هل يتحقق صيام رمضان بالنسبة للتَّوأمين المُلتصقين بإمساك أحدهما عن المُفطِرات دون الآخر؟ وهل يُرخَّص لهما بالفطر إن حذَّر الطبيب من ذلك خوفًا على حياتهما؟
إذا اتحد التوأمان الملتصقان في القلب أو المخ فهما شخص واحد، ويحصل الصوم في حقه بالإمساك عن المفطرات.
أمَّا إذا كانا مُفتَرِقَين في القلب والمخ فهما شخصان مستقلَّان، ويحصل الصوم في حقهما بإمساك كل منهما عن المفطرات، فإن أمسك أحدهما دون الآخر فإنَّه يُعتدُّ حينئذ بصيام من تحقق منه الإمساك دون سواه.
فإذا ثبت لدى الأطباء المُختصِّين تأثير فطر أحدهما -لعذر أو مانع أو رخصة- على صيام الآخر، كأن يكونا مشتركين في المعدة والأمعاء، بحيث إذا أكل المفطر أو شرب حصل الوصول إلى المعدة والأمعاء المشتركة بينهما، فيكون الصائم حينئذ في حكم المُكره على وصول شيء إلى جوفه بغير اختيار منه، فيصح صومه حينئذ، ويجب على من أفطر قضاء هذه الأيام إن أمكن ذلك، وإلا فإخراج فدية -إطعام مسكين عن كل يوم- أو فديتين -تبعًا لنوع التوأمين واعتبارهما شخصًا واحدًا أو شخصين- حال الإفطار وتعذُّر قضاء الصوم.
المحتويات
من المُقرَّر شرعًا أنَّ صومَ رمضان من أجلِّ العبادات، وآكد الواجبات، إذ هو ركن من أركان هذا الدين القويم، ودعامة من دعائمه الخمس، قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بُنِيَ الإِسلَامُ عَلَى خَمسٍ: شَهَادَةِ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَومِ رَمَضَانَ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.
قد اتَّفق الفقهاء على وجوب صوم رمضان في حقِّ المسلم، البالغ، العاقل، الصَّحيح، المُقيم، القادر على ذلك، الخالي من الموانع الشرعية، على أن يكون ذلك بالإمساك عن المُفطِرات من الطعام والشراب والجماع وغير ذلك من طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس.
قال الإمام ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 39، ط. دار الكتب العلمية): [اتَّفقوا على أن صيام نهار رمضان على الصَّحيح، المُقِيم، العاقل، البالغ، الذي يعلم أنَّه رمضان، وقد بلغه وجوب صيامه، وهو مسلم، وليس امرأة لا حائضًا... واتَّفقوا على أنَّ الأكل لما يغذي من الطعام مما يستأنف إدخاله في الفم، والشرب، والوطء، حرام من حين طلوع الشمس إلى غروبها] اهـ.
هذا في حقِّ المُكلف المُنفَرِد المستقل بذاته.
أمَّا بالنسبة للتوأمين الملتصقين فإنَّ الحكم بانفصال أو اتِّصال صوم وإمساك أحدهما بصوم الآخر يتوقَّف على اعتبارهما في ميزان التَّكليف شخصين مُستقلَّين مُكلَّفين على حِدَة، أو شخصًا واحدًا بأعضاء زائدة أو جسدين متداخلين لا يُتَصوَّر فيهما الانفكاك في التَّكليف، وبالرجوع إلى أهل الخبرة من الأطباء المُختصِّين في ذلك تبيَّن أنَّه يمكن إجمال أنواع التَّوائم المُلتصقة في نوعين رئيسيين:
النوع الأول: توأم يشترك مع الآخر في مُقَوِّمات الحياة وهي القلب أو المخ.
وهذا النوع من التوائم في حقيقة أمره شخص واحد وإن بدت صورته الظاهرة في هيئة شقين أو طرفين؛ إذ لا اعتداد حينئذ بتعدد أعضائه الظاهرة؛ لكونها في حكم الزَّائد التَّابع لهذا الجسد؛ إذ لا تقوى هذه الأعضاء على الاستقلال بالحياة ما دام القلب أو المخ مشتركًا.
قال العلَّامَةُ القليوبي في "حاشيته على شرح المحلي" (3/ 141، ط. دار الفكر): [لو كانا ملتصقين وأعضاء كل منهما كاملة حتى الفرجين، فلهما حكم اثنين في جميع الأحكام... فإن نقصت أعضاء أحدهما، فإن علم حياة أحدهما استقلالا كنوم أحدهما ويقظة الآخر فكاثنين أيضًا، وإلا فكواحد] اهـ.
وعلى ذلك فيحصل صوم شهر رمضان لهذا النوع من التوائم بالإمساك والاحتراز في الجملة عن مُبطلات الصيام -كوصول شيء إلى الجوف من منفذٍ مفتوحٍ انفتاحًا أصليًّا محسوسٍ أو غير ذلك كالجماع ونحوه- من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
النوع الثاني: توأم يفتَرقُ عن الآخر في مُقَوِّمات الحياة، وذلك بانفراد كلٍّ منهما بقلب ومخ مُستقلين، سواء اشتركا في سائر الأعضاء الأخرى أو بعضها، أو كان لكل منهما أعضاء خاصَّة.
وهذا النوع من التوائم شخصان حقيقة؛ إذ العبرة باستقلال آلة الإدراك والحياة لكل منهما، لا اتصال جسدهما واتحاد بنيتهما.
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (4/ 90، ط. دار الكتاب الإسلامي) مُبيِّنًا ما يجب بالجناية على جنين التوأم: [(وإن ألقت بدنين) ولو ملتصقين (فغُرَّتان) إذ الواحد لا يكون له بدنان، فالبدنان حقيقة يستلزمان رأسين، فلو لم يكن إلا رأس فالمجموع بدنٌ واحدٌ حقيقةً، فلا تجب إلا غرة واحدة] اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن حَجَر الهَيتَمِي في "تحفة المحتاج" (6/ 397، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [لو كانا ملتصقين، ولكلٍّ رأسٌ ويدان ورِجلان وفرجٌ.. حُكمهما حُكم الاثنين في سائر الأحكام، كما نقلوه عن ابن القطان وأقروه، وظاهرٌ أن تعدد غير الرأس ليس بشرط، بل متى عُلم استقلال كلٍّ بحياةٍ -كأن نام دون الآخر- كانا كذلك] اهـ.
وقال الإمام الخطيب الشِّربِينِي في "الإقناع" (2/ 389، ط. دار الفكر) عند الكلام على حَجبِ الأم حَجبَ نقصان من الثلث إلى السدس بالأخوين: [لو ولدت امرأةٌ ولدين ملتصقين، لهما رأسان وأربع أرجل وأربع أيد وفرجان، ولها ابن آخر، ثم مات هذا الابن وترك أمه وهذين، فيُصرَف لها السدس، وهو كذلك؛ لأن حكمهما حكم الاثنين في سائر الأحكام من قصاص ودية وغيرهما] اهـ.
وعليه فيحصل صوم شهر رمضان لهذا النَّوع من التوائم بإمساك كِلَا الشَّخصين -على حدة- عن المُفطرات في نهار هذا الشَّهر، فإن أمسك أحدهما دون الآخر فإنَّه يُعتدُّ حينئذ بصيام من تحقق منه الإمساك دون سواه، فإذا ثبت لدى الأطباء المُختصِّين تأثير فطر أحدهما -لعذر أو مانع أو رخصة- على صيام الآخر، كأن يكونا مشتركين في المعدة والأمعاء، بحيث إذا أكل المفطر أو شرب حصل الوصول إلى المعدة والأمعاء المشتركة بينهما، فيكون الصائم حينئذ في حكم المُكره على وصول شيء إلى جوفه بغير اختيار منه، فيصح صومه حينئذ. يُنظر: "الجوهرة النيِّرة" للإمام أبي بكر الزَّبيدي (1/ 138، ط. المطبعة الخيرية)، و"المجموع" للإمام النَّووي (6/ 326، ط. دار الفكر)، و"كشاف القناع" للإمام البُهُوتِي (2/ 320، ط. عالم الكتب).
هذا هو الأصل في صيام التَّوأمين الملتصقين.
إذا أخبر الطبيب الثقة المُختص أن الصوم قد يؤدي إلى حدوث ضررٍ بالغٍ أو خطرٍ مُحقَّقٍ بأحد التوأمين -كأن يكون سببًا لحدوث مضاعفات صحيَّة أو تهديد مباشر لحياة أحدهما أو كليهما- فيجب الفطر في مثل هذه الحالة؛ حفظًا للمُهَجِ، وصيانةً للأرواح، وعملًا بعموم قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، وقوله تعالى في خصوص الصوم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184].
إضافة إلى ما تقرّر في القواعد الشرعية والضَّوابِط المَرعِيَّة من أنَّ "الضرر يُزال"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 83، ط. دار الكتب العلمية).
قال الإمام علاء الدين الكَاسَانِي في "بدائع الصنائع" (2/ 94، ط. دار الكتب العلمية) مُبيِّنًا حدَّ المرض الموجب للفطر في رمضان: [والمبيح المطلق، بل الموجب: هو الذي يخاف منه الهلاك؛ لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة، لا لإقامة حق الله تعالى، وهو الوجوب، والوجوب لا يبقى في هذه الحالة، وإنه حرام، فكان الإفطار مباحًا، بل واجبًا] اهـ.
وقال الإمام أبو عبد الله الخَرَشِي في "شرح مختصر خليل" (2/ 261، ط. دار الفكر): [فإن خاف على نفسه الهلاك، أو أن يلحقه مشقة عظيمة، فإنه يجب عليه الإفطار؛ لأنَّ حفظ النفوس واجب ما أمكن، وإليه أشار بقوله: (ص) ووَجَب إن خاف هلاكًا، أو شديدَ أذًى (ش) أي: مشقة عظيمة... فمجرد الخوف كافٍ في وجوب الفطر، ولا يشترط وجود المخوف منه، وهو الهلاك، أو شديد الأذى] اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن حَجَر الهَيتَمِي في "تحفة المحتاج" (3/ 429): [(ويباح تركه) أي رمضان ومثله بالأَولى كلُّ صوم واجب (للمريض) أي: يجب عليه (إذا وجد به ضررًا شديدًا)] اهـ.
وقال الإمام الخطيب الشِّربِيني في "الإقناع" (1/ 244): [فإن خاف على نفسه الهلاك أو ذهاب منفعة عضو وجب عليه الفطر] اهـ.
على أنَّ الحكم بقضاء ما فاته من أيام، أو العدول عن ذلك إلى إخراج الفدية -وهي إطعام مسكين عن فطر يوم من أيام رمضان، وذلك بحسب نوع التوأمين، واعتبارهما شخصًا واحدًا يلزمه فدية واحدة أو شخصين يلزمهما فديتان- عوضًا عن صيام رمضان، إنَّما يتوقف على إخبار الطبيب الحاذق المُختصِّ بمدى استمرار أو انقطاع وزوال العُذر المانع من الصيام.
بِناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإذا اتحد التوأمان الملتصقان في القلب أو المخ فهما شخص واحد، ويحصل الصوم في حقه بالإمساك عن المفطرات، أمَّا إذا كانا مُفتَرِقَين في القلب والمخ فهما شخصان مستقلَّان، ويحصل الصوم في حقهما بإمساك كل منهما عن المفطرات، فإن أمسك أحدهما دون الآخر فإنَّه يُعتدُّ حينئذ بصيام من تحقق منه الإمساك دون سواه، فإذا ثبت لدى الأطباء المُختصِّين تأثير فطر أحدهما -لعذر أو مانع أو رخصة- على صيام الآخر، كأن يكونا مشتركين في المعدة والأمعاء، بحيث إذا أكل المفطر أو شرب حصل الوصول إلى المعدة والأمعاء المشتركة بينهما، فيكون الصائم حينئذ في حكم المُكره على وصول شيء إلى جوفه بغير اختيار منه، فيصح صومه حينئذ، ويجب على من أفطر قضاء هذه الأيام إن أمكن ذلك، وإلا فإخراج فدية -إطعام مسكين عن كل يوم- أو فديتين -تبعًا لنوع التوأمين واعتبارهما شخصًا واحدًا أو شخصين- حال الإفطار وتعذُّر قضاء الصوم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
هل التخدير الطبي لإجراء العمليات في نهار رمضان يبطل الصيام؟ فقد قمت بإجراء عملية جراحية في نهار رمضان، وقد أخذت المخدر اللازم لإجراء هذه العملية حتى غبت عن الوعي تمامًا، وقد أفقتُ من هذا المخدر قبل أذان المغرب، ولم أتناول أكلًا ولا شُربًا، وكنت قد نويتُ الصيام من الليل، فما حكم صوم هذا اليوم؟ هل تؤثر هذه الفترة التي غبتُ فيها عن الوعي على صحة الصوم؟ أفيدوني أفادكم الله.
ما حكم وضع مريض القلب حبة تحت اللسان في نهار رمضان لعلاج الذبحة الصدرية؟ فأنا أعاني من ذبحة صدرية وأحيانًا -حالَ الصيام- تأتيني النوبةُ، فأحتاج إلى وضع حبة دواء تحت اللسان من أجل عودة الأمور إلى طبيعتها؛ فهل يفسد ذلك الصوم؟
ما الذي يجب على المسلمين عمله في شهر رمضان الكريم؟
ما حكم صيام الحادي عشر مع عاشوراء بدلًا من التاسع من شهر المحرم؟ لأن رجلًا لم يتمكن من صيام يوم التاسِع من شهر الله المحرم، فلما دخل عليه يومُ عاشوراء صامه، وصام معه الحاديَ عشر، يرجو بذلك إصابة السُّنة، ونَيلَ أجرِ التطوع، فهل يجزئه صنيعُه هذا ويُرجى له به الفضل؟
نرجو بيان ما يجب على من أفطر أيامًا في شهر رمضان لعذر؟ لأنه يوجد امرأة كبيرة بالسنِّ، أفطرت عدة أيام من كل شهر رمضان مرَّ عليها ولم تقضها، وعندما أرادت أن تُعوّض هذه الأيام أدركت أنها كثيرة وأنها تجد مشقة في صيامها؛ لأنها تصوم رمضان بمشقة وتعب. وتسأل عن الآتي:
- هل يجوز إطعام فقير عن كلِّ يوم، أو دفع نقود بدل الإطعام؟ وما المبلغ المطلوب دفعه عن كل يوم؟
- إذا كان دفع النقود جائزًا، فهل يجوز دفعه في أي شهر من السنة؟
- وهل يجوز دفعها إلى صندوق في مسجد، وهو مخصص لمساعدة أهل الحي الفقراء، ويقوم المشرفون عليه بتوزيعها على المستحقين؟
ما حكم اعتكاف المرأة في بيتها؟ فأنا لم أتزوج بعد، وأرغب في أن أنال ثواب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان هذا العام قبل أن تشغلني مشاغل الحياة بعد زواجي، ويخبرني بعض مَن حولي بأن اعتكاف المرأة إنما يكون في بيتها لا في المسجد، أرجو الإفادة بالرأي الشرعي في ذلك.