ما حكم صلاة مَن أدرك الإمام وهو راكع فكبر تكبيرة واحدة؟ فقد دخل رجلٌ المسجدَ والإمام راكع، فكبَّر تكبيرةً واحدةً ورَكَع معه؛ فهل تنعقد صلاته صحيحةً شرعًا أو يجب عليه إعادتها؟
إذا أدرك المكلَّفُ الإمامَ راكعًا فكبَّر تكبيرةً واحدةً، انعقدت صلاته صحيحةً شرعًا، سواءٌ نوى بها تكبيرة الإحرام، أو الركوع وهو قائمٌ أو كان إلى القيام أقرب، أو التكبيرتين معًا، أو أطلق التكبير فلم ينوِ واحدةً بعينها؛ لموافقته في كلٍّ مذهبًا معتبرًا من مذاهب الفقهاء، وهذا في حقِّ من أقام الصلاة على هذا الوجه، أمَّا من تيسَّر له الجمع بينهما فيأتي بهما خروجًا من الخلاف.
المحتويات
شُرعت تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة، وسميت بذلك لأنَّ المصلِّي يدخل بها في حرمات الصلاة فيَحرُم عليه بها ما كان حلالًا له قبلها، كالأكل، والشرب، والكلام -في غير ما أذن به في الصلاة-، ونحو ذلك من مفسدات الصلاة، فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مِفتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحرِيمُهَا التَّكبِيرُ، وَتَحلِيلُهَا التَّسلِيمُ» أخرجه الإمام أبو داود.
قال الإمام بدر الدين العيني في "شرح سنن أبي داود" (1/ 184، ط. مكتبة الرشد) [قوله: (تحريمها: التكبير) أي: تحريم الصلاة الإتيان بالتكبير، كأنَّ المصلي بالتكبير والدخول فيها -صار ممنوعًا من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها، فقيل للتكبير: تحريمٌ؛ لمنعه المصلي من ذلك، ولهذا سُمِّيت تكبيرة الإحرام، أي: الإحرام بالصلاة] اهـ.
وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنَّ الصلاة لا تنعقد إلَّا بتكبيرة الإحرام، على خلافٍ بينهم في كونها ركنًا من أركان الصلاة، أو شرطًا لها. ينظر: "البناية شرح الهداية" للإمام العيني الحنفي (2/ 4، ط. دار الكتب العلمية)، و"الشرح الكبير" للإمام الدردير المالكي (1/ 231، ط. دار الفكر)، و"المجموع" للإمام النووي الشافعي (3/ 289-290، ط. دار الفكر)، و"الإنصاف" للإمام المَردَاوي الحنبلي (2/ 112، ط. دار إحياء التراث العربي).
إذا أدرك المأمومُ الإمامَ راكعًا، واقتصر على تكبيرةٍ واحدةٍ، فلا يخلو حاله من أربعة أحوال:
الأولى: أن ينوي بها تكبيرة الإحرام، وحينئذٍ إمَّا أن يأتي بها قائمًا، أو حال الركوع، أو في أثناء انتقاله إليه، فإن أتَى بها قائمًا صحَّت صلاته عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وإن أتى بها حال الركوع أو في أثناء انتقاله إليه، فمذهب الحنفية أنَّ الصلاة لا تصح إلا أن يكون حاله إلى القيام أقرب، وتصحُّ عند المالكية مطلقًا، وأمَّا الشافعية فلا تنعقد صلاته عندهم فرضًا باتفاق، وكذا لا تنعقد نفلًا على الصحيح، وتنعقد عند الحنابلة نفلًا.
قال المُلَّا خِسرو الحنفي في "درر الحكام" (1/ 65، ط. دار إحياء الكتب العربية): [لو أدرك الإمام راكعًا فحنى ظهره ثم كبَّر إن كان إلى القيام أقرب صحَّ، وإن كان إلى الركوع أقرب لا يصِح] اهـ.
وقال الشيخ الدردير المالكي في "الشرح الصغير" (1/ 307، ط. دار المعارف) عند بيانه لشرط القيام لتكبيرة الإحرام: [(إلَّا لمسبوق) وجد الإمام راكعًا و(كبَّر منحَطًّا) أي: حال انحطاطه للركوع وأدرك الركعة، بأن وضع يديه على ركبتيه قبل استقلال الإمام قائمًا، فالصلاة صحيحة، وسواءٌ ابتدأها من قيامٍ وأتمَّها حال الانحطاط أو بعده بلا فصلٍ طويل، أو ابتدأها حال الانحطاط كذلك، وهذا إذا نوى بها الإحرام] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (4/ 214): [إذا أدرك الإمامَ راكعًا كبَّر للإحرام قائمًا، ثم يُكبِّر للركوع ويهوي إليه، فإن وقع بعض تكبيرة الإحرام في غير القيام لم تنعقد صلاته فرضًا بلا خلاف، ولا تنعقد نفلًا أيضًا على الصحيح] اهـ.
وقال الإمام ابن مُفلح الحنبلي في "المبدع" (1/ 378، ط. دار الكتب العلمية) في سياق حديثه عن أحكام تكبيرة الإحرام: [إذا تمَّمَه راكعًا، أو أتى به فيه، أو كبَّر قاعدًا، أو أتمَّهُ قائمًا، انعقدت في الأصحِّ نفلًا، كسقوط القيام فيه] اهـ.
الثانية: أن ينوي بها تكبيرة الركوع دون الإحرام، فلا تنعقد عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة؛ لأن تكبيرة الإحرام ركنٌ ولم يأتِ بها، ويمضي مع الإمام عند المالكية ولا يقطع صلاته، بينما ذهب الحنفية إلى أنَّها تنعقد إن كان قائمًا أو إلى القيام أقرب؛ لأنَّ الفرض أقوى، والمحلُّ له، فترجَّح على نية التكبير للركوع.
قال الإمام الحصكفي الحنفي في "الدر المختار" (1/ 480، ط. دار الفكر) في سياق حديثه عن أحكام تكبيرة الإحرام: [ويشترط كونه (قائمًا) فلو وجد الإمام راكعًا فكبَّر منحنيًا، إنْ إلى القيام أقربُ صحَّ، ولَغَت نيةُ تكبيرة الركوع] اهـ.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي مُحشِّيًا عليه: [(قوله: ولَغَتْ نيَّة تكبيرة الركوع) أي: لو نوى بهذه التكبيرة الركوع ولم ينوِ تكبيرة الافتتاح لغَت نيَّته وانصرفت إلى تكبيرة الافتتاح؛ لأنَّه لما قصد بها الذكر الخالص دون شيءٍ خارج عن الصلاة، وكانت التحريمة هي المفروضة عليه لكونها شرطًا، انصرفت إلى الفرض؛ لأنَّ المحل له وهو أقوى من النفل، كما لو نوى بقراءة الفاتحة الذكر والثناء] اهـ.
وقال الإمام الموَّاق المالكي في "التاج والإكليل" (2/ 471، ط. دار الكتب العلمية): [لو أنَّ رجلًا جاء إلى المنزل فوجد الإمام راكعًا وجب عليه أن يُكبِّر تكبيرتين: تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع، فإن كبَّر واحدةً ونوى بها الإحرام فصلاته تامَّة، وإن نوى بها الركوع مضى مع الإمام، ثم يبتدئ الصلاة بإقامة] اهـ.
وقال الإمام الرافعي في "الشرح الكبير" (2/ 197، ط. دار الكتب العلمية) في سياق حديثه عن حكم صلاة المسبوق لو أدرك الإمام راكعًا: [ولو اقتصر على تكبيرة واحدة، فلا يخلو من إحدى أحوال أربع.. الثاني: وأن ينوي بها تكبيرة الركوع، فلا تصح] اهـ.
وقال الإمام البُهُوتي الحنبلي في "الروض المربع" (ص: 126، ط. دار المؤيد): [(وإن لحقه) المسبوق (راكعًا دخل معه في الركعة).. (وأجزأته التحريمة) عن تكبيرة الركوع، والأفضل أن يأتي بتكبيرتين، فإن نواهما بتكبيرة، أو نوى به الركوع لم يجزئه؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن ولم يأت بها] اهـ.
الثالثة: أن ينوي بها التكبيرتين معًا -أي: الإحرام والركوع- فتصح عند المالكية، ولا تنعقد فرضًا عند الشافعية، وفي انعقادها نفلًا عندهم ثلاثة أوجه، أصحُّها لا تنعقد، كما لا تنعقد عند الحنابلة في الصحيح، وفي رواية تنعقد.
قال الإمام الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (2/ 48، ط. دار الفكر): [المأموم سواء كان مسبوقًا أم لا إذا كبَّر للركوع في حال انحطاطه وهو راكع ونوى بها العقد -أي: تكبيرة الإحرام دون الركوع، أو نواهما أي: تكبيرة العقد والركوع، أو لم ينوِ واحدًا منهما- أجزأ في الجميع] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (4/ 214): [إذا أدرك الإمام راكعًا كبَّر للإحرام قائمًا ثم يكبِّر للركوع.. فلو اقتصر في الحالين على تكبيرة واحدة وأتى بها بكمالها في حال القيام فله أربعة أحوال.. (الثالث) ينويهما جميعًا، فلا تنعقد فرضًا بلا خلاف، وفي انعقادها نفلًا ثلاثة أوجه، (الصحيح) باتفاق الأصحاب: لا تنعقد] اهـ.
وقال الإمام علاء الدين المَردَاوي الحنبلي في "الإنصاف" (2/ 224): [لو نوى بالتكبيرة الواحدة تكبيرة الإحرام والركوع لم تنعقد الصلاة على الصحيح من المذهب، جزم به في "المحرر" وغيره، وقدَّمه في "الفروع"، و"الرعايتين"، و"التلخيص"، وغيرهم، واختاره القاضي وغيره، وعنه: تنعقد، اختاره ابن شاقلا، والمصنف، والمجد، والشارح] اهـ.
الرابعة: أن يطلق التكبير ولا ينوِ واحدةً منهما بعينها، فتصِحُّ عند المالكية، ولا تنعقد عند الشافعية، وفي وجهٍ تنعقد؛ لقرينة الافتتاح.
قال الإمام الدردير المالكي في "الشرح الكبير" (1/ 348، ط. دار الفكر): [(وإن كبَّر) من وجد الإمام راكعًا (لركوع) أي: فيه أو عنده، فلا ينافي قوله: (ونوى بها العقد) أي: الإحرام فقط (أو نواهما) أي: الإحرام والركوع بهذا التكبير (أو لم ينوهما) أي: لم ينو به واحدًا منهما (أجزأه) التكبير بمعنى الإحرام، أي: صحَّ إحرامه في الصور الثلاث، وتجزئه الركعة أيضًا] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (1/ 374، ط. المكتب الإسلامي) عند حديثه عن حكم صلاة المسبوق لو أدرك الإمام راكعًا: [لو اقتصر في الحالين على تكبيرة، فله أحوال.. الرابع: لا ينوي واحدًا منهما، بل يطلق التكبيرة، فالصحيح المنصوص في "الأم" وقطع به الجمهور: لا تنعقد، والثاني: تنعقد؛ لقرينة الافتتاح، ومال إليه إمام الحرمين] اهـ.
وعلى ذلك: فإذا أدرك المكلَّفُ الإمامَ راكعًا فكبَّر تكبيرةً واحدةً، انعقدت صلاته صحيحةً، سواء نوى بها تكبيرة الإحرام، أو تكبيرة الركوع وهو قائمٌ أو كان إلى القيام أقرب، أو نوى بها التكبيرتين معًا، أو أطلق التكبير فلم ينوِ واحدةً منهما بعينها، لموافقته في كلٍّ مذهبًا معتبرًا من مذاهب الفقهاء، وقد تقرَّر شرعًا أنَّ أفعال العوام بعد صدُورِها منهم محمولةٌ على ما صحَّ من مذاهب المُجتهدين ممن يقول بالحلِّ أو بالصِّحة؛ فإنَّ مراد الشرع الشريف تصحيح أفعال المكلَّفين ما أمكن ذلك.
قال الإمام ابن نُجيم في "البحر الرائق" (2/ 90، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وإن لم يستفتِ أحدًا وصادف الصِّحَّة على مذهب مجتهدٍ: أجزأه ولا إعادة عليه] اهـ.
وقال العلَّامة الشيخ علوي بن أحمد السقَّاف في "سبعة كتب مفيدة" (ص: 52، ط. الحلبي): [ومن فتاوى السيد سُليمان بن يحيى مُفتي زبيد، عن البدر الإمام الحسن بن عبد الرحمن الأهدل بأنَّ: جميع أفعال العوام في العبادات والبيوع وغيرها مما لا يخالف الإجماع على الصحة والسداد إذا وافقوا إمامًا مُعتبرًا على الصحيح] اهـ.
وهذا الحكم إنَّما هو في حقِّ من أقام الصلاة على هذا الوجه، أمَّا من تيسَّر له الجمع بين تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع، فيأتي بهما خروجًا من الخلاف؛ لما تقرَّر شرعًا من أنَّ "الخروج من الخلاف مستحب"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 136، ط. دار الكتب العلمية).
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإذا أدرك المكلَّفُ الإمامَ راكعًا فكبَّر تكبيرةً واحدةً، انعقدت صلاته صحيحةً شرعًا، سواءٌ نوى بها تكبيرة الإحرام، أو الركوع وهو قائمٌ أو كان إلى القيام أقرب، أو التكبيرتين معًا، أو أطلق التكبير فلم ينوِ واحدةً بعينها؛ لموافقته في كلٍّ مذهبًا معتبرًا من مذاهب الفقهاء، وهذا في حقِّ من أقام الصلاة على هذا الوجه، أمَّا من تيسَّر له الجمع بينهما فيأتي بهما خروجًا من الخلاف.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الصلاة خارج المسجد عند امتلائه أمام الإمام؟ فمسجدنا صغير، مما يجعل بعض المصلين -المسبوقين خاصة- يصلُّون خارجه عند امتلائه أمام الإمام. فهل صلاتهم صحيحة؟ وهل صلاة من يأتي بعد تسليم الإمام ليأتَمَّ بالمسبوق منهم صحيحة؟
سائل يقول: شخص يواظب على أداء صلاة الضحى ركعتين يوميًّا، فأنكر عليه البعض قائلًا بأن أقلها أربع ركعات، فنرجو منكم بيان ما هو أقل عدد ركعات صلاة الضحى؟
ما أثر تركيب جهاز الكولوستومي على طهارة المريض؟
هل يصح أن أصلي صلاةُ الجنازةِ على ميت قد صلى الناس عليه في المسجد؟ وهل نستطيع أن نكرر الصلاة عدة مرات؟
ما حكم المسح على الجورب الأعلى بعد المسح على الجورب الأسفل؟ فأنا توضأتُ ولبستُ جَوْرَبَيْن، ثم انتقض وضوئي، فتوضأتُ ومسحتُ عليهما، ثم لبست جَوْرَبَيْن آخَرَين فوقهما قبل أن ينتقض وضوئي مرة أخرى، فهل يجوز المسح عليهما، أو عليَّ نزعُهما والمسحُ على الجَوْرَبَيْن الأَوَّلَيْن؟
تعلمون فضيلتكم أنه قد يضطر القائمون على المساجد إلى إضافة أدوار عليا فوق المسجد نظرًا لضيق الأماكن، ولكن تقابلنا مشكلة تبزغ من وقت لآخر، وهي: أن المصلين في هذه الأدوار العليا لا يتمكنون من رؤية الإمام ولا المصلين خلفه بالدور الأرضي، وإنما يتابعون الصلاة عن طريق السماع فقط (بمكبرات الصوت)، ولا يخلو الأمر أحيانًا من وجود سهو في الصلاة كأن يقوم الإمام بدلًا من الجلوس للتشهد أو تكون هناك سجدة تلاوة أو سجود للسهو، وغير ذلك مما لا يفطن إليه المصلون بالأدوار العليا، فيستمرون في صلاتهم حتى يكتشفوا الخطأ فيحدث ارتباك في المسجد، بل وقد ترتفع الأصوات ويشك الناس في صلاتهم.
وقد فكرنا في الاستفادة من الأجهزة الحديثة في التغلُّب على هذه المشكلة قياسًا على الاستفادة من مكبرات الصوت والإضاءة الحديثة وقبل أن نقدم على ذلك نودُّ أن نتعرَّف على الحكم الشرعي في ذلك حتى لا نفتح بابًا للبدع في المساجد بغير قصد، لذلك نعرض على فضيلتكم اقتراحنا أولًا، ونسأل الله أن يوفقكم في الإجابة وفق ما يُحبُّه ويرضاه. وهذا الاقتراح يتمثل في الآتي:
1- تثبيت عدسة مراقبة (كاميرا تصوير) خلف الإمام فقط لمتابعة حركته من قيام وركوع وسجود، ولا تستعمل إلا عند إقامة الصلاة وتغلق عند انتهاء التسليمتين (على غرار الكاميرات المستعملة للمراقبة في الشركات والهيئات).
2- اتصال هذه الكاميرا بشاشة عرض صغيرة (كمبيوتر أو تلفزيون) أو فانوس إسقاط -بروجكتور- توضع في قِبلة الأدوار العليا بالمسجد ليتمكن المصلون من متابعة الإمام بين الحين والآخر.
فيرجى التكرم بالإفادة عن مدى شرعية هذا الأمر قبل تنفيذه.