هل يجوز للمسافر الذي وصل إلى مكة صائما أن يفطر ليتقوى على أداء العمرة؟ فهناك رجلٌ سافر في رمضان قبل الفجر لأداءِ العمرةِ، على أن يمكُثَ في مكَّة ثلاثةَ أيامٍ وفي المدينة مثلَها، ثمَّ إنه نوى الصيام وهو في الطائرةِ وشَرَع فيه، ولمَّا وصل إلى مكَّة أراد أن يتقوى على أداءِ العمرةِ بالفطر، فهل يجوز له ذلك شرعًا؟
مَن سافر سفرًا تُقصر فيه الصلاة فإنه لا تَنْقَطِعُ عنه أحكامُ السَّفرِ ورُخَصُهُ بالإقامة لأقلَّ مِن أربعةِ أيامٍ، ويجوز له إن نَوَى صيام رمضان وشَرَعَ فيه أن يترخَّص بالفطرِ حال سَفَرِه.
فيجوز لمن سافر بنيَّته الإقامة مدةَ ثلاثة أيام أن يُفطِر بعد وصوله لِيَتَقَوَّى على أداء العمرة، ولا إثم عليه في ذلك ولا حرج.
المحتويات
مِن مظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية أنها رخَّصَت الفطرَ في رمضان حال السَّفر، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
وقد أجمع الفقهاء على مشروعية التَّرَخُّصِ بالفطر في رمضان لمَن بلغ سَفَرُه في غير معصيةٍ مسافةً تُقصَر فيها الصلاة، كما في "مراتب الإجماع" للإمام ابن حَزْم (ص: 40، ط. دار الكتب العلمية)، و"الإقناع في مسائل الإجماع" للإمام ابن القَطَّان (1/ 229، ط. الفاروق الحديثة)، وذلك على تفصيلٍ بينهم في تقدير هذه المسافة، والمفتى به أنَّها لا تَقِلُّ عن مرحلتَيْن، وتُقَدَّران بنحو ثلاثةٍ وثمانين كيلومترًا ونصف الكيلومتر.
ومِن المقرَّر شرعًا أنَّ الرُّخصَ منوطةٌ بأسبابها، فلا تثبُت إلا بتحقُّقِها، ولا تُرفَعُ إلا بزوالها، وما دام السبب قائمًا يَبْقَى الترخُّصُ مباحًا، فإذا انقطع السببُ بثبوت الإقامة في حق المكلَّف يَنقطع -تبعًا لذلك- الترخُّصُ الذي كان مِن أجْله.
قال الإمام الشَّاطِبِي في "الموافقات" (1/ 468، ط. دار ابن عفان): [إن شرعيَّة الرُّخص جزئيَّة يُقتَصَرُ فيها على مَوضِعِ الحاجَة، فإن المصلِّي إذا انقطع سَفَرُه وَجَبَ عليه الرجوع إلى الأصل مِن إتمام الصلاةِ وإلزام الصومِ] اهـ.
من المقرر شرعًا عند فقهاء المذاهب الأربعة أنَّ إقامة ثلاثة أيامٍ -في حقِّ مَن سافر لغير وطنه- لا تُخرج صاحبها عن حكم المسافر؛ لأن هذه المدة داخلة في القدر المتفق عليه فيما بينهم في الزمن المعتبر الذي لا ينقطع عن المسافر به أحكامُ السَّفَرِ؛ لحديث العَلَاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قال: «ثَلَاثٌ لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدَرِ» متفقٌ عليه.
قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (9/ 122، ط. دار إحياء التراث العربي): [واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أنَّ إقامة ثلاثةٍ ليس لها حكم الإقامة، بل صاحِبُها في حكم المسافرِ، قالوا: فإذا نوى المسافرُ الإقامةَ في بلدٍ ثلاثةَ أيامٍ غير يومِ الدخولِ ويومِ الخروجِ، جاز له الترخُّص برُخَصِ السفر مِن القصر والفطر وغيرهما مِن رُخَصِهِ، ولا يصير له حكم المقيم] اهـ.
وقال الحافظ ابن حَجَرٍ العَسْقَلَانِي في "فتح الباري" (7/ 267، ط. دار المعرفة): [ويُسْتَنْبَطُ مِن ذلك: أنَّ إقامةَ ثلاثةِ أيامٍ لا تُخرج صاحِبَها عن حكم المسافر] اهـ.
وهذا ما تواردت عليه نصوص الفقهاء:
قال الإمام علاء الدين الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 97، ط. دار الكتب العلمية): [وأمَّا بيان ما يصير المسافر به مقيمًا: فالمسافر يصير مقيمًا بوجود الإقامة، والإقامة تَثْبُتُ بأربعة أشياء: أحدها: صريح نية الإقامة، وهو أن ينوي الإقامةَ خمسة عشر يومًا في مكانٍ واحدٍ صالحٍ للإقامة] اهـ، فأفاد أن السَّفر ينقطع عند الحنفية بإقامة خمسة عشر يومًا مع اليوم الذي يخرج فيه المسافر.
وجاء في "المدونة" في فقه الإمام مالك (1/ 207، ط. دار الكتب العلمية): [والمسافِرُ في البَرِّ والبَحر سواءٌ، إذا نوى إقامةَ أربعة أيام أتمَّ الصلاة وصام] اهـ.
وقال الإمام أبو عبد الله المَوَّاق المالكي في "التاج والإكليل" (2/ 503، ط. دار الكتب العلمية): [(ونية إقامةِ أربعةِ أيامٍ صِحَاحٍ) مِن "المدونة": إذا أجمع المسافرُ في بَرٍّ وبحرٍ على مُقام أربعةِ أيامٍ بلياليهن أَتَمَّ الصلاةَ وصَامَ حتى يظعن مِن مكانه. قال ابن القاسم في "العتبية": يُلْغِي يومَ دخوله ولا يَحْسِبُهُ] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (1/ 384، ط. المكتب الإسلامي): [ولو نوى إقامة ثلاثةِ أيامٍ فأقلَّ، لَم يَصِرْ مقيمًا قطعًا، وإن نوى أكثرَ مِن ثلاثةٍ، قال الشافعي وجمهور الأصحاب: إن نوى إقامة أربعة أيام صار مقيمًا. وذلك يقتضي أنَّ نية دون الأربعة لا تَقطَع السَّفرَ وإن زاد على ثلاثةٍ، وقد صرَّح به كثيرون] اهـ.
وقال الإمام ابن قُدَامَة الحنبلي في "المغني" (2/ 212، ط. مكتبة القاهرة): [وإذا نوى المسافرُ الإقامةَ في بلدٍ أكثرَ مِن إحدى وعشرين صلاةً، أَتَمَّ) المشهور عن أحمد رحمه الله: أنَّ المدَّةَ التي تُلزِمُ المسافرَ الإتمامَ بنيةِ الإقامةِ فيها، هي ما كان أكثرَ مِن إحدى وعشرين صلاةً. رواه الأَثْرَمُ والمَرْوَذِيُّ وغيرُهما، وعنه: أنه إذا نوى إقامة أربعة أيامٍ أَتَمَّ، وإن نوى دونها قَصَرَ.
وهذا قول مالكٍ والشافعي وأبي ثور.. ويُرْوَى هذا القولُ عن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه] اهـ.
ويظهر من هذه النصوص السابقة أن المدة المذكورة في السؤال -وهي الثلاثة أيام- لا تقطع حكم السفر باتفاق.
أمَّا إرادة المسافر للعمرة الفِطرَ ليَتَقَوَّى على أدائها بعد أن نوى الصيام وأَمْسَكَ عن المُفَطِّرَات حتَّى وصل إلى مكَّة -كما ورد في السؤال- فهو أمرٌ مختلَفٌ فيه بين الفقهاء، والمختار للفتوى: أنه يجوز للمسافر إذا نوى الصيام في ابتداء سفرِه أن يُفطِرَ دون الحاجة لعذرٍ غير عذر السَّفَر، ولا كفارة عليه في ذلك ولا حرج؛ لما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سافر صائمًا في فتح مكَّة ثمَّ أفطر، وكان ذلك في رمضان.
فعن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ غَزَا غَزْوَةَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ»، وقال: «صَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكَدِيدَ -الْمَاءَ الَّذِي بَيْنَ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ- أَفْطَرَ، فَلَمْ يَزَلْ مُفْطِرًا حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ» أخرجه الشيخان.
قال الحافظ ابن حَجَرٍ العَسْقَلَانِي في "فتح الباري" (4/ 181): [واستُدِلَّ به على أنَّ للمرء أنْ يُفطر ولو نوى الصيام مِن الليل وأصبح صائمًا، فله أن يفطر في أثناء النهار، وهو قول الجمهور، وقطع به أكثر الشافعية] اهـ.
وجواز الفِطرِ للمسافر إن نوى الصيام وشرع فيه حال سفره هو ما ذهب إليه الإمام ابن المَاجِشُون مِن المالكية، والشافعية في المعتمد، والحنابلة.
قال العلامة شمس الدين الحَطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (2/ 445، ط. دار الفكر): [وإنْ شَرَع في السفر قَبْل الفجر فلا شك أنه يجوز له تَبْيِيتُ الفطر، والصومُ أفضل، فإنْ بَيَّت الصومَ، فهل يجوز له بعد ذلك الفطر؟ قولان: المشهور والأصح أنه لا يجوز له الفطر، والله أعلم] اهـ.
وقال أيضًا (2/ 447): [فتحصل مِن هذا: أن مسائل الفطر للمسافر خمس مسائل.. الرابعة: إذا بَيَّت الصيامَ في السفر، هل يجوز له الفطر أم لا؟ المشهور: أنه لا يجوز له الفطر، وقال ابن المَاجِشُون: يجوز له الفطر، نَقَلَه في "التوضيح"] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (2/ 369-370): [ولو أصبح صائمًا في السفر، ثم أراد الفطر، جاز. وفيه احتمالٌ لإمام الحرمين وصاحب "المهذب": أنه لا يجوز. وإذا قلنا بالمذهب، ففي كراهة الفطر وجهان.
قلت: هذا الاحتمال الذي ذكراه، نص عليه الشافعي رضي الله عنه في "البويطي"، لكن قال: لا يجوز الفطر إن لَم يَصِحَّ الحديثُ بالفطر. وقد صَحَّ الحديثُ. والله أعلم] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 423، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(لو أصبح المسافرُ صائمًا) يترخَّص.. (ولَم يُكْرَه) له الترخُّص في ذلك، وترجيح عدم الكراهةِ مِن زيادته وهو ما في "المجموع"، ويُشترط في جواز الترخص نيَّتُه] اهـ.
وقال الإمام ابن قُدَامَة الحنبلي في "المغني" (3/ 118): [وإنْ نوى المسافرُ الصومَ في سفره، ثم بَدَا له أنْ يُفطر، فَلَهُ ذلك.. لنا: حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وهو حديثٌ صحيحٌ متفقٌ عليه.. وهذا نصٌّ صريحٌ لا يعرج على مَن خالَفَه] اهـ.
وقال العلامة شرف الدين الحَجَّاوِي الحنبلي في "الإقناع" (1/ 307، ط. دار المعرفة): [ومَن نَوَى الصوم في سفرٍ فله الفطر] اهـ.
بناءً على ذلك: فمَن سافر سفرًا تُقصر فيه الصلاة فإنه لا تَنْقَطِعُ عنه أحكامُ السَّفرِ ورُخَصُهُ بالإقامة لأقلَّ مِن أربعةِ أيامٍ، ويجوز له إن نَوَى صيام رمضان وشَرَعَ فيه أن يترخَّص بالفطرِ حال سَفَرِه، كما سبق بيانه.
وفي واقعة السؤال: الرَّجلُ المذكور لَم يخرج عن كونه مسافرًا بنيَّته الإقامة مدةَ ثلاثة أيام في مكة المكرمة، ومِن ثَمَّ يجوز له أن يُفطِر بعد وصوله إليها لِيَتَقَوَّى على أداء العمرة، ولا إثم عليه في ذلك ولا حرج.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم صيام يوم 13 من ذي الحجة لمن يصوم الثلاثة الأيام البيض من كل شهر عربي وهي 13، 14، 15؟ حيث إنه من أيام التشريق، علمًا بأنني لست من الحجاج في هذا العام.
نرجو من فضيلتكم التكرم بنصيحة للأمة الإسلامية لاستقبال شهر رمضان الكريم؟
ما الذي يجب على المسلمين عمله في شهر رمضان الكريم؟
ما حكم التحايل على الشرع والقانون تهربًا من العقوبة؟ فبعض الناس الذين لا يلتزمون بالقوانين المنظِّمة للمرور، يستخدمون الحيل للتهرب من دفع الغرامات التي تلحقهم، كطمس معالم الملصق الإلكتروني أو بعض أرقام السيارة، أو تبديلها بغيرها، أو استخدام لوحات لأرقام سيارة من السيارات المتوقفة عن العمل "المُكهَّنة"، فما حكم الشرع في هذا التحايل؟
هل يجب على المسافر الذي قدم بلده مفطرًا أن يمسك بقية اليوم؟ فقد سافرتُ في شهر رمضان المبارك قبل الفجر، ولَمَّا كان السفرُ طويلًا، أخذتُ بالرخصة فأفطرتُ في الطريق، وبعد أن وصَلْتُ إلى منزلي بعد العصر أكلتُ وشرِبْتُ، فهل كان واجبًا عليَّ الإمساك عن الطعام والشراب بمجرد وصولي إلى البيت؟
نحيطكم عِلمًا بأن صندوق خاص بإحدى الجهات الرسمية يقوم بتنظيم بعثة سنوية للحج، وذلك حسب البرنامج التالي ذكره، فبرجاء التفضل بإبداء الرأي في مدى صحة هذا البرنامج من الناحية الشرعية:
تقوم البعثة بالسفر بالملابس العادية إلى المدينة أولًا، وتمكث البعثة بالمدينة لمدة خمسة أيام، قبل التوجه إلى مكة لأداء مناسك الحج، ونقوم بشراء صكوك الهدي من المدينة، والإحرام من فندق الإقامة بنية القران بين الحج والعمرة.
ثم نقوم بعد ذلك بالتوجه إلى الحرم المكي لأداء طواف القدوم والسعي بعده، فهل يجزئ هذا السعي عن سعي الحج؟
في يوم التروية نذهب ليلًا مباشرة إلى عرفة، ولا نبيت بمِنى ولا ندخلها، ونبيت ليلة عرفة بمقر البعثة بعرفة والذي يكون داخل حدود عرفة، ونمكث بالمخيَّم داخل عرفة دون الذهاب إلى جبل الرحمة، وعند غروب الشمس نبدأ في التحرك إلى المزدلفة، فنصل إليها ليلًا، ونصلي المغرب والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء، ونسرع بجمع الحصى من المزدلفة، ثم نبادر بعد ذلك وفي منتصف الليل بمغادرة المزدلفة إلى منى لرمي جمرة العقبة الكبرى، ويمكن لكبار السن والسيدات التوكيل في رمي الجمرات، ثم نتوجه إلى مكة المكرمة لطواف الإفاضة، وبعدها نتوجه إلى الفندق لأخذ قسط من الراحة.
ثم نتوجه في ظهيرة يوم النحر من مكة إلى منى للمبيت بها حتى الساعة 12 صباحًا، ثم نقوم برمي الجمرات ليلة أول أيام التشريق وثاني أيام العيد، ثم التوجه إلى فندق الإقامة لمَن يرغب. وفي ظهر أول أيام التشريق وثاني أيام العيد نتوجه إلى منى ونقيم بها حتى نرمي جمرات اليوم الثاني من أيام التشريق في حدود الساعة 12 صباحًا، ونتعجل اليوم الثالث، ونقوم بمغادرة مِنى إلى مكة ليلة ثاني أيام التشريق بعد رمي الجمرات.
ننصح الكثير من أعضاء البعثة وخاصة كبار السن بالذهاب بعد العشاء بساعة أو ساعتين ليلة 12 من ذي الحجة بالذهاب إلى الجمرات ورمي جمرات اليوم الأول، ثم يمكثون إلى أن ينتصف الليل ويرمون لليوم الثاني. كما ننصح كبار السن والنساء ومن لا يستطع الذهاب إلى منى أن يبقى بمكة ويوكِّلَ من يرمي عنه الجمرات. ويمكن لمن أحب عمل أكثر من عمرة أن يقوم بذلك بعد الرجوع إلى مكة والتحلّل الأكبر، ويقوم أعضاء البعثة بطواف الوداع في يوم 13 من ذي الحجة، أي: قبل المغادرة بيوم.
كما ننصح كبار السن والمرضى أن يجمعوا في طواف الإفاضة بين نية الإفاضة ونية الوداع.
وتفضلوا سيادتكم بقبول فائق الاحترام