حكم تناول دواء في سحور رمضان لتقوية الصائم

تاريخ الفتوى: 14 يوليو 2025 م
رقم الفتوى: 8692
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الطب والتداوي
حكم تناول دواء في سحور رمضان لتقوية الصائم

ما حكم تناول دواء في سحور رمضان لتقوية الصائم؟ حيث إني أتناول دواء مع السحور يُمِدُّ الجسم بالطاقة والنشاط ويُقلِّل من الشعور بالجوع والعطش، فما الحكم الشرعي لهذا الأمر؟

يجوز للصائم تناول بعض الأدوية والعقاقير المباحة شرعًا في وقت السحور أو قبله أو بعده أو بدلًا عنه ما دام أن ذلك قبل دخول الفجر الصادق وتحت إشراف الأطباء المختصين، ولم يترتب عليه وقوع ضررٍ على الصائم.

المحتويات

 

بيان حقيقة الصيام في الشريعة الإسلامية

حقيقة الصيام هي الإمساك عن الـمُفطِر من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس مع النية، ولا يتحقَّق الإمساك عن المأكل والمشرب إلَّا بمنع دخول شيءٍ ذِي جِرمٍ من المنافذ المفتوحة إلى الجوف، فعن ابن عباس وعكرمة رضي الله عنهما قالا: «الصَّوْمُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» رواه البخاري في "صحيحه" مُعَلَّقًا، والمعنى: أنَّ الإمساك واجبٌ مما يدخُل إلى الجَوف لا مما يخرج خلال الصوم.

قال العَلَّامة الحَصْكَفِي الحنفي في "الدُّر المختار" (ص: 147، ط. دار الكتب العلمية) عند كلامه على صور الـمُفْطِرات: [والضابط: وصول ما فيه صلاح بَدَنه لجوفه] اهـ.

وقال الإمام الدَّردير المالكي في "الشرح الكبير" (1/ 523، ط. دار الفكر، ومعه "حاشية الدسوقي") عند كلامه على صور الـمُفْطِرات: [(و) صحته بترك (إيصال مُتحَلِّلٍ)، أي: مائعٍ من مَنفذٍ عالٍ أو سافلٍ] اهـ.

قال العَلَّامة الدُّسوقي مُحَشِّيًا عليه: [وعُلِمَ من كلامه أَنَّ ما وصل للمعدةِ إِن كان من منفذٍ عالٍ فهو مُفسِد للصوم، سواء كان مائعًا أو غير مائع، وإِن كان من منفذٍ سافلٍ فلا يُفسِد إِلَّا إِذا كان مائعًا، إِلَّا إِن كان جامدًا، فوصول المائعِ للمعدةِ مُفسِد مطلقًا، كان المنفذُ عاليًا أَو سافلًا، ووصول الجامدِ لها لا يُفسد إِلَّا إِذا كان المنفذُ عاليًا] اهـ.

وقال الإمام الرافعي الشافعي في "الشرح الكبير" (6/ 359، ط. دار الفكر): [مِن أسباب الفِطْر دخول الشيء جوفه، وقد ضبطوا الداخل الذي يُفْطِر بالعين الواصل مِن الظاهر إلى الباطن في منفذٍ مفتوحٍ عن قَصدٍ مع ذِكْر الصوم] اهـ.

وقال العَلَّامة ابن قُدَامة الحنبلي في "المغني" (3/ 119، ط. مكتبة القاهرة): [أجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب بما يتغذَّى به، فأَمَّا ما لا يُتَغذَّى به، فعامة أهل العلم على أَنَّ الفطر يحصل به] اهـ.

بيان أهمية السحور وبركته للصائم

قد شَرَع الله تعالى السحور للصائم ليكون له الزاد والمعين على صومه؛ فيتقوَّى به في الليل على صوم النهار، وبَاركَه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» متفق عليه، وذلك لما يَحدُث فيه للمتسَحِّرين من الأخذ بأسباب القوة للقيام بأداء عبادة الصوم كاملة غير منقوصة كما جاء بها الأمر الشرعي.

قال العلامة ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (2/ 9، ط. مطبعة السنة المحمدية) في بيان معنى حصول البركة في السحور: [يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية، فإنَّ إقامة السُّنَّة توجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية، لقوة البدن على الصوم، وتيسيره من غير إجحاف به] اهـ.

كذلك أسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغداء المبارك، فعن العِرْباض بن سارية السُّلَمي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يدعو إلى السحور في شهر رمضان المبارك: «هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ» رواه الإمام أحمد في "المسند".

قال الإمام ابن بَطَّال في "شرح صحيح البخاري" (4/ 45، ط. مكتبة الرشد): [حض أمته عليه السلام، عليه ليكون قوة لهم على صيامهم] اهـ.

وقال الإمام الخَطَّابي في "معالم السنن" (2/ 104، ط. المطبعة العلمية): [إنما سماه غداء لأنَّ الصائم يتقوَّى به على صيام النهار، فكأنه قد تغدَّى، والعرب تقول: غدا فلان لحاجته إذا بكَّر فيها، وذلك من لدن وقت السَّحَر إلى طلوع الشمس] اهـ.

وإنما كان حدوث البركة منه لما يلحق القائم له مِن خير ورزق ونشاط وفير بعده، يقول العلامة ابن الحاج المالكي في "المدخل" (2/ 254، ط. دار التراث): [إذا تَسَحَّر قريبًا مِن طلوع الفجر فإنه إذا فَرَغ منه اشتغل بالطهارة لصلاة الفرض، ثم دخل بعد أداء الفرض في أوراده واشتغل بها ثم تَصرَّف بعد ذلك في مهماته، فيحصل له التَّهجُّد في ليله وخِفَّة الصوم عليه في نهاره وينضبط حاله] اهـ.

 حكم تناول دواء في السحور لتقوية الصائم

مِن بين الأمور التي يجوز للمسلم أن يتقوَّى بها أثناء الصوم تناول بعض الأدوية والعقاقير وقت السحور أو قبله أو بعده أو تناولها بَدَلًا عن السحور، فهو -أي: السحور- يحصل بالقَدْر القليل مِن مأكل أو مشرب، ما دام كان ذلك قبل دخول وقت الصيام؛ وهو الفجر الصادق.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (4/ 140، ط. دار المعرفة): [يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب] اهـ.

وذلك متى كانت هذه الأدوية والعقاقير مباحةً من حيث الأصل، بأن كانت طاهرة، ولم يرد في تحريمها دليل عامٌّ أو خاصٌّ؛ وألَّا يتسبب تناولها في وقوع ضرر بصحة الصائم، وأن يتم هذا الأمر تحت إشراف أهل التخصص، فقد تقرر شرعًا أن الأصل في الأشياء الإباحة ويبقى ذلك الأصل حتى يقوم دليل على تغييره كما هو مقرَّرٌ شرعًا، كما في "شرح مختصر خليل وحاشية البناني" للإمام الزُّرْقَانِيِّ (1/ 320، ط. دار الكتب العلمية)، و"الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 60، ط. دار الكتب العلمية)، و"مطالب أولي النهى" للعلامة الرُّحَيْبَاني (6/ 218، ط. المكتب الإسلامي).

ويدلُّ لهذا الأصل: قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وحديث سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السَّمْن والجُبْن والفِرَاء، قال: «الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه، فهو ممَّا عفا عنه» أخرجه الإمامان التِّرْمِذِي وابن ماجه.

قال المُلَّا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (8/ 131، ط. دار الكتب العلمية): [«فهو ممَّا عفا عنه» أي: عن استعماله وأباح في أكله، وفيه: أنَّ الأصل في الأشياء الإباحة] اهـ.

وقد قَرَّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا المبدأ، فعن طَاوُسٍ قال: سمعت أبا الدَّرْدَاء، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوها، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ كَثِيرٍ عَنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَكَلَّفُوهَا، رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ فَاقْبَلُوهَا» رواه الطَّبَرَانِي في "المعجم الأوسط".

من المقرر شرعًا أنَّه يجوز للصائم في نهار رمضان التقوِّي على الصوم بفعل ما لا يفسده، كالتبرُّد بصَبِّ الماء فوق الرأس، والمضمضة والاستنشاق، وغير ذلك من الأمور التي تساعد المسلم على إتمام الفريضة، مع التحرُّز الكامل عن انزلاق شيء من هذا الماء إلى الجوف، وامتلاك القدرة على استعماله فيما يرده فقط، فإذا جاز له الاستعانة بذلك للتقوِّي على الصوم في نهار رمضان، فمن باب أولى جواز الاستعانة بما يتقوَّى به من أدوية وعقاقير وقت السحور، وهو وقت فيه إباحة الأكل والشرب والجماع، وغيرها مما يعد فعله مفطرًا في نهار رمضان، فقد أخرج الإمام مالك في "الموطأ" أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان بالعرج «يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ».

قال الإمام الباجي في "المنتقى شرح الموطأ" (2/ 49، ط. مطبعة السعادة): [بلغ به شدة العطش أو الحر أن صب الماء على رأسه ليتقوَّى بذلك على صومه وليخفف عن نفسه بعض ألم الحر أو العطش وهذا أصل في استعمال ما يتقوَّى به الصائم على صومه مما لا يقع به الفطر من التبرُّد بالماء والمضمضة به؛ لأن ذلك يعينه على الصوم ولا يقع به الفطر؛ لأنه يملك ما في فمه من الماء ويصرفه على اختياره] اهـ.

وقال العلامة الشُّرُنْبُلَالِي الحنفي في "مراقي الفلاح" (ص: 257، ط. المكتبة العصرية) في معرض حديثه عما لا يُكره فعله للصائم: [لا يُكره له "المضمضة و" لا "الاستنشاق" وقد فعلهما "لغير وضوء و" لا "الاغتسال و" لا "التلفف بثوب مبتل" قصد ذلك "للتبرُّد" ودفع الحر "على المفتى به" وهو قول أبي يوسف.. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يبل الثوب ويلفُّه عليه وهو صائم ولأن بهذه عونًا على العبادة ودفعًا للضجر الطبيعي] اهـ.

فإذا ثبت أَنَّ هذه الأدوية تعمل على تقليل الشعور بالجوع والعطش، وإمداد الجسم بالطاقة والنشاط، لما قد تحتويه مِن مركبات نافعة تخفِّف من أَثَر ذلك ولا تحتوي على ما فيه ضرر جاز استخدامها ولا حرج، للقاعدة الفقهية المستقرة أنَّه "لا ضرر ولا ضرار". ينظر: "الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص: 7، ط. دار الكتب العلمية).

وأصل هذه القاعدة ما أخرجه الإمام ابن ماجه عن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». وهي قاعدة تحول مراعاتها بين الإنسان وبين كل ما يمكن أن يُسَبِّب له الضرر؛ على مستوى الأفراد والجماعات.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يجوز للصائم تناول بعض الأدوية والعقاقير المباحة شرعًا في وقت السحور أو قبله أو بعده أو بدلًا عنه ما دام أن ذلك قبل دخول الفجر الصادق وتحت إشراف الأطباء المختصين، ولم يترتب عليه وقوع ضررٍ على الصائم.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم الإفطار في شهر رمضان لعموم المرضى، خاصَّة في هذه الظروف التي تفشَّى فيها وباء كورونا المستجد؟


ما الوقت المحدد شرعًا لإفطار الصائم؟ حيث بعض الناس يشككون في موعد إفطار الصائمين ويدَّعون أنَّ وقته دخول ظلمة الليل.



ما حكم استعمال لاصقة نيكوتين أثناء الصيام؟ فرجلٌ يستخدم لصقات النيكوتين التي توضع على الجِلد تحت إشراف الطبيب المعالج كمرحلة من مراحل الإقلاع عن التدخين، فهل تعدُّ تلك اللصقات من المفطرات إذا استخدمها في نهار رمضان؟


ما هو وقت إخراج فدية صيام رمضان لغير المستطيع للصيام بعذرٍ دائمٍ؟ وهل يجوز إخراجها قبل حلول الشهر الكريم؟


ما حكم إفطار من يَحُول نظام العمل بينه وبين الإفطار وقت المغرب في رمضان؟ فهناك رجل يعمل طول اليوم ونظام العمل أنَّ الأكل ممنوع إلا في المواعيد المحددة ومن ثم لا يستطيع الصوم؛ لأنه إذا صام لن يستطيع أن يفطر في موعِدِ الإفطار، وإذا لم يفطر وواصل الصيام فسيكون في الأمر مشقة ولن يستطيع أن يعمل، فهل يجوز له الفطر ويُخرِج عن كل يوم فدية؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 22 فبراير 2026 م
الفجر
5 :2
الشروق
6 :28
الظهر
12 : 8
العصر
3:22
المغرب
5 : 49
العشاء
7 :6