كفارة اليمين الغموس

تاريخ الفتوى: 17 ديسمبر 2023 م
رقم الفتوى: 8182
من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام
التصنيف: النذور
كفارة اليمين الغموس

هل تجب على اليمين الغموس كفارة؟ فأنا حلفت بالله وأنا كاذب؛ لكي أرفع الحرج عن نفسي في موقفٍ ما؛ إذ لو علمه أبي لغضب مني. والآن أنا تبت من هذا الذنب، فهل يجب عليَّ كفارة يمين؟

اليمين الغموس حرام شرعًا، وهي من الكبائر باتفاق الفقهاء، والأحوط الأخذ بمذهب مَن يرى فيها الكفارة خروجًا من الخلاف، وتمشيًا مع أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، ومقدار الكفارة إطعام عشرة مساكين، وأما قبول التوبة فإنها على حد اليقين لمَن طلب مِن الله تعالى المغفرة بصدقٍ وإخلاصٍ؛ حيث قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: 25].

المحتويات

 

تعريف اليمين الغموس وسبب تسميتها بذلك

الحِلْفُ والحَلِف: القَسَم لغتان، وحلَف، أي: أقسم، والحَلِف: اليمين، واصطلاحًا: تحقيق الأمر أو توكيده بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته، كما في "روضة الطالبين" للنووي (11/ 3، ط. المكتب الإسلامي).

فإن كان الحَلِفُ على إثبات شيءٍ أو نَفيِه، مع تعمُّد الكذب فيه -كما في واقعة السؤال- فإنَّه يُسمَّى يمين غموس، وسُميت غموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها في النار، كما في "شرح مختصر الطحاوي" للجصاص (7/ 373، ط. دار البشائر).

قال أبو العباس الحموي في "المصباح المنير" (2/ 453، ط. المكتبة العلمية): [واليمين الغموس -بفتح الغين- اسم فاعل؛ لأنَّها تغمس صاحبها في الإثم؛ لأنَّه حلف كاذبًا على علمٍ منه] اهـ.

وقال الإمام ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (6/ 130، ط. مكتبة الرشد): [اليمين الغموس: هو أن يحلف الرجل على الشيء وهو يعلم أنَّه كاذب؛ ليرضي بذلك أحدًا، أو يقتطع بها مالًا] اهـ.

حكم الحلف بالله كذبا

اليمين الغموس حرامٌ -وهي كبيرة من الكبائر- باتفاق الفقهاء، من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، كما في "بداية المبتدي" للمرغيناني (ص: 96، ط. صبح)، و"الفواكه الدواني" للنفراوي (1/ 412، ط. دار الفكر)، و"أسنى المطالب" لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (4/ 241، ط. دار الكتاب الإسلامي)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 496، ط. مكتبة القاهرة).

وذلك لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ» أخرجه البخاري.

قال الإمام ابن الجوزي في "كشف المشكل" (4/ 121، ط. دار الوطن): [اعلم أنَّ المذكور من الكبائر في هذا الحديث كأنَّه أمَّهات الكبائر] اهـ.

مذهب جمهور الفقهاء في حكم الكفارة في اليمين الغموس

قد اختلف الفقهاء حول وجوب الكفارة في اليمين الغموس: فذهب جمهور الفقهاء، من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس؛ إذ هي أعظم من أن تُكَفَّر.

قال الإمام الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (3/ 108، ط. الأميرية): [وقال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: كنا نعد اليمين الغموس من الكبائر التي لا كفارة فيها، وهو إشارة إلى الصحابة وحكاية لإجماعهم، ولأنها كبيرة محضة، والكفارة عبادة، فلا تناط بها كسائر الكبائر] اهـ.

وقال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (8/ 127، ط. دار المعرفة): [والتي لا تُكَفَّر اليمين الغموس، وهي المعقودة على أمرٍ في الماضي أو الحال كاذبة يتعمَّد صاحبها ذلك] اهـ.

وقال الشيخ الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (3/ 54، ط. دار الفكر): [اليمين الغموس لا كفارة فيها] اهـ.

وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في "المعونة" (ص: 633-634، ط. المكتبة التجارية): [وإنَّما قلنا: إنَّ الغموس لا كفَّارة فيها خلافًا للشافعي، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَان﴾ وهذه محلولة غير منعقدة؛ لأنَّ المنعقدة ما أمكن حله إذا انعقد، لأنَّ العقد في مقابلة الحل، والماضي واقع على وجه واحد لا يمكن تغييره، ولأنَّها يمين لا يتأتَّى فيها بِرٌّ ولا حنث كاللغو، ولأنَّ الكفارة معنى يرفع حكم اليمين، فلم تتعلق بالحلف على الماضي، أصله الاستثناء، ولأنَّ الحنث مخالفة الشيء المحلوف عليه لليمين، وذلك يقتضي تقديم اليمين ليصح وصف الفعل إذا وقع بأنَّه حنث، ومتى تأخَّرت عنه وقع عاريًا من الحكم له بذلك، فلا يصير محكومًا له من بعد] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (9/ 496): [(ومن حلف على شيءٍ، وهو يعلم أنَّه كاذب، فلا كفَّارة عليه؛ لأنَّ الذي أتى به أعظم من أن تكون فيه الكفارة)، هذا ظاهر المذهب، نقله الجماعة عن أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم: ابن مسعود، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة] اهـ.

واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما المتقدم، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإثم فيها ولم يذكر كفارة، ولو كانت الكفارة متعلِّقة بتلك اليمين لذكرها، كما في "التوضيح" لابن الملقن (30/ 320، ط. دار النوادر).

ولأنَّ ما كان من المعاصي محرَّم الجنس كالظلم والفواحش، فإنَّ الشارع لم يشرع له كفارة، فلا كفارة في الزنا وشرب الخمر وقذف المحصنات والسرقة، وكذلك لا كفارة في قتل العمد ولا في اليمين الغموس، وليس ذلك تخفيفًا عن مرتكبهما، بل لأنَّ الكفارة لا تعمل في هذا الجنس من المعاصي، وإنما عملها فيها فيما كان مباحًا في الأصل وحُرِّم لعارض، كالوطء في الصيام والإحرام. ينظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم (2/ 76، ط. دار الكتب العلمية).

مذهب الشافعية والظاهرية في حكم الكفارة في اليمين الغموس

ذهب الشافعية والظاهرية إلى وجوب الكفارة في اليمين الغموس، وهو قول الإمام الأوزاعي والحسن بن حيٍّ.

قال الإمام النووي في "روضة الطالبين" (3/ 11): [فإن حَلَف على ماضٍ كاذبًا وهو عالم، فهو اليمين الغموس، سُمِّيت غموسًا؛ لأنَّها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار، وهي من الكبائر، وتتعلَّق بها الكفارة] اهـ.

وقال الإمام ابن حزم في "المحلى" (6/ 288، ط. دار الفكر): [ومن حَلَف عامدًا للكذب فيما يحلف فعليه الكفَّارة، وهو قول الأوزاعي، والحسن بن حيٍّ] اهـ.

واستدلوا على ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُم﴾ [المائدة: 89].

فظاهر القرآن إيجاب الكفارة في كلِّ يمين، فلا يجوز أن تُسْقَط كفارة عن يمين أصلًا إلَّا حيث أسقطها نصُّ قرآن أو سنة، ولا نصَّ قرآنٍ ولا سنة أصلًا في إسقاط الكفارة عن الحالف يمينًا غموسًا، فهي واجبة عليه بنصِّ القرآن، كما في "المحلى" لابن حزم (6/ 294).

الخلاصة

بناءً على ذلك: فإن اليمين الغموس من الكبائر، والأحوط الأخذ بمذهب مَن يرى فيها الكفارة خروجًا من الخلاف، وتمشيًا مع أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، ومقدار الكفارة إطعام عشرة مساكين، وأما قبول التوبة فإنها على حد اليقين لمَن طلب مِن الله تعالى المغفرة بصدقٍ وإخلاصٍ؛ حيث قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: 25].

والله سبحانه وتعالى أعلم.

هل يجوز تسمية محل تجاري باسم من أسماء الله الحسنى؟ لأني افتتحت محلًّا تجاريًّا وسميته ببعض الأسماء التي تعني معاني حسنة لكنها لها نظير في الأسماء الحسنى مثل: "محل العزيز، الحكيم"، فنصحني بعض الأشخاص بتغيير اسم المحل؛ لأنه من أسماء الله الحسنى التي لا يجوز أن يتسمَّى بها غير الله سبحانه، وأخبرني أنه يحرم عليَّ طباعة الدعاية الورقية التي توزع على الناس وتحتوي على تلك التسمية الشريفة؛ بحجة أنها غالبًا ما يتم التخلص منها بإلقائها على الأرض أو في القمامة، فما حكم الشرع في ذلك؟


سائل يقول: نرجو منكم البيان والرد على مَن يقول بعدم جواز تسمية بعض الأيام ومواسم الخير والبركة بالأعياد؛ بدعوى أنَّ الشَّرع الشريف لم يجعل للمسلمين إلا عيدين فقط؛ هما: الفطر والأضحى.


سائل يسأل عن كيف تكون تربية الطفل الصغير على الإيمان الصحيح وغرس الأخلاق الحسنة في نفسه؟


هل يدخل الغِنى والفقر في أنواع الابتلاء؟


سائل يسأل عن حكم الاستماع إلى الأغاني والموسيقى، وهل هو مباح مطلقًا؟


ما حكم هجر المصرّ على الأذى والضرر في ليلة النصف من شعبان؟ فقد حصل بين أحد الأشخاص وصاحب له خلافات ومشاكل، وتعاظم الأمر حتى أدى ذلك إلى القطيعة بينهما، ومَرَّ على ذلك بعض الأيام، وقد هلَّ علينا شهر شعبان المبارك، وعلم أن الله يغفر لكلِّ الناس في ليلة النصف منه إلا المشاحن، فسعى للصلح معه، إلا أنه بادره بالسب والأذية بالكلام والأفعال، واختلاق المشاكل، والخوض في الأعراض، وغير ذلك من الأمور السيئة التي تؤدي للفتنة بينه وبين جيرانه وأقاربه، ويتكرر ذلك كلما سعى في الصلح معه وإصلاح ما فسد بينهما، وبعد معاناة من هذا الأمر قرر مجانبته وهجره وعدم الحديث معه؛ تجنبًا للمشاكل والأذية، لحين أن تهدأ نفسه، أو يجد فرصة مناسبة للصلح. فهل يكون من المشاحنين الذين لا يغفر الله لهم في هذه الليلة المباركة بسبب هجره صاحبَه هذا وتجنبه؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 29 مارس 2026 م
الفجر
4 :20
الشروق
5 :48
الظهر
12 : 0
العصر
3:30
المغرب
6 : 12
العشاء
7 :30