرج فيه، وصلاته صحيحة مجزئة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم صلاة الجمعة مرتين بإمام واحد في مسجد واحد؟ فإنه يوجد في مدينة تمبي في ولاية أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية مسجد باسم (المركز الإسلامي)، وتقام فيه الصلوات الخمس والجمع وبعض الدروس العلمية، كما تقام في نفس المسجد يوم الجمعة صلاة الجمعة مرتين أو ثلاث مرات أحيانًا والفرق ساعة بين كل صلاة جمعة، وفي يوم من أيام الجمعة حضرت صلاة الجمعة الأولى حيث خطب الجمعة وصلى الصلاة أحد الأئمة وبعد انتهاء الصلاة وانصراف الناس المتواجدين، بدأ وقت صلاة الجمعة الثانية بنصف ساعة تقريبًا، رجع نفس الإمام الذي صلى بنا الجمعة الأولى، واعتلى المنبر وبدأ خطبته، وبعد الانتهاء من الخطبة ظننت أنه قد يقدم شخصًا آخر مكانه ليصلي بالناس، ولكنني تفاجأت به هو نفسه الذي صلى بنا الجمعة الأولى يصلي بالجماعة الثانية ويؤمهم للصلاة، فتعجبت كثيرًا كيف لإمام أن يصلي صلاتي جمعة، بالجماعة الأولى والجماعة الثانية! فالصلاة الأولى صليناها في وقتها بعد الزوال على الساعة الواحدة ظهرًا، والصلاة الثانية على الساعة الثانية ظهرًا، هم في العادة كل جمعة يصلونها بإمام غير الجمعة الأخرى، ولكن الذي حدث ذلك اليوم كان أمرًا غريبًا عليَّ وتعجبت منه كثيرًا. فما حكم الصلاة الثانية للإمام والجماعة التي صلت معه؟
سائل يقول: نرجو منكم بيان أقل ما تدرك به المرأة الصلاة حال انقطاع دم الحيض عنها؛ فإن زوجتي طَهُرَت من الحيض بانقطاعه عنها لستة أيام، وكان ذلك قبل خروج وقت صلاة الظهر بقليل فاغتسلت وأدركت ركعة من الصلاة، فأذن العصر أثناء قيامها للركعة الثانية.
فنرجو منكم الإفادة عن ذلك.
ما الحكمة من مشروعية صلاة الجمعة؟ وما حكمها؟
ما حكم صلاة المرأة كاشفة شعرها؟ فإن زوجتي صَلَّت كاشفة شعرها في حال وجودي في البيت؛ فهل صلاتها صحيحة؟ وهل هناك فرق لو صَلَّت بهذا الحال منفردة في مكان لا يراها أحد؟
ما الحكم الشرعي في إمام المسجد يقرأ في الصلاة الجهرية بآياتٍ مِن القرآن، ويخطىء فيها وإذا قام أحد المصلين بِرَدِّهِ فإنه يقوم بإمساك الميكروفون ويقول على مسمع الناس لا يجوز رَدُّ الإمام في الصلاة؟
ما حكم صلاة الإمام بالمأمومين وهو جالس؛ فمنذ زمن كان يصلي بنا أستاذ من أساتذة التربية والتعليم، ومع السن صار يصلي على كرسي، ولكن اثنين من المصلين اعترضا عليه بحجة أن هذا أمرٌ لا يوافق عقولنا. هو يحفظ كتاب الله ويعلم من السنة، فهل يجوز هذا الاعتراض؟