14 مايو 2017 م

إحياء الأرض الموات

إحياء الأرض الموات

إحياء الأرض الميتة من التشريعات الدينية ذات البعد الحضاري الواضح، والمتمثل في تحقيق مراد الله سبحانه وتعالى من خلق العباد بعد تحقيق العبودية له وحده وفقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وقال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].
وقد وجَّهنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى إحياء الأرض الميتة -وهي الأرض التي لا تخُصُّ أحدًا من الناس؛ كالأرض التي في الصحاري وليس بها عمران أو زراعة أو يتم استخراج معادن منها-؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» رواه أبو داود.
ولقد اهتم الفقهاء بتفصيل أحكام إحياء الأرض الميتة، اعتناءً منهم بتوجيهات الله عز وجل ونبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، أَوْ طَيْرٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» رواه الترمذي، وقال أيضًا: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» رواه أحمد.
وينقل الإمام السرخسي قول سيدنا عمر رضي الله عنه في تمليك الأرض التي يتم إحياؤها لمن أحياها: [من أحيا أرضًا ميتةً فهي له، وليس بعد ثلاث سنين حقٌّ] اهـ، ويعقب على ذلك بقوله: [الإحياء أن يجعلها صالحة للزراعة] اهـ؛ بأن يبدأ في تهيئة الأرض وتنظيفها أو توصيل الماء لريِّها، وليس بأن يحدد الأرض ويبني حولها سورًا مثلًا أو غير ذلك وهو ما يُسمَّى بــ "التحجير"، وحدد لذلك مدة ثلاث سنوات، تقديرًا منه أن هذا الزمن هو الذي يناسب ذلك العصر من عودة من أراد إحياء الأرض إلى موطنه وتدبير الموارد اللازمة لإحياء هذه الأرض والعودة إلى الأرض الميتة لإحيائها مرة أخرى، فسبب الملك هو الإحياء دون التحجير، وهذا إدراك واضح من الفقهاء لمقصد الشارع من أهمية هذا الحكم الفقهي، الذي يؤدي إلى التنمية والعمران ومنفعة المسلمين.
وقد اشترط الإمام أبو حنيفة الحصول على إذن الإمام قبل الإحياء، تنظيمًا لعملية إحياء الأرض، ومنعًا للنزاع والشِّقَاقِ، وهو أمرٌ يتوافق مع الأنظمة الحديثة، التي صارت وسائلُ الانتقال والاستكشاف فيها أسرعَ وأدقَّ، مما يحتاج إلى تدخل من جانب السلطة لتنظيم مثل هذه العملية بقبول طلبات من يرغب في استصلاح أرضٍ أو إحيائِها، أو تقوم السلطة نفسها بطرح أراضٍ للمواطنين أو لغيرهم للقيام باستصلاحها أو البناء عليها أو إقامة منفعة بها أو استخراج ثروة أو معدن منها... إلخ. وهذا ما عليه العمل في الديار المصرية.
وهذا النوع من التدخل ليس غريبًا على التشريع الإسلامي، الذي أباح إقطاع مساحة من الأراضي لمن يقدر على إحيائها.
وإدراكًا لغرض الشارع من تحقيق العمران لم يقصر هذا الحق في الدولة الإسلامية على المسلمين فقط، بل إن جمهور الفقهاء على جواز إحياء غير المسلم للأرض الميتة، مقابل تمليكها أو إعطائه حقَّ استغلالها والانتفاع بريعها.
إن الإسلام يحرص على التنمية عميقة الأثر في حياة الناس والمجتمعات، ولا يوجههم إلى تحقيق الربح السريع الذي يستنزف موارد الأمم وثرواتها وإفقار أهلها وتركيز الثروة في يد قلَّةٍ من المستأثرين بها، بل كان التوجيه القرآني في هذا السياق واضحًا: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7]، يقول الطاهر بن عاشور: [وقد بدا من هذا التعليل أن من مقاصد الشريعة أن يكون المال دُولة بين الأمة الإسلامية على نظام محكم في انتقاله من كلِّ مالٍ لم يسبق عليه ملكٌ لأحد مثل المَوَات، والفيءِ، واللُّقَطَاتِ، والرِّكازِ، أو كان جزءًا معيَّنًا مثل: الزكاة، والكفارات، وتخميس المغانم، والخراج، والمواريث...] اهـ.
فإحياء الموات يأتي كعامل متَّسقٍ للغايةِ مع قواعد هذه المنظومة في التعامل مع الثروات التي حباها الله لنا، ومحقِّقًا لغاية الله سبحانه من استخلاف الإنسان في الأرض.
المصادر:
- "المبسوط" للسرخسي (23/ 167).
- "المغني" لابن قدامة (5/ 418).
- "التحرير والتنوير" للطاهر بن عاشور (28/ 85).
- "الخراج" لأبي يوسف (ص: 77).
 

أدرك المسلمون خطورة القضاء وأهميته في انتظام الحياة وتحقيق العدالة التي أمر بها الإسلام، فكان من روائع ما أبدعته حضارة الإسلام تحويل مسائل القضاء من مبحث جزئي يتناوله الفقه الإسلامي بصورة غير مستوعبة في بعض أرباعه إلى علم مستقل ذي موضوع مميز، وثمرةٍ وحدٍّ مميزين.


بالتأمل في الغاية التي خلق الله سبحانه وتعالى من أجلها الإنسان نجد أنه يمكن تلخيصها في أمرين اثنين: -الأمر الأول: العبادة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، والعبادة يأتي في المقدمة منها الشعائر التي يؤديها العبد؛ من صلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك من شعائر العبادات. -أما الأمر الثاني فهو: عمارة الأرض؛ قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، فتعمير الأرض من الأمور التي كلفنا الله بها، وهو يشمل كل عمل مفيد يؤدي إلى التعمير،


الإسلام دين الرحمة والنبي صلى الله عليه وسلم هو نبي الرحمة، والرحمة في الإسلام سمة حضارية عامة تشمل الأكوان كلها من إنسان وحيوان وطير وشجر وحجر ومؤمن وغير مؤمن


اهتم الإسلام بأمر العلم والعناية به، وقد كان ذلك من أوائل التوجيهات الإلهية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والمسلمين أيضًا، فكان أول ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، من هذا المنطلق كانت الرؤية واضحةً بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوجيهاته للمسلمين، باتخاذ وسيلة ومفتاح تحصيل هذا العلم ونشره عن طريق تعلُّم الكتابة، والتي أوصى الله باستخدامها في موضع آخر، منها مثلًا ما يتعلق بتوثيق الحقوق؛ حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ﴾ [البقرة: 282].


كان للمسلمين دورٌ كبيرٌ في نهضة علم الجغرافيا والتعرف على تضاريس الأرض ومعرفة خواصها، لقد دعا القرآن الكريم الناس إلى السير في الأرض للتعرف على أدلة خلق الله تعالى وعظمة إبداعه وآثار الأمم السابقة، فقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: 20]، وقال جل شأنه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: 20]، وقال أيضًا:


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 01 مارس 2026 م
الفجر
4 :55
الشروق
6 :21
الظهر
12 : 7
العصر
3:25
المغرب
5 : 54
العشاء
7 :11