ما حكم بيع السِّلع والبضائع والمنتجات التي شارف تاريخ صلاحيتها على الانتهاء، مع تقديم تخفيضات في الأسعار (عروض ترويجيَّة)؛ لجذب المشترين من خلالها، دون الإفصاح للمشتري أنَّ سبب هذا التخفيض هو قرب انتهاء تاريخ الصلاحيَّة المدون على السِّلع؟
بيع السِّلع والمنتجات التي قاربت على انتهاء صلاحيتها من خلال العروض الترويجيَّة جائز شرعًا، بشرط أن تكون السِّلعة في ذاتها سليمة تمامًا، وصالحة للاستهلاك، وخالية من أيِّ ضَرر يمسُّ صحة المستهلك أو سلامته، مع تدوين تاريخ الصلاحيَّة عليها، وعدم التلاعب فيه بالتغيير، أو إخفائه بالطمس، فإن فُقد شرط من هذه الشروط كان التصرف محرمًا، وثبت للمشتري خيار رد المبيع حينئذ.
المحتويات:
الأصل المقرَّر في المعاملات والبيوع هو الإباحة والجواز، ما دامَ قد تحقَّق فيها التراضي التامُّ، وانتفى عنها التبخيس، واجتُنِب فيها الغِشُّ والتدليس؛ إذ الرضا هو مَناط الصحةِ وعِماد الاستقرارِ في التجارات والعقود، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
قال العلَّامة الزَّركشيُّ في "البحر المحيط" (4/ 121، ط. دار الكتب العلميَّة): [قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] وفي الحديث: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تراض»، وهذا يدل على أنَّ الرِّضا هو المعتبر في العقود] اهـ.
قرب انتهاء تاريخ صلاحيَّة السِّلع والمنتجات تناوله الفقهاء قديمًا عند حديثهم عن طول مُكث السِّلعة عند البائع وما يترتب على ذلك من أحكام وخيارات للمشتري، حيث قرر المالكيَّةُ وجوب بيان قِدَم السِّلعة وطول بقائها عند البائع؛ صيانةً لعقد البيع من الغش والتدليس؛ لأنَّ رغبة الناس عادة تزيد في الجديد من السلع وتزهد في القديم.
قال العلَّامة عليش المالكيُّ في "منح الجليل شرح مختصر خليل" (5/ 273، ط. دار الفكر): [(و) وجب بيان (طول زمان) إقامة المبيع عنده لرغبة النَّاس في الطَريِّ دون العتيق] اهـ.
وقال أيضًا (5/ 273): [قال ابن رشد: فإن باع مرابحة أو مساومة بعد الطول ولم يُبَيِّن، فهو غِشٌّ، يُخَيَّر المبتاع في القيام، وَيَغْرَم الأقلَّ من الثَّمن أو القيمة في الفوات. عياض: من الدُّلْسَة في بيع المساومة أن تكون السِّلعة قديمة فيدخلها في السوق؛ ليري أنَّها طَرية مجلوبة، ومنها أن يبيع في التركة ما ليس منها، وكذا إظهاره للمشتري أنَّها طرية وإن لم يدخلها السوق، ومنه إدخال بعض أهل السوق بعض ما بحانوته للنداء عليه كوارد على السوق] اهـ.
والغِشُّ هو ترك النصح في المعاملة بستر عيب المبيع عن المشتري وكتمانه.
قال العلامة الشمس الرمليُّ الشافعيُّ في "نهاية المحتاج" (3/ 373، ط. دار الفكر): [الغِشُّ: ما يشتمل عليه المبيع مما يقتضي خروجه عما يظنه البائع] اهـ.
وأمَّا التدليس: فهو أن يجعل البائعُ المشتريَ في "دُلْسة"، أي: ظُلمة، بإخفاء حقيقة السِّلعة، أو ستر ما يكرهه المشتري فيها.
قال العلَّامة ابن قدامة الحنبليُّ في "المغني" (4/ 113، ط. دار إحياء التراث العربي): [معنى دَلَّسَ العَيبَ: أي: كتمه عن المشتري مع علمه به، أو غطاه عنه بما يوهم المشتري عدمه، مشتق من الدُّلْسَة: وهي الظُّلْمَة] اهـ.
وفي عصرنا الحالي، ومع تطور وسائل حفظ السِّلع وتخزينها، برزت ملامح استهلاكيَّة جديدة أدَّت إلى استحداث معايير منضبطة للحكم على سلامة السِّلع والمنتجات، وأصبح يُدوَّن على السِّلع ما يُعرف بـ"تاريخ الصلاحيَّة"، وهو المعيار المعاصر الذي ينفي الغِشَّ والتدليس عن المعاملة؛ لكونه بديلًا دقيقًا ومقننًا عما اشترطه الفقهاء قديمًا من بيان زمن مكث السِّلعة وقدمها.
والمقصود بالصلاحيَّة: الفترة الزمنيَّة التي يكون خلالها الشيء صالحًا للاستخدام.
جاء في "معجم اللغة العربية المعاصرة" للأستاذ الدكتور أحمد مختار (2/ 1314، ط. عالم الكتب): [مصدر صناعيٌّ من صَلاح: حالة يكون بها الشَّيء صالحًا "مُدَّة الصَّلاحيَّة عام"] اهـ.
وعلى ذلك: فإنَّ قُرب انتهاء مدة الصلاحيَّة لا يمنع بذاته من بيع المنتج وتداوله، ما دام صالحًا للاستهلاك، ولا يعد ذلك غشًّا طالما أنَّ تاريخ الصلاحيَّة مدون بوضوح للمشتري.
أمَّا الحَط من السعر بخفضه في هذه الحالة فهو تصرف جائز ومشروع؛ بل هو من الوسائل الترويجيَّة الفاعلة والوسائل التسويقيَّة العادلة؛ ليكون الثَّمن متناسبًا مع القيمة الماليَّة للمنتج، والتي تنخفض بطبيعتها باقتراب نهاية مدة صلاحيته في عرف الأسواق والبيئات التجاريَّة المعاصرة.
إلا أنَّه ينبغي التفريق بين العروض الترويجيَّة الحقيقيَّة وبين العروض الترويجيَّة الصوريَّة التي يتعمد البائع فيها حجب معرفة المشتري قرب انتهاء تاريخ صلاحيَّة المنتج بإخفاء تاريخ الصلاحيَّة أو طمسه أو تغييره مع لجوئه إلى التخفيض في سعره؛ ليوقع المشتري في التلبيس والغِشِّ والتدليس، ويوهمه بأنَّ الخصم من السعر محض ميزة تسويقيَّة، في حين أنَّ الواقع على خلاف هذا، وهو في هذا يعتمد على أنَّ الأصل في المعقود عليه السلامة.
قال العلَّامة ابن مودود الحنفي في "الاختيار لتعليل المختار" (2/ 18، ط. مطبعة الحلبي): [(مطلق البيع يقتضي سلامة المبيع)؛ لأنَّ الأصل هو السلامة، وهو وصف مطلوب مرغوب عادة، والمطلوب عرفًا كالمشروط نصًّا] اهـ.
وهو ما يوجب ضبط هذه المعاملة ببعض شروط وقيود تمنع من وقوع الغِشِّ والتدليس فيها، وهي كما يلي:
الشرط الأول: أن تكون السِّلعة في ذاتها سليمة تمامًا، وصالحة للاستهلاك، وخالية من أيِّ ضَرر يمسُّ صحة المستهلك أو سلامته؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4].
قال العلَّامة الخطيب الشِّربينيُّ الشَّافعيُّ في "مغني المحتاج" (6/ 145، ط. دار الكتب العلميَّة): [أي: ما تستطيبه النفس وتشتهيه] اهـ.
ولما رواه ابن ماجه، وأحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
قال العلَّامة الجمل الشَّافعيُّ في "حاشيته على شرح المنهج" (5/ 206، ط. دار الفكر): [أي: لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئًا من حقه] اهـ.
الشرط الثاني: ألَّا يتضمن العرض الترويجيُّ أيَّ تغيير وتلاعب في تاريخ الصلاحيَّة، أو إخفاء له بطريقة تضلل المشتري؛ لما رواه مسلم من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا».
قال الإمام ابن هُبَيْرَة في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (8/ 94، ط. دار الوطن): [هذا تحذير من جزء الغِشِّ وجملته] اهـ.
الشرط الثالث: أن يلتزم البائع بالصدق والبيان، بوضع تاريخ الصلاحيَّة واضحًا جليًّا على السِّلع والمنتجات دون مواربة؛ لما رواه البخاري ومسلم عن حَكيم بن حزام رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» فإن أخفى البائع حقيقة الأمر فدلس على المشتري، ثبت للمشتري خيار رد المبيع وأخذ ما دفعه.
حيث ذهب فقهاء المذاهب الأربعة إلى وجوب الإفصاح عن كل ما يُكْرَه في المبيع وتحريم كتمانه عن المشتري.
قال العلَّامة الزيلعيُّ الحنفيُّ في "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" (4/ 31، ط. المطبعة الكبرى الأميريَّة): [لا يحل له أن يبيع المعيب حتى يبين عيبه] اهـ.
وقال العلَّامة الحَطَّاب الرُّعيني المالكيُّ في "مواهب الجليل" (3/ 497، ط. دار الفكر): [قال الشيخ أبو الحسن في البيوع: إنه لا يجوز للبائع أن يكتم من أمر سلعته شيئًا لو ذكره لكرهه المبتاع] اهـ.
وقال العلَّامة ابن الرِّفعة الشَّافعيُّ في "كفاية النبيه في شرح التنبيه" (17/ 351، ط. دار الكتب العلميَّة): [وغرض الإخفاء غلط؛ لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أمر بإظهار العيب، ونهى عن كتمانه، فقال: "إن كتما محقت بركة بيعهما"] اهـ.
وقال العلَّامة الكَرمي الحنبليُّ في "غاية المنتهى" (1/ 534، ط. مؤسسة غراس) في أحكام خيار التدليس بما يزيد به الثمن، كتصرية لبن الضرع أو تحمير الوجه أو غيرها، ككتم العيب: [ويحرم ذلك، ككتم عيب، فيجب بيانه على عالم به] اهـ.
وقال العلامة الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (3/ 105، ط. المكتب الإسلامي): [(و) يثبت (لمشتر لم يعلم) بالتدليس، خيار رد] اهـ.
هذا وقد جاء التشريع المصري متسقًا مع قاعدة حق المستهلك في معرفة المعلومات الصحيحة عن السِّلعة ومنع خِداعه وتضليله؛ حيث ألزم قانون "حماية المستهلك المصري" رقم (181) لسنة (2018م) الموردين بالإفصاح الجليِّ عن بيانات السِّلعة؛ ونصت المادة التاسعة منه على أنَّه: [يلتزم المورد أو المعلن بتجنب أي سلوك خادع، وذلك متى انصب هذا السلوك على أي عنصر من العناصر الآتية:
1- طبيعة السلعة أو صفتها الجوهرية أو العناصر التي تتكون منها أو كميتها.
2- مصدر السِّلعة أو وزنها أو حجمها أو طريقة صنعها أو تاريخ إنتاجها أو تاريخ صلاحيتها أو شروط استعمالها أو محاذيره] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السُّؤال: فإنَّ بيع السِّلع والمنتجات التي قاربت على انتهاء صلاحيتها من خلال العروض الترويجيَّة جائز شرعًا، بشرط أن تكون السِّلعة في ذاتها سليمة تمامًا، وصالحة للاستهلاك، وخالية من أيِّ ضَرر يمسُّ صحة المستهلك أو سلامته، مع تدوين تاريخ الصلاحيَّة عليها، وعدم التلاعب فيه بالتغيير، أو إخفائه بالطمس، فإن فُقد شرط من هذه الشروط كان التصرف محرمًا، وثبت للمشتري خيار رد المبيع حينئذ.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
سائل يقول: أمتلك مزرعة نخيل فيأتي أحد الأشخاص في بداية الموسم فيتفق معي على أن يشتري مني الثمرة، ويدفع لي ثمنها، على أن أتحمل كلَّ تكاليف الزرع، ويتم تحديد موعد للتسليم، وفي الموعد المحدد أسلمه المحصول المتفق عليه؛ فما حكم هذه المعاملة شرعًا؟
ما حكم البيع بالتقسيط؟ وما الفرق بينه وبين الربا؟ فأنا أعمل في شركة تبيع السلع الاستهلاكية للعملاء بنظام الدفع الفوري لكامل الثمن، أو بالتقسيط مع زيادة معلومة على الثَّمن الأصلي للسلعة بحسب فترة السداد، وقد أخبرنا بعض الناس بأنَّ هذا حرامٌ وربا، فنرجو بيان الحكم الشرعي.
هل تصح الإنابة في وظيفة طلم العلم؟ فقد سئل بإفادة من عموم الأوقاف؛ مضمونها: أن من ضمن طلبة الحديث بجامع القلعة أحد الشيوخ، وقد انقطع عن وظيفته من أول أغسطس سنة 1898، وتقدمت مكاتبة من أخيه وهو شيخ أيضًا: بأنه لتمرضه أنابه عنه في تأدية الوظيفة لحين شفائه، وحيث لا يخلو الحال من انقطاع بعض الطلبة بالجامع المشار إليه لمرض أو لأعذار أخرى؛ فالأمل الإفادة عما يرى من جواز تعيين نوابٍ بدل من ينقطع من الطلبة مدة تغيبه من عدمه. أفندم.
ما حكم بيع الثمار بعد ظهورها على الأشجار ولكن قبل أن تطيب؟
ما حكم عمل الكيانات الموازية للشركات والمصانع بحيث لا يشملها الحجر عند الإفلاس؟ فأنا أعرف أحد الأصدقاء عليه ديون كثيرة، واقترب موعد سدادها، لكنه لا يرغب في السداد في الموعد المحدد، بدعوى أن أمامه فرصة استثمارية فيها ربح كثير، ففكر في أن يبيع بعض أملاكه لأحد أقاربه بيعًا صوريًّا مع بقاء انتفاعه بها؛ حتى لا يتم الحجز عليها، فما حكم هذا الفعل؟
سائل يقول: أنا تاجرٌ خُضَرِيٌّ أشتري محاصيل زراعية مِن الخضراوات التي تُنتِج عدة مرات خلال الموسم الواحد، كالطماطم والباذنجان والخيار، علمًا بأن التعاقد يكون على نتاج الموسم كلِّه بناءً على معاينة الثمرة في بشايرها في بداية الموسم، فما حكم هذا البيع شرعًا؟