تعدد الكفارات في الحج عند ارتكاب محظورات الإحرام

تعدد الكفارات في الحج عند ارتكاب محظورات الإحرام

هل تتعدد الكفارات في الحج إذا ارتكب المحرم عددًا من محظورات الإحرام؟ فهناك رجلٌ ارتَكَب عدة محظوراتٍ في الحج وهو مُحرِم، وكَفَّرَ عن أحدها بَعد فِعله ثم كَرَّرَه، وكَرَّرَ محظورًا دون أن يُكَفِّر عن فِعله أوَّل مرة، ويسأل عما يلزمه فِعلُه؟

إذا ارتَكَب المُحرِمُ بالحج محظورًا مِن محظورات الإحرام وكرَّره فتجب عليه فديةٌ واحدةٌ ما لَم يُكَفِّر عن الأوَّل قَبْل فِعل الثاني، أما إذا فَعَل أَحَدَ المحظورات ثم كَفَّرَ عنه، وتكرَّر منه فِعل نفس المحظور بعد الكفارة الأُولى، ففي هذه الحالة يجب عليه الكفارةُ مرةً ثانيةً.

وإذا ارتكب عدة محظورات مختلفة، كما لو قَصَّ شعره، وغَطَّى رأسه، وجامَع زوجته بين التحلُّلَيْن، أو لَبِسَ وتَطَيَّب وحَلَقَ وقَلَّمَ أظفاره، فتجب عليه فدية لكلِّ واحد منها؛ لأنها أجناس مختلفة، فلم تتداخل.

وهذا كلُّه بخلاف الصيد، فإن الكفارة فيه تتعدد بتعدُّده، فيكون لكلِّ مرة منه كفارة وإن لَم يُكَفِّر عما قَبْلها.

التفاصيل ....

المحتويات

 

بيان محظورات الإحرام

اتفق الفقهاء على أنَّ للإحرام محظوراتٍ يجب على المُحرِم اجتنابُ فِعلها ما دام مُحْرِمًا، ومِن هذه المحظورات: تغطية الرجل رأسَه، وحَلْق الشعر أو شدُّه مِن أيِّ جزءٍ مِن الجسد، ولا يَقُص الأظافر، ولا يَستخدم الطيب والروائح العطرية، ولا يُخالِط زوجتَه أو يَفعل معها دواعي المخالطة كاللمس والتقبيل بشهوة، ولا يَلبَس المَخِيطَ المُحِيطَ (وهو المُفَصَّل على أيِّ عضوٍ مِن أعضاء الجسم)، ولا يَتعرض لصيد البَرِّ الوَحْشِي ولا لِشَجَرِ الحَرَم، كما يحرم على المرأة تغطية وجهها أو لُبس القُفَّازَيْن. ينظر: "تحفة الفقهاء" للإمام علاء الدين السَّمَرْقَنْدِي الحنفي (1/ 391، ط. دار الكتب العلمية)، و"الذخيرة" للإمام شهاب الدين القَرَافِي المالكي (3/ 301، ط. دار الغرب الإسلامي)، و"التنبيه" للإمام أبي إسحاق الشِّيرَازِي الشافعي (ص: 72، ط. عالم الكتب)، و"عمدة الفقه" للإمام ابن قُدَامَة الحنبلي (ص: 46، ط. المكتبة العصرية).

مدى تعدد الكفارات في الحج عند ارتكاب عدد من محظورات الإحرام

إذا ارتَكَب المُحرِمُ محظورًا مِن محظورات الإحرام -غير الصيد- وكَرَّرَهُ قَبْل أنْ يُكَفِّرَ عنه، كما لو جامَع زوجتَه بين التحلُّلَيْن الأول والثاني أكثر مِن مرة، أو لَبِسَ ثم لَبِسَ كأن يَلْبَسَ عمامةً ثم يَلْبَس قميصًا ثم سراويل، أو قَصَّ أظفارَه ثم قَصَّها، أو تَطَيَّبَ ثم تَطَيَّبَ، أو حَلَقَ ثم حَلَقَ، فإنه يجب عليه فديةٌ واحدةٌ، ما لَم يُكَفِّرْ عن الأول قبل فِعل الثاني؛ لأنَّ جنس الفعل مُتَّحِدٌ، فأشبه ما لو طَيَّب رأسَه وبَدَنَه، بخلاف ما إذا ارتَكَب عدة محظورات مختلفة، كما لو قَصَّ شعره، وغَطَّى رأسَه، وجامَع زوجته بين التحلُّلَيْن، أو لَبِسَ وتَطَيَّب وحَلَق وقَلَّمَ أظفارَه، فتجب عليه فديةٌ لكلِّ واحدٍ منها كَفَّارة؛ لأنها أجناسٌ مختلفةٌ، فلَم تتداخل، أما إذا فَعَل أَحَدَ المحظورات ثم كَفَّرَ عنه، وتكرر منه فِعل نفس المحظور بعد الكفارة الأُولى، ففي هذه الحالة يجب عليه التكفير مرةً ثانيةً بلا خلاف؛ لأن فِعل المحظور الأول استَقَرَّ حُكمُه بالتكفير، فإنْ فَعَلَه مرةً ثانيةً استَوْجَب التكفيرَ مرةً ثانيةً، كما لو زَنَا فَحُدَّ ثم زَنَا فإنه يُحَدُّ ثانيًا، ولا فرق في ذلك بين فِعل القليل والكثير، فقليلُ الطِّيب واللُّبس وغيرهما مِن المحظورات وكثيرُه سواء، وأيضًا فإن الكفارة لا تتعلق بالسبب المؤدي إلى فِعل المحظور، بل يتعلق الحكمُ بفِعل المحظور نَفْسه لا بِسَبَبِهِ، وهذا كلُّه بخلاف الصيد، فإن الكفارة فيه تتعدد بتعدُّدِه، فيكون لكلِّ مرةٍ منها كفارةٌ وإن لَم يُكَفِّر عما قَبْلَها، وهذا ما نصَّ عليه جمهور الفقهاء مِن الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.

نصوص فقهاء المذاهب في هذه المسألة

قال الإمام البَابَرْتِي الحنفي في "العناية" (3/ 38، ط. دار الفكر): [الجنايات إذا كانت مِن جنسٍ واحدٍ لا تتعدد الكفارةُ، كما إذا حَلَق رأسَه في مجالسَ مختلفة، فإنَّ عليه كفارةً واحدةً لذلك.. فمَتَى اتَّحدَ الْجَمِيعُ لَزِمَهُ كفَّارةٌ واحدةٌ بلا خلافٍ بينهم، ومَتَى اختَلَفَ الجَمِيعُ لزمَهُ الكفَّارةُ متعدِّدةً] اهـ.

وقال الإمام زين الدين ابن نُجَيْم الحنفي في "البحر الرائق" (3/ 13، ط. دار الكتاب الإسلامي): [لو قلَّم أظافير يده وحَلَق رُبع رأسه وطيَّب عضوًا، فإنه يلزمه لكلِّ جنايةٍ دم، سواء اتَّحَد المجلس أو اختَلَف اتفاقًا، وقيد بكون المحل مختلفًا؛ لأنَّه لو كان مُتَّحدًا إذا حَلَق الرأسَ في أربع مراتٍ فإنه لا تتعدد الكفارة اتفاقًا، اتَّحَد المجلس أو اختَلَف، وقيد بكونها كفارة في الإحرام؛ لأنَّ كفارة الفطر في رمضان، كما إذا أفسد أيامًا مِن رمضان تتعدد إن كَفَّرَ للأول وإن لَم يُكَفِّر فكفارةٌ واحدةٌ اتفاقًا] اهـ.

وقال الإمام الخَرَشِي المالكي في "شرحه لمختصر خليل" (2/ 357، ط. دار الفكر): [الأصل في الفدية أنها تتعدَّد بتعدُّد موجبها إلا في هذه المسائل، فإنها تتحد وإن تَعَدَّد موجبها:

الأولى: إذا ظَنَّ الإباحة، أو كان جاهلًا بالحكم، أو ناسيًا له، وصورَتُها: لبس ثوبًا مثلًا فلزمته الفدية، ثم لبس ثانيًا ظانًّا أنَّ فِعلَه الثاني لا يوجب غير ما أوجبه الأول، وسواء كان الفعل الثاني على الفور مِن الأول، أو على التراخي منه، فليس عليه في ذلك كلِّه إلا فدية واحدة.

الثانية: أن يتعدد موجب الفدية بفور، كما إذا لبس وتطيَّب وقَلَّم وقَتَل القَمْل وحَلَق الشعر دفعةً مِن غير تَرَاخٍ؛ لأنه كالفعل الواحد.

الثالثة: أن يتراخى ما بين الفعلين، لكنه عند الفعل الأول نَوَى التكرار مِن جنسٍ أو أجناسٍ، ففدية واحدة، ولا يَضُرُّ بُعْدُ ما بينهما، كما لو تداوى لقُرحة بمطيِّب ونوى تكرار التداوي لها، أو لبس وتطيَّب وحَلَق وقَلَّم ونِيَّتُهُ فِعل جميعها، فعليه فدية واحدة وإن بَعُدَ ما بين تلك الأفعال.

الرابعة: أن يقدِّم ما نَفْعُهُ أَعَمُّ على ما نَفْعُهُ أَخَصُّ، كأن يقدِّم في لُبسه الثوب أو القَلَنْسُوَة، أو القميص على السراويل، أو العمامة أو الجبة، ابن الحاجب: ففدية وإن تراخى، ولو عكس الأمر -أي: في الثوب والسراويل خاصةً- وتَرَاخَى تَعَدَّدَت، قال في "توضيحه": وينبغي أن يقيد الأول بما إذا لَم تفضل السراويل على الثوب، وإلى ذلك أشار اللَّخْمِي في مسألة القَلَنْسُوَة والعمامة، أما إذا نزل فتَتَعَدَّد الفدية؛ لأنه انْتَفَع ثانيًا بغير ما انْتَفَعَ به أوَّلًا] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (7/ 378-380، ط. دار الفكر): [إذا لَبِسَ ثم لَبِسَ، أو تطيَّب ثم تطيَّب، أو قبَّل امرأةً ثم قبَّلها، فإن كان في مجلس واحد ولَم يُكَفِّر عن الأوَّل، بأنْ لَبِسَ قميصًا ثم سراويل ثم عمامة، أو كرر واحدًا منها في المجلس مرات، أو تطيَّب بِمِسْكٍ ثم زَعْفَرَان ثم كَافُور، أو كرر إحداهما في المجلس مرات، أو قبَّل امرأةً ثم أخرى ثم أخرى، أو كرر قُبلة امرأةٍ واحدةٍ، وفَعَل هذا كلَّه في مجلسٍ قبل أن يُكَفِّر لزمه كفارةٌ واحدةٌ، سواء طال زمنه في معالَجَة لُبس القميص والسراويل ولَفِّ العمامة واستعمال الطِّيب ومحاولة المرأة في القُبلة ونحو ذلك أو قَصُرَ، فيُكَفِّر كفارةً واحدةً مطلقًا، بشرط أن يكون الفعل متواليًا؛ لأنَّه كالفعل الواحد، (أمَّا) إذا كَفَّرَ عن الأوَّل قَبْل فِعل الثاني، فيلزمه للثاني كفارة أخرى بلا خلاف؛ لأنَّ الأوَّل استَقَرَّ حُكمُه بالتكفير، كما لو زنا فحُدَّ ثم زنا فإنه يُحَدُّ ثانيًا، وإن فَعَل ذلك في مجالس أو في مجلسين وتخلَّل زمانٌ طويلٌ مِن غير توالي الأفعال نظرت، فإنْ فَعل الثاني بعد التكفير عن الأول لزمه للثاني كفارة أخرى بلا خلاف؛ لأنَّ الأوَّل استَقَرَّ حُكمُه بالتكفير، وإن فَعل الثاني قبل التكفير عن الأوَّل، فإنْ كان السبب واحدًا بأنْ لَبِس في المرتين أو المرات للبرد أو للحَرِّ أو تطيَّب لمرضٍ واحدٍ مرات، فقولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما: (الأصح) الجديد: لا تتداخل فيجب لكل مرة فدية، (والقديم) تتداخل، ويكفي فدية عن الجميع ولو كان مائة مرة، وإن تكرر الفعل بسببين أو أسباب مختلفة، بأن لبس بُكْرَةً للبَرْد وعَشِيَّةً للحَرِّ ونحو ذلك، فطريقان حكاهما الشيخ أبو حامد والأصحاب: (أحدهما) تجب فديتان قطعًا، ويجعل اختلاف السبب كاختلاف الجنس، (والثاني) وهو المذهب وبه قطع كثيرون: فيه قولان كما لو اتحد السبب؛ لأنَّ الشافعي رحمه الله لم يعتبر اختلاف السبب، وإنما اعتبر اختلاف الجنس] اهـ.

وقال الإمام ابن قُدَامَة الحنبلي في "المغني" (1/ 497، ط. دار الكتب العلمية): [ومَن لَبِسَ أو غَطَّى رأسَه أو تطيَّب فعليه الفدية، مثل حَلْق رأسه؛ لأنه في معناه، فقِسْنَاه عليها، وإذا لَبِسَ عمامةً وقميصًا وسراويل وخُفَّيْن فعليه فدية واحدة؛ لأنه جنسٌ واحدٌ فأشبه ما لو طيَّب رأسَه وبَدَنَه، وإن لَبِسَ وتطيَّب وحَلَق وقَلَّمَ فعليه لكلِّ جنسٍ فدية؛ لأنها أجناسٌ مختلفةٌ، فلم تتداخل كفاراتها بالأيمان والحدود، وعنه: إن فعل ذلك دفعة واحدة ففديته واحدة؛ لأن الكلَّ محظورٌ، فأشبه اللبس في رأسه وبدنه، وإن كرر محظورًا واحدًا فلبس ثم لبس، أو تطيَّب ثم تطيَّب، أو حَلَق ثم حَلَق، ففدية واحدة، ما لَم يُكَفِّر عن الأول قَبل فِعل الثاني، وعنه: إنْ فَعَله لأسباب، مثل مَن لبس أول النهار للبرد، ووسطه للحَرِّ، وآخِره للمرض ففِدْيَات؛ لأن أسبابه مختلفة، فأشبه الأجناس المختلفة، والأوَّل أَوْلَى؛ لأنَّ الحكم يتعلق بالمحظور لا بسببه، فأشبه الحالفَ بالله ثلاثةَ أيمانٍ على شيءٍ واحدٍ لأسباب مختلفة، وقليل اللبس والطِّيب وكثيره سواء] اهـ.

التخيير في الكفارة

الكفارة تكون على التخيير بين ثلاثة أمور: إما ذبح شاة؛ لأنه أقل ما يتحقق به النُّسُك، أو صيام ثلاثة، أو إطعام ستة مساكين؛ لقول الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].

وعن كَعْبِ بن عُجْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له في زمن الحديبية: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ نَسِيكَةً» متفق عليه.

قال الإمام أبو القاسم الزَّمَخْشَرِي في "تفسيره" (1/ 241، ط. دار الكتاب العربي): [فديةٌ مِنْ صِيامِ ثلاثة أيامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ على ستة مساكين، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ مِن بُرٍّ، أَوْ نُسُكٍ وهو شاة... وكان كَعْبٌ يقول: فِيَّ نَزَلَت هذه الآية] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإذا ارتَكَب المُحرِمُ بالحج محظورًا مِن محظورات الإحرام وكرَّره فتجب عليه فديةٌ واحدةٌ ما لَم يُكَفِّر عن الأوَّل قَبْل فِعل الثاني، أما إذا فَعَل أَحَدَ المحظورات ثم كَفَّرَ عنه، وتكرَّر منه فِعل نفس المحظور بعد الكفارة الأُولى، ففي هذه الحالة يجب عليه الكفارةُ مرةً ثانيةً، وإذا ارتكب عدة محظورات مختلفة، كما لو قَصَّ شعره، وغَطَّى رأسه، وجامَع زوجته بين التحلُّلَيْن، أو لَبِسَ وتَطَيَّب وحَلَقَ وقَلَّمَ أظفاره، فتجب عليه فدية لكلِّ واحد منها؛ لأنها أجناس مختلفة، فلم تتداخل، وهذا كلُّه بخلاف الصيد، فإن الكفارة فيه تتعدد بتعدُّده، فيكون لكلِّ مرة منه كفارة وإن لَم يُكَفِّر عما قَبْلها، كما سبق بيانه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا