التحذير من إساءة المعاملة لكبار السن المرضى أثناء علاجهم

تاريخ الفتوى: 15 أبريل 2026 م
رقم الفتوى: 8918
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: بر الوالدين
التحذير من إساءة المعاملة لكبار السن المرضى أثناء علاجهم

ما حكم إساءة المعاملة لكبار السن المرضى أثناء علاجهم؟ فخالتي كبيرة في السن، ومصابة بالخرف، وأولادها يعاملونها معاملة خشنة، نظرًا لإضرارها بنفسها في بعض الأحيان، ويخافون من أن يأثموا بذلك، ولا يجدون طريقة للسيطرة عليها غير هذه، فهل يأثمون بذلك؟

التعامل مع المصاب بالخرف يتطلب فهما عميقًا ووعيًا كبيرًا بطبيعة هذا المرض وحالة المريض الصحية والنفسية، كما يتطلب أن يتحلى القائم على رعايته بقدر عظيم من الرحمة والصبر، وأن يبذل غاية وسعه وجهده في دعمه ومساندته. وإن اضطر إلى استخدام الحزم لحمايته من إيذاء نفسه، أو مساعدته على التعافي، فإن ذلك مقيد بأن يكون بقدر الحاجة، وبأن لا يعرضه لأي إيذاء لفظي أو بدني، وبأن تكون هذه الوسيلة التي نصح بها أهل الاختصاص من الأطباء.

وهذا كله واجب في حق كل مريض، وهو في جانب الأبناء تجاه والديهم أوجب وآكد.

وتنصح دار الإفتاء المصرية ذوي المصابين بمرض الخرف بأهمية التأهل للتعامل مع هذا المرض، فإن لم يجد القائم على الرعاية من نفسه القدرة على القيام بذلك الدور على أحسن وجه، استعان بمن يقدر عليه من المتأهلين والمتخصصين من مقدمي الرعاية الصحية.

المحتويات

 

بر الوالدين فرض عين على المسلم

جعل الشارع الحكيم بِرَّ الوالدين والإحسان إليهما من أسمى القربات وأوجب الطاعات، ومن أولى الفروض الشرعية والمقاصد المرعية، حيث تضافرت النصوص من الكتاب العزيز والسنة النبوية المشرفة على إيجاب حقهما وإعلاء قدرهما في مواضع شتى، بما يجعل بر الآباء أصلًا ثابتًا من أصول الفضائل والقربات، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: 36].

ومن وجوه الإحسان، كما ذكر الإمام الرازي في "تفسيره" (10/ 76، ط. دار إحياء التراث العربي): [أن يقوم بخدمتهما، وألا يرفع صوته عليهما، ولا يخشن في الكلام معهما، ويسعى في تحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما بقدر القدرة من البر] اهـ.

وبر الوالدين فرض عين على الولد؛ إعلاءً لشأن الوالديَّة وعظم حق الأبوة، وهي فريضة لا تَقبل النيابة؛ كما نص على ذلك فقهاء المذاهب الأربعة، وتواردت عليه أقلامهم:

قال العلَّامة ابنُ مازه البخاري الحنفي في "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" (5/ 386، ط. دار الكتب العلمية): [وطاعةُ الوالدين وبِرهُما فرضٌ خاصٌّ لا يَنُوبُ البعضُ فيه عن البعض] اهـ.

وقال العلامة ابن أبي زيد القيرواني المالكي في "متن الرسالة" (ص: 153، ط. دار الفكر): [ومن الفرائض: بر الوالدين وإن كانا فاسقين وإن كانا مشركين، فليقل لهما قولًا ليِّنًا وليعاشرهما بالمعروف ولا يطعهما في معصية، كما قال الله سبحانه وتعالى] اهـ.

وقال الإمام الشيرازي الشافعي في "المهذب" (3/ 269، ط. دار الكتب العلمية): [وبر الوالدين فرض يتعين عليه] اهـ.

وقال العلامة ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (9/ 208، ط. مكتبة القاهرة): [بر الوالدين فرض عين] اهـ.

فالبر يتجاوز كونه فضيلة أخلاقية ليصبح ركنًا تعبديًّا، وحقًّا شرعيًّا ثابتًا للآباء؛ فالوالدانِ سببٌ في وجود ولدهما، وهما أصل أصيل في إكسابه كل مكرمة من دين وخلق جميل، وإذا كان هذا هو شأن البر في الأحوال العادية، فإنه يتأكد ويتضاعف في حالات الكبر والضعف والمرض التي تطرأ عليهم، حيث خصها التكليف الإلهي بمزيد من العناية والتأكيد، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23- 24].

قال الإمام القرطبي في "تفسيره" (10/ 214، ط. دار الكتب المصرية): عند قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ [الإسراء: 23]: [خص حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل؛ لأنهما في هذه الحالة قد صارَا كلًّا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليَا منه، فلذلك خص هذه الحالة بالذكر] اهـ.

التحذير من إساءة المعاملة لكبار السن المرضى أثناء علاجهم

في مسألتنا، يتأكد وجوب بر ورعاية الأم المريضة بـ"الخرف"، ويزداد الأمر به؛ لانتقالها من طور الصحة إلى طور الأمراض المستعصية، فـ"الخرف" كما أفادته منظمة الصحة العالمية: مرض ينتج عن مجموعة متنوعة من الأمراض أو الإصابات التي تؤثر في الدماغ، كمرض الزهايمر، مسببًا تلفًا في الخلايا العصبية، مما يؤدي في العادة إلى تدهور الوظيفة الإدراكية (أي القدرة على التفكير)، والذاكرة، والقدرة على أداء الأنشطة اليومية، ويزداد المرض سوءًا بمرور الوقت، على نحو يتجاوز ما يمكن توقعه من النتائج المعتادة للشيخوخة البيولوجية.

والتعامل مع مريض "الخرف" يتطلب فهمًا عميقًا، ووعيًا كبيرًا بطبيعة هذا المرض وحالة المريض الصحية والنفسية، كما يتطلب أن يتحلى القائم على رعايته بقدر عظيم من الرحمة والصبر، فتعرض الأبناء لبعض الصعوبات والتحديات الكبيرة في سبيل تحقيق معنى البر لا يبيح التعامل بغلظة مع الأم، ويأثم فاعله، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» رواه مسلم.

ويُعدّ معاملتها والحال كذلك عقوقًا محرمًا؛ إذ يشمل العقوق كل أذى وإساءة نابعة من البخل، أو الضجر، أو عدم الصبر، أو الانتقام، أو الاحتقار إلى أحد الوالدين ما لم يتعنت الأصل؛ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 406، ط. دار المعرفة): [والعقوق -بضم العين المهملة- مشتقٌّ من العق، وهو القطع، والمراد به صدور ما يتأذَّى به الوالد من ولده من قولٍ أو فعلٍ إلا في شرك أو معصية ما لم يتعنت الوالد، وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات فعلًا وتركًا، واستحبابها في المندوبات وفروض الكفاية كذلك] اهـ.

أما إذا كانت المعاملة اللينة والهادئة تؤدي إلى ضرر جسيم بالوالدة، كأن تؤذي نفسها أو تتعرض للخطر، وجاءت الشدة كتدبير ضروري لمنع الضرر خوفًا عليها، فإن الشريعة وإن أجازت اتخاذ ما يلزم لمنع الضرر كتدبير وقائي ضروري، إلا أن تحديد طريقة هذا التدبير وكيفيته ومداه يجب إرجاؤه إلى ما ينصح به الطبيب المعالج وأهل الاختصاص؛ لأن ذلك يختلف باختلاف حالة كل مريض، ففي حالات الخرف المتقدمة قد تكون الشدة في التعامل وإن كانت بقصد الحماية سببًا في زيادة تدهور الحالة النفسية للمريض، أو إدخاله في نوبات اكتئاب حاد.

فضرورة حفظ حياة الأم وسلامتها وإن كانت تبيح منعها من بعض التصرفات عملًا بـ"الضرورات تبيح المحظورات"، و"الضرر يزال" -ذلك مقيد بقاعدة حاكمة هي: "لا يُزال الضرر بضرر"، قال الإمام السبكي في "الأشباه والنظائر" (1/ 41، ط. دار الكتب العلمية): [الضرر لا يُزال بالضرر] اهـ.

فلا يجوز دفع ضرر الأم المحتمل عن نفسها بضرر واقع ومحرم، بل يقتضي البر والحال هذه الالتزام بتعليمات الطبيب المعالج بدقة، فإذا استلزم الأمر منعها حسًّا من فعل مؤذٍ، فليكن الحزم لحمايتها من إيذاء نفسها، أو مساعدتها على التعافي، بقدر الحاجة وبأخف الوسائل التي يقررها المختصون، بحيث تتحقق الحماية دون اللجوء إلى خشونة تكسر كبرياءها أو تؤذي جسدها ونفسها.

وإذا فرضت طبيعة المرض حالاتٍ يعجز فيها الإنسان عن الرفق القولي بسبب نوبات الهياج التي تُفقد المريض القدرة على فهم الخطاب واستيعاب التهدئة اللفظية، فإن ذلك لا يُسقط بحالٍ واجب الرفق الفعلي الممكن، جمعًا بين واجب الحماية وفريضة البر، وإعمالًا لقاعدة: "الميسور لا يسقط بالمعسور".

قال الإمام السبكي في "الأشباه والنظائر" (1/ 155): [قاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور، من أشهر القواعد المستنبطة من قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"] اهـ.

ويقتضي هذا الحال أن تُعامل الأم بوصفها أمانة استودعها اللهُ بين يدي الأبناء، لا خصمًا يُتضجر منه، أو يُحاسب على أفعاله؛ لأن المغلوب على عقله يُحمى ويُراعى، ولا يُعاقب أو يُعنف، وكلُّ ما قد يبدو منه من عدوانيةٍ أو خروجٍ عن المألوف ليس سوءَ أدبٍ يستوجبُ الغلظة، بل هو مرض يستوجبُ الرحمة، وفي هذا المشهدِ استدارة للزمان، حيث يعودُ بها الوالدُ محتاجًا لولده كما كان الولدُ محتاجًا لوالده.

ومن باب إكمال فريضة البر وتحقيق أعلى درجات الرحمة، ينبغي على الأولاد التأهل وتعلم كيفية التعامل مع مرضى الخرف؛ فـ"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وذلك بحضور دورات تدريبية متخصصة، أو القراءة المعمقة في هذا الشأن، أو الاستشارة المستمرة مع أهل الاختصاص من الأطباء النفسيين والمعالجين، وهذا التأهل ليس ترفًا، بل هو ضرورة عملية تمكِّن الولد من تقديم الرعاية الصحيحة والآمنة التي تحفظ كرامة والدته وتقلل من معاناتها ومعاناته هو أيضًا، وتجنبه الوقوع في أخطاء قد يُحاسب عليها شرعًا رغم حسن نيته.

فإن لم يجد الولد القائم على الرعاية من نفسه القدرة على القيام بذلك الدور على أحسن وجه، استعان بمن يقدر عليه من المتأهلين والمتخصصين من مقدمي الرعاية الصحية؛ لرفع الحرج عن نفسه، وحماية للمريض من الضرر.

الخلاصة

بناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن التعامل مع المصاب بالخرف يتطلب فهما عميقًا ووعيًا كبيرًا بطبيعة هذا المرض وحالة المريض الصحية والنفسية، كما يتطلب أن يتحلى القائم على رعايته بقدر عظيم من الرحمة والصبر، وأن يبذل غاية وسعه وجهده في دعمه ومساندته. وإن اضطر إلى استخدام الحزم لحمايته من إيذاء نفسه، أو مساعدته على التعافي، فإن ذلك مقيد بأن يكون بقدر الحاجة، وبأن لا يعرضه لأي إيذاء لفظي أو بدني، وبأن تكون هذه الوسيلة التي نصح بها أهل الاختصاص من الأطباء.

وهذا كله واجب في حق كل مريض، وهو في جانب الأبناء تجاه والديهم أوجب وآكد.

وتنصح دار الإفتاء المصرية ذوي المصابين بمرض الخرف بأهمية التأهل للتعامل مع هذا المرض، فإن لم يجد القائم على الرعاية من نفسه القدرة على القيام بذلك الدور على أحسن وجه، استعان بمن يقدر عليه من المتأهلين والمتخصصين من مقدمي الرعاية الصحية. 

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم تعدد الصلوات بتيمم واحدٍ بالنسبة لمريض كورونا الذي يشق عليه استعمال الماء في كل فرض؟


هل يجب الصيام على مريض الزهايمر، أو يجوز له أن يُفطر؟ وهل يجب عليه القضاء إذا أفاق؟


بخصوص الشخص الذي له رخصة التيمم بسبب عدم توفر الماء أو بسبب مرض يمنعه من استعمال الماء؛ هل يُشْتَرَطُ في حقه تَكرار التيمم لكل فريضة، أو يجوز له أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة كما هو الحال في الوضوء؟


السائلة تقول بأنها متزوجة منذ حوالي ثلاثين عامًا، وقد أصبح لها أحفاد كثيرون وتعيش هي وزوجها على خير ما يرام، وتؤدي هي وزوجها واجباتها الدينية والإسلامية على أكمل وجه، وتقوم بتنفيذ ما يأمرها به زوجها، ومع تلك الحياة التي تعيشها تجد أن في قلبها نارًا تزداد يومًا بعد يوم، والسبب في ذلك أن زوجها يحرمها من رؤية والدها ووالدتها وأخواتها، ومنعها من زيارتها لهم وزيارتهم لها، علمًا بأن والديها كبيران في السن، ويعيشان سن الشيخوخة، وترغب في زيارتهم طمعًا في دعائهم لها وتخشى موتهما قبل زيارتهما. وتطلب السائلة بيان الحكم الشرعي.


هل يجوز لي التيمم بدلًا من الاغتسال لصلاة الفجر حاضرًا خوفًا من المرض وقبل خروج الوقت، وعند الاغتسال قبل صلاة الظهر أقوم بإعادة صلاة الصبح مع العلم أني أصاب بنزلات برد ولا أستطيع النوم بعد الاغتسال بسبب البرد؟


أنا متزوج بامرأة أحبها وتحبني ونحن سعداء، ولكن يرغب والديَّ بأن أطلقها، فهل يجب عَليَّ طلاقها؟ وهل رفضي لطلاقها فيه عقوق للوالدين أو عدم برٍّ لهما؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 27 يوليو 2026 م
الفجر
4 :31
الشروق
6 :11
الظهر
1 : 1
العصر
4:38
المغرب
7 : 52
العشاء
9 :20