سائل يقول: اعتاد رجل نزول حمَّام السباحة بالنهار، بقصد التمرين، فهل يتأثر صيامه في رمضان بنزول حمَّام السباحة؟
نزول حمام السباحة أثناء الصيام لا يؤثر في صحة الصوم، وذلك ما لم يصل الماء إلى جوف الصائم حال القصد أو عدم الاكتراث لهذا الأمر، بأن ينزل إلى المسبح مَن عَلِمَ مِن نفسه عدمَ القُدرة على التحرُّز عن نزول الماء إلى الحَلْق، أمَّا تَسرُّب شيءٍ من الماء إلى الحَلْق دون قصدٍ بعد اتخاذ كافَّة الأساليب الاحترازية عن دخوله إلى الحَلْق أثناء السباحة، فإنه لا يؤثر في صحة الصوم، ومع ذلك إن قَدَر على القضاء احتياطًا ومراعاةً للخلاف استُحب له ذلك.
المحتويات
صيام شهر رمضان ركنٌ من أركان الدين، وعبادةٌ لرب العالمين، وتشبُّهٌ بالملائكة المقرَّبين، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصَّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» أخرجه الإمام البخاري.
قال الإمام ضياء الدين خليل في "التوضيح" (2/ 373، ط. مركز نجيبويه): [رمضان واجب بإجماع.. وشُرع لمخالفة الهوى؛ لأن الهوى يدعو إلى شهوتَي البطن والفَرْج، ولكسْر النفس، ولتصفية مرآة العقل، والاتصاف بصفات الملائكة، ولينتبه العبد على مواساة الجائع] اهـ.
حقيقة الصوم إمساك المكلَّف عن شهوتَي البطن والفرج وما ألحق بهما، كما في "مراقي الفلاح" للإمام الشُّرُنْبُلَالِي (ص: 234، ط. المكتبة العصرية)، وذلك مدَّة الصوم، المبتدأة بطلوع الفجر، والمنتهية بغروب الشمس.
الماء باعتباره من جملة المفطرات لا يَفسُد به الصوم إلا إذا وصل إلى جوف الصائم ومعدته، ووجوده خارج الجسم أو في الفم من غير أن يبتلعه الصائم لا يعدُّ مفسدًا للصومِ باتفاق الفقهاء؛ إذ العبرة عندهم في فساد الصوم بوصول المفطِّر إلى الجوف وباطن الجسم، كما في "المبسوط" لشمس الأئمة السَّرَخْسِي الحنفي (3/ 68، ط. دار المعرفة)، و"الشرح الصغير" للإمام أبي البَرَكَات الدَّرْدِير المالكي (1/ 698، ط. دار المعارف، مع "حاشية الإمام الصَّاوِي")، و"المجموع" للإمام النَّوَوِي الشافعي (6/ 313، ط. دار الفكر)، و"المغني" للإمام ابن قُدَامَة الحنبلي (3/ 121، ط. مكتبة القاهرة).
دخول الصائم في الماء وتعميم بدنه به، أو البقاء فيه مدّةً للتبرُّد، وردت به الآثار عن بعض صحابة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذَكَر الإمام البخاري في "صحيحه" معلقًا أنَّ أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "إِنَّ لِي أَبْزَنَ أَتَقَحَّمُ فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ"، وقد ذَكَر تخريجه الإمام الحافظ ابن حَجَرٍ العَسْقَلَانِي في "فتح الباري" (4/ 154، ط. دار المعرفة)، وقال شارحًا له: ["الأَبزَن" -بفتح الهمزة، وسكون الموحَّدة، وفتح الزاي، بعدها نون-: حجرٌ منقورٌ شِبْه الحوض، وهي كلمة فارسية، ولذلك لم يَصرِفْه، و"أَتَقَحَّمُ فيه" أي: أَدخُل.. وكأنَّ الأَبزَن كان ملآن ماء، فكان أنسٌ إذا وجد الحَرَّ دخل فيه يتبرَّد بذلك] اهـ.
قال الإمام النَّوَوِي في "المجموع" (6/ 348): [يجوز للصائم أن ينزل في الماء، وينغطس فيه، ويصبَّه على رأسه، سواء كان في حمَّام أو غيره] اهـ.
وقرار الإنسان في الماء وانغماسه فيه لا يلزم منه دخول الماء إلى جوفه، ما دام متحكمًا وضابطًا لفمه عن الابتلاع، قادرًا على مجِّ الماء من فمه إن دخل فيه دون قصدٍ ولم يصل للجوف، ومن ثمَّ فإنه في تلك الحالة لا يؤثر على صحَّةِ الصوم؛ إذ يصل الماء إلى ذلك الموضع من الفم أثناء وضوء الصائم للفرض أو النفل، وبعد مجِّ الماء "لا يَلزمه تَنشيف فَمِهِ بِخِرْقةٍ ونحوِها بلا خلافٍ"، كما قال الإمام المُتَوَلِّي وغيرُه فيما نقله الإمام النووي في "المجموع" (6/ 327).
أمَّا إذا علم الصائم من نفسه أنَّه عادةً ما يدخل الماء إلى جوفه أثناء السباحة، وأنه لا يقدر على التحرُّز عن ذلك، ومع ذلك نزل إلى الماء، فإنَّه يفطر إذا نزل فدخل الماء إلى جوفه، بل ويَحرُم عليه حينئذٍ المبادرة إلى نزول الماء خلال ساعات صومه إلى أن يزولَ عنه ضَعف التحرُّز عن إمساك الماء، ويتمكنَ من ضبط فمه وعملية الابتلاع خلال السباحة.
قال الإمام شمس الدين الرَّمْلِي في "نهاية المحتاج" (3/ 171، ط. دار الفكر) نقلًا عن الإمام شهاب الدين الأَذْرَعِي: [لو عرف عادته أنَّه يصل الماء منه إلى جوفه أو دماغه بالانغماس، ولا يمكنه التحرز عنه، أنَّه يَحرُم الانغماس، ويفطر قطعًا] اهـ.
فإن كان قادرًا على التحرز عن ابتلاع الماء وتحرَّز عنه، ومع ذلك تسرَّب شيءٌ إلى جوفه عَرَضًا دون قصدٍ منه، فقد اختلف الفقهاء في صحَّة صومه، فذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة في أحد الوجهين، إلى أنَّ صومه يفسد بذلك الماء المتسرب إلى جوفه من غير قصدٍ، ويكون مفطرًا، ويجب عليه قضاء يوم مكان ذلك اليوم؛ لأنَّ الماء وصل إلى جوفه بفعله وهو ذاكرٌ للصوم، فلا اعتبار لعدم القصد حينئذٍ، كما في "البناية شرح الهداية" للإمام بدر الدين العَيْنِي الحنفي (4/ 37، ط. دار الكتب العلمية)، و"الشرح الكبير" للإمام أبي البركات الدَّرْدِير المالكي (1/ 525، ط. دار الفكر، مع "حاشية الدسوقي")، و"مغني المحتاج" للإمام شمس الدين الخطيب الشِّرْبِينِي الشافعي (2/ 158، ط. دار الكتب العلمية)، و"الشرح الكبير" للإمام شمس الدين بن قُدَامَة الحنبلي (1/ 432، ط. هجر).
بينما ذهب الحنابلة في أحد الوجهين إلى أنه لا يَفسُد صومه بذلك؛ لعدم توفر القصد، وهو المختار للفتوى.
قال الإمام ابن قُدَامَة في "المغني" (3/ 123) في ذكر المضمضة في غير الوضوء للصائم: [فإن وصل إلى حلقه، فقال أحمد: يعجبني أن يعيد الصوم. وهل يفطر بذلك؟ على وجهين.. الثاني: لا يفطر به؛ لأنَّه وصل مِن غير قصدٍ، فأشبه غبار الدقيق إذا نَخَلَهُ] اهـ.
وقال الإمام أبو السعادات البُهُوتِي في "الروض المربع" (ص: 232، ط. دار المؤيد): [ولا يَفسُد صومُه بما دَخَلَ حلقه مِن غير قصدٍ] اهـ.
ويستحب له في تلك الحالة قضاء ذلك اليوم حال الاستطاعة؛ خروجًا من خلاف جمهور الفقهاء ممن رأى بُطلان صومه في تلك الحالة، حيث إن "الْخُرُوجَ مِنَ الْخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام الحافظ السُّيُوطِي (ص: 207، ط. دار الكتب العلمية)، وأن العبادة إذا صَحَّت عند الجميع لكان خيرًا من أن تصح عند طائفةٍ وتَبطُل عند أخرى.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن نزول حمام السباحة أثناء الصيام لا يؤثر في صحة الصوم، وذلك ما لم يصل الماء إلى جوف الصائم حال القصد أو عدم الاكتراث لهذا الأمر، بأن ينزل إلى المسبح مَن عَلِمَ مِن نفسه عدمَ القُدرة على التحرُّز عن نزول الماء إلى الحَلْق، أمَّا تَسرُّب شيءٍ من الماء إلى الحَلْق دون قصدٍ بعد اتخاذ كافَّة الأساليب الاحترازية عن دخوله إلى الحَلْق أثناء السباحة، فإنه لا يؤثر في صحة الصوم، ومع ذلك إن قَدَر على القضاء احتياطًا ومراعاةً للخلاف استُحب له ذلك.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم صيام المرأة التي ترى بعض نقاط الدم في غير وقت الحيض؟ فهناك امرأةٌ تأتيها العادةُ كلَّ شهرٍ وتستمر ستة أيام، وأثناء صيامها في شهر رمضان رأت بعض نقاط الدم لساعاتٍ ثم انقطَعَت، وكان هذا بعد انتهاء عادتها بعشرة أيام، وأكملت صوم اليوم، فما حكم صومها شرعًا؟
ما هي حدود الأكل والشرب للصائم إذا كان ناسيًا وهو صائم؟ ومتى يصبح مفطرًا بذلك؟
ما حكم استعمال السواك أو المعجون وفرشاة الأسنان أثناء الصيام؟
هل تجب الفدية على مَن تأخَّر في قضاء ما أفطره مِن رمضان حتى دخل رمضان آخر؟
ما حكم صيام مرضى السكر؛ حيث تم إعداد برنامج جديد بالنسبة لتقييم حالة مرضى السكر، يحتوي على كل العوامل المسببة للخطورة، وإعطائها نقاطًا مختلفة حسب أهميتها، بشكل متناسب مع وضع كل مريض، ويقوم الأطباء بمراجعة حالة المريض بالتفصيل، وتضاف النقاط حسب المعلومات (عوامل الخطورة تتحدد بناءً على مدة المرض، ونوعه، ونوع العلاج، والمضاعفات الحادة من الحمض الكيتوني وارتفاع السكر الشديد مع الجفاف، والمضاعفات المزمنة، وهبوط السكر، وخبرة الصوم السابقة، والصحة الذهنية والبدنية، وفحص السكر الذاتي، ومعدل السكر التراكمي، وساعات الصيام، والعمل اليومي والجهد البدني، ووجود الحمل).
ويتم بعدها جمع النقاط لكل مريض لتحديد مستوى الخطورة في حال قرر صيام رمضان كما يلي: من 0: 3= خطورة خفيفة، ومن 3.5: 6= خطورة متوسطة، وأكبر من 6= خطورة مرتفعة.
نصائح وإرشادات:
أولًا: يجب تقديم النصائح الطبية لكل المرضى مهما كان مستوى الخطورة عندهم، وتعديل العلاج الدوائي بما يناسب كلِّ حالةٍ.
ثانيًا: يجب تقديم النصائح والمتابعة الدقيقة لكل المرضى، حتى في حال الإصرار على الصيام ضد نصيحة الطبيب.
ثالثًا: يُنصح المرضى الذين يقدر وضعهم على أنه مرتفع الخطورة بعدم الصيام مع توضيح احتمالات الضرر عليهم.
رابعًا: في حال المرضى متوسطي مستوى الخطورة، يتم التشاور بين الطبيب والمريض ومراجعة الوضع الصحي وخبرات المريض السابقة وأدويته، ويجب توضيح احتمال الخطورة المرافق، بشكل عام يسمح للمريض بالصيام مع الانتباه لضرورة المراقبة المستمرة لمستوى السكر في الدم حسب تعليمات الطبيب، وفي حال خوف المريض الشديد، دون وجود سبب طبي مقنع يتم اللجوء إلى الاستشارة الدينية.
خامسًا: في حال مستوى الخطورة المنخفض، يشجع المرضى على الصيام، مع ضرورة المراقبة الطبية الموصوفة.
سادسًا: يجب على كل المرضى الذين قرروا الصيام بنصيحة طبية أو حتى ضد النصيحة الطبية معرفة ضرورة التوقف عن الصيام في الحالات التالية:
حدوث ارتفاع السكر إلى أكثر من ٣٠٠ مع/ دل.
انخفاض السكر أقل من ٧٠ مع/ دل.
وجود أعراض الانخفاض أو الارتفاع الشديدة.
وجود أمراض حادة تسبب حدوث الحرارة أو الإسهال أو التعب أو الإرهاق العام.
الخلاصة: يجب على الأطباء مراجعة كل عوامل الخطورة المذكورة عند مرضاهم للوصول إلى تحديد مستوى الخطورة الصحيح، وستساعد هذه الوسيلة في تقييم خطورة الصيام عند المرضى في الوصول إلى تقييمات حقيقية للمرضى، حتى وإن اختلف الأطباء واختصاصاتهم، وستساعد الأطباء الأقل خبرة في الوصول إلى تقييم أقرب إلى الدقة؛ فنرجو من فضيلتكم بيان الرأي الشرعي في هذا الأمر.