سائلة تقول: لقد انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع مصور لمغسلة موتى، تذكر فيه إصرارها على تغسيل ميتة تعذر تغسليها على غيرها من المُغسلات، معللة فعلها بالرغبة في رصد علامات سوء الخاتمة ونشرها للناس ليكون ذلك علمًا وعظة، وقد ذكرت تفاصيل منفرة عن وقت تغسيل تلك الميتة، فما حكم الشرع في جعل التفتيش عن عيوب الميت ورصدها باعثًا للغسل؟ وهل يبرر القصد من الموعظة انتهاك ستر الميت وإفشاء ما يُرى في التغسيل؟
الأصل في الغسل أنه عبادةٌ مبناها الإخلاص والستر، لا التجسس والتشهير، فلا يجوز شرعًا جَعْلَ التفتيش عن عيوب الموتى ورصد سوء علاماتهم باعثًا للتغسيل.
ودعوى أن القصد هو الموعظة لا يبرر بحالٍ من الأحوال انتهاك ستر الميت الذي حرمته كحرمة الحي، وإفشاء ما يُرى أثناء الغسل من العورات، وهو من قبيل الغيبة المحرمة وخيانة الأمانة التي اؤتمن عليها الغاسل.
وما قامت به المغسلة المذكورة هو مسلكٌ يتنافى مع الآداب الإسلامية والأصول الفقهية في إكرام الإنسان حيًّا وميتًا، ويجب الكف عن نشر مثل هذه المقاطع لما فيها من إيذاء لأهل الميت وترويع للأحياء، ومخالفة صريحة لأحكام الشريعة الإسلامية.
المحتويات
من المقرر شرعًا أن إكرام الإنسان وحفظ نفسه وعرضه عن كل ما يسوؤه من المقاصد الكلية الخمس للشريعة الإسلامية، وهو حقٌّ ثابتٌ له لا يسقط بموته؛ فإكرام الميت وحفظ حرمته واجب شرعي؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
واتساقًا مع مبدأ الإكرام أوجبت الشريعة طهارةً بدنية للميت، تتمثل في إيجاب غسل الميت على الأحياء؛ فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الرجل المحرم الذي وقصته ناقته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» متفق عليه.
وتأكيدًا لحرمة الإنسان وخصوصيته حيًّا وميتًا، حث الشرع الشريف على عدم إفشاء حاله إن كان مما يكره ذكره، وعدَّ ذلك من موجبات رحمة الله ومغفرة الذنوب، ولأجل ذلك اشترط في من يقوم بالغسل أن يكون من أهل الثقة والأمانة.
فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، فَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ، وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رواه الإمام أحمد.
وعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَكَفَّنَهُ وَحَنَّطَهُ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ مَا رَأَى، خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رواه الإمام ابن ماجه.
مما يتعين على من يتولى القيام بتغسيل الميت استحضار قصد التعبد لله تعالى في ذلك، فيخلص النية له، ويلتزم بما أمره به من الإحسان إلى الميت والكتمان عنه، رجاء أن يكون عمله ذلك سبيلًا لمرضاة الله تعالى عنه، وليس سببًا لغضبه وسخطه، وعلى ذلك تواردت نصوص الفقهاء.
قال العلامة الطحطاوي في "حاشيته على مراقي الفلاح" (ص: 570، ط. دار الكتب العلمية): [قوله: "ويستر ما لا ينبغي إظهاره" في الأزهار قال العلماء: فإذا رأى الغاسل من الميت ما يعجبه كاستنارة وجهه وطيب ريحه وسرعة انقلابه على المغتسل استحب أن يتحدث به، وإن رأى ما يكره كنتنه وسواد وجهه وبدنه أو انقلاب صورته حرم أن يتحدث به كذا في "شرح المشكاة"] اهـ.
وقال الإمام الحطاب الرعيني في "مواهب الجليل" (2/ 223، ط. دار الفكر): [قال في "الطراز": ولا ينبغي أن يكون الغاسل إلا ثقة أمينًا صالحًا يخفي ما يراه من عيب] اهـ.
وقال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (1/ 378، ط. وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية): [إنما قال ابن سيرين: يضع خرقة على وجهه سترًا له؛ لأن الميت ربما يتغير وجهه بالسواد ونحوه عند الموت وذلك لداء أو لغلبة دم فينكره الجهال، وقد روي عن النبي عليه السلام من مراسل الثقات الشعبي وغيره، أنه قال: «من غسل ميتًا ولم يفش عليه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»] اهـ.
وقال الإمام الماوردي في "الحاوي الكبير" (3/ 14-15، ط. دار الكتب العلمية): [استحداث المجمر من حين غسله إلى وقت الفراغ منه: فلقوله صلى الله عليه وسلم: "اصنعوا بميتكم ما تصنعون بعروسكم" وليقطع رائحة إن ندرت منه، صيانة له، ومنعًا من أذى من حضره، وأما كتمانه لما يرى من تغيير الميت وسوء أمارة فمأمور به لا يحل للغاسل أن يتحدث به، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من غسل ميتا فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة»، فأما ما يرى من محاسنه فقد كان بعض أصحابنا يأمر بسترها ويمنع من الإخبار بها؛ لأنها ربما كانت عنده محاسن وعند غيره مساوئ والصحيح أنه مأمور بإذاعتها ومندوب إلى الإخبار بها، لأن ذلك مما يبعث على كثرة الدعاء له والترحم عليه، وقد كان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يذكر من أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم في غسله ما رآه من النور وشمه من روائح الجنة وما كان من معونة الملائكة] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (1/ 305، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(وإن رأى الغاسل منه ما يعجبه) من استنارة وجه وطيب ريح ونحوهما (ذكره) ندبا، (أو ما يكره) من سواد وجه ونتن ونحوهما (ستره) وجوبا؛ لخبر: «من غسل ميتا فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة» أي لو أذنبها رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (2/ 340، ط. مكتبة القاهرة): [وينبغي للغاسل ولمن حضر إذا رأى من الميت شيئًا مما ذكرناه ومما يحب الميت ستره أن يستره، ولا يحدث به؛ لما رويناه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ستر عورة مسلم، ستره الله في الدنيا والآخرة». وإن رأى حسنًا مثل أمارات الخير من وضاءة الوجه، والتبسم، ونحو ذلك، استحب إظهاره، ليكثر الترحم عليه، ويحصل الحث على مثل طريقته، والتشبه بجميل سيرته] اهـ.
المكلف مأمور بأداء الأمانات وحفظها بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58].
وبقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَدِّ الأمانة إِلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ من خانك» رواه الإمام أحمد.
وفي إذاعة أحوال الميت المسيئة خيانة الأمانة، وهي حرام شرعًا؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: ما خطبنا نبي الله صلى الله عليه وسلم إِلا قال: «لا إِيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» رواه الإمام أحمد.
وتعمد تغسيل الميت للاطلاع على حاله بعد الوفاة وكشفه عنه هو نوع من التجسس المذموم المحرم شرعًا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12].
وقد حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التجسس؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» متفقٌ عليه.
قال العلامة الخطيب الشربيني في تفسيره "السراج المنير" (4/ 70، ط. مطبعة بولاق "الأميرية"): [وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ﴾ حُذِفَ منه إحدى التاءين؛ أي: لا تتبعوا عورات المسلمين ومعائبهم بالبحث عنها] اهـ.
ويحرم شرعًا انتهاك ستر الميت وإفشاء ما يُرى من مكروه تحت ذريعة الموعظة والعلم؛ فالموعظة الشرعية لا تُنال بمحرَّم، وحرمة الميت كحرمة الحي؛ قال الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (3/ 4، ط. دار الكتب العلمية): [السُّنة المجتمع عليها: تحريم النظر إلى عورة الحي والميت، وحرمة المؤمن ميتًا كحرمته حيًّا] اهـ.
بل وتُعد غيبة الميت أشد من غيبة الحي لتعذر استسماحه، وكونه لا يملك الدفاع عن نفسه؛ قال العلامة الطحطاوي في "حاشيته على مراقي الفلاح" (ص: 570، ط. دار الكتب العلمية): [قال حجة الإسلام: غيبة الميت أشد من الحي لأن عفو الحي واستحلاله ممكن ومتوقع في الدنيا بخلاف الميت] اهـ.
وهو من باب طلب عورات الميت، وهو حرام؛ فعن ثوبان رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا تُؤْذُوا عِبَادَ اللهِ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ طَلَبَ اللهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ» رواه الإمام أحمد.
بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فإنَّ جَعْلَ التفتيش عن عيوب الموتى ورصد سوء علاماتهم باعثًا للتغسيل هو مقصدٌ فاسدٌ ومحرمٌ شرعًا، والأصل في الغسل أنه عبادةٌ مبناها الإخلاص والستر، لا التجسس والتشهير.
ودعوى أن القصد هو الموعظة لا يبرر بحالٍ من الأحوال انتهاك ستر الميت الذي حرمته كحرمة الحي، وإفشاء ما يُرى أثناء الغسل من العورات، وهو من قبيل الغيبة المحرمة وخيانة الأمانة التي اؤتمن عليها الغاسل.
وما قامت به المغسلة المذكورة هو مسلكٌ يتنافى مع الآداب الإسلامية والأصول الفقهية في إكرام الإنسان حيًّا وميتًا، ويجب الكف عن نشر مثل هذه المقاطع لما فيها من إيذاء لأهل الميت وترويع للأحياء، ومخالفة صريحة لأحكام الشريعة الإسلامية.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
يقول السائل: هل إذا أخبرت أحدًا بشيء من ذنوبي أو ذنوب غيري أكون آثمًا شرعًا؟ وهل هذا ينطبق على التحدث بغير الذنوب كالأسرار بيني وبين زوجتي؟
هل الجماعة شرط لصحة صلاة الجنازة؟ فنظرًا لما تمرُّ به البلاد من وباء كورونا المستجد، وما اتخذته الحكومات من إجراءات وقائية للحد من انتشار هذا الوباء من منع التجمُّعات، وإرجاء بعض العبادات كالجمعة والجماعة في المسجد ونحو ذلك، نجد أن صلاة الجنازة في هذه الآونة يحضرها بعض الأشخاص المحدودين؛ كأن يحضرها ثلاثة أو أكثر أو أقل، فهل يكفي ذلك في صحَّة صلاة الجنازة، أم أنه يشترط فيها حضور الأعداد الكثيرة كما تعودناه في صلوات الجنائز؟
ما رأي الدين في الشباب الذين يأتون ويصلون الجنازة على القبر بعد الانتهاء من عملية الدفن، وذلك بحجة أنَّ المسجدَ الذي تمت فيه صلاة الجنازة يوجد به ضريحان لبعض الصالحين، وقاموا بهدم الضريحين بحجة توسعة المسجد؟
وكذلك يحرمون قراءة القرآن على القبر أثناء الدفن، ويقفون ويتراصون ويقولون: "استغفروا لأخيكم فإنه الآن يسأل".
لذا أرجو من فضيلتكم الرد بفتوى رسمية لكي نتمكن من توزيعها، وخصوصًا نحو هدم الأضرحة، وصلاة الجنازة عند القبر، وقراءة القرآن عند القبر أثناء الانتهاء من عملية الدفن؛ لأن هذه الفئات الضالة منتشرة بقريتنا والقرى المجاورة كما تنتشر النار في الحطب.
ما حكم إذاعة صلاة التراويح من المساجد بصوت مرتفع وبسماعات خارج المسجد بأصوات مرتفعة ممَّا يُؤثّر على المرضى وكبار السن؟
نرجو منكم بيان حكم الاحتكار؟ وهل يجوز شرعًا لولي الأمر (الجهات المختصة) معاقبة الشخص المُحْتَكِر؟
ما حكم التجارة في المفرقعات واستعمالها؟ ففي هذه الأيام يكثر بين الشباب والأطفال استعمال المفرقعات والألعاب النارية في المواسم المختلفة في الشوارع وبين المحلات والمنازل، وتتوالى علينا من حين لآخر أخبار الحوادث والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم، من نحو بتر أصبعٍ، أو إصابة عينٍ، وكذا الإصابة بالحروق المختلفة في الجسد، أو ما تتسبب به من الأذى البالغ للآخرين من المارَّةِ وأصحاب المحلات والمخازن، حيث تتسبب أحيانًا في اشتعال الحرائق وإتلاف الأموال والأنفس، وأقل كل هذا الضرر هو إحداث الضوضاء، وترويع الآمنين.