ما حكم العمل بالحديث الضعيف وروايته في الفضائل والترغيب والقصص؟ فقد كنت أتحدث مع صديقي في بعض المواعظ والآداب الواردة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضي الله عنهم، فذكرت له حديثًا، فردَّ عليَّ بأنَّه: "حديث ضعيف سِيبَك منه". مع أنَّ هذا الحديث يدعو إلى البر والإحسان والرفق. فهل قول صديقي صحيح؟ وهل عليَّ إثم في رواية الحديث الضعيف في هذا المجال؟
رواية الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال أمرٌ جائزٌ كما قرره العلماء من الفقهاء والمحدثين، بشرط ألا يشتد ضعفه، والأَوْلى عدم الخوض في مثل هذه المسائل إلا بعلم؛ فإن التحدث في دين الله بغير علم إثم كبير، وذنب عظيم، والواجب هو سؤال أهل الذكر.
المحتويات
الحديث النبوي الشريف هو المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، ويدور معناه حول ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة، وهو ينقسم من حيث الصحة والضعف إلى: حديث صحيح، وحسن، وضعيف.
والحديث الصحيح: هو الحديث المسنَد الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًّا، ولا معلَّلًا؛ كما في "مقدمة ابن الصلاح" (ص 11-12، ط. دار الفكر).
ويُستفاد من هذا التعريف أنَّ للحديث الصحيح شروطًا خمسة:
1- اتصال السند.
2- عدالة الراوي.
3- ضبط الراوي.
4- عدم الشذوذ.
5- عدم العلة؛ كما في "فتح المغيث" للسخاوي (1/ 28 وما بعدها، ط. مكتبة السنة).
والحديث الحسن: إما حسن لذاته، وإما حسن لغيره.
فالحسن لذاته: ما كان راويه عدلًا ضابطًا خَفَّ ضبطه ولم تتعدد طرقه على وجهٍ يرتقي بها إلى درجة الصحيح لغيره؛ كما في "نزهة النظر" لابن حجر (ص: 79، ط. الرحيلي).
والحسن لغيره: هو الحديث الذي يرويه من يكون سيئ الحفظ،...أو يكون مستورًا، أو نحوهما، فيتابع من طريق آخر مما هو مثله، أو فوقه في الدرجة من السند؛ كما في "قفو الأثر في صفو علوم الأثر" لابن الحنبلي (ص: 50، ط. مكتبة المطبوعات الإسلامية).
فشروطُ الحديث الْحَسَن هيَ نفسها شروط الحديث الصحيح إلَّا أن الفارقَ بينهما: أنَّ راوي الحَسَن ضبطُه أخف من راوي الصحيح، فإنَّ راوي الصحيح يكون تام الضبط.
والحديث الضعيف: كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن؛ كما في "مقدمة ابن الصلاح" (ص: 41، ط. دار الفكر).
وقد اتفقت المذاهب الفقهية الأربعة على جواز العمل بالأحاديث الضعيفة الواردة في الترغيب والترهيب والفضائل والمغازي والقصص والزهد والدعوة إلى البر والإحسان -وهي مسألتنا-، وقد نقل غير واحدٍ الاتفاق على ذلك؛ بل نص عدد من العلماء على استحباب ذلك، بشرط ألا يشتد ضعفه، وأن يدخل تحت أصلٍ عام، وأن يعتقد عند العمل به الاحتياط للأمر النبوي، ومرادهم بقبوله في فضائل الأعمال، هي الأعمال الثابتة بالأحاديث الصحيحة، بمعنَى أنه إذا ورد حديثٌ وهو ضعيف دالٌّ على ثوابٍ مخصوص، أو عقابٍ مخصوص، على عمل من الأعمال الثابتة، قُبِلَ، فإن أصل العمل ثابتٌ استحبابًا من مقامٍ آخر، فلا يلزم من قبول الحديث الضعيف ثبوت حكم من الأحكام الشرعية به.
قال العلامة كمال الدين بن الهُمَام الحنفي في "فتح القدير" (1/ 349، ط. دار الفكر): [الضعيف غير الموضوع يُعمل به في فضائل الأعمال] اهـ.
وقال العلامة الحَطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (1/ 17، ط. دار الفكر): [اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال] اهـ.
وقال العلامة الشِّرْبِينِي في "مغني المحتاج" (1/ 592، ط. دار الكتب العلمية): [الحديث الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال] اهـ.
وقال العلامة ابن قُدَامة الحنبلي في "المغني" (2/ 98، ط. مكتبة القاهرة): [النوافل والفضائل لا يُشترط صحة الحديث فيها] اهـ.
بل عَمِلَ أكابر الفقهاء بالحديث الضعيف في الأحكام الشرعية في عدة مواطن، منها:
- إذا لم يكن في الباب غيره، وتقديمه على القياس عند بعض الأئمة.
قال العلامة السَّخَاوي في "فتح المغيث" (1/ 350، ط. مكتبة السنة): [احتج الإمام أحمد رحمه الله بالضعيف حيث لم يكن في الباب غيره، وتبعه أبو داود وقَدَّماه على الرأي والقياس، ويقال عن أبي حنيفة أيضا ذلك] اهـ. بل هو المذهب عند الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله.
قال الملا علي القارِي في "فتح باب العناية بشرح النقاية" (1/ 32، ط. دار الأرقم): [... مقدَّم على القياس عندنا، وكذا الحديثُ الضعيف] اهـ.
وقال ابن القَيِّم في "إعلام الموقعين" (1/ 61، ط. دار الكتب العلمية): [وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه] اهـ.
- إذا تلقته الأمة بالقبول: فإذا تلقت الأمة الحديث الضعيف بالقبول يُعمل به على الصحيح.
قال الشيخ ابن القَيِّم في "الروح" (ص: 13، ط. دار الكتب العلمية) بعد ذكره لحديث أبي أُمَامَةَ رضي الله عنه في استحباب تلقين الميت بعد دفنه: [هذا الحديث وإن لم يثبت فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار كافٍ في العمل به] اهـ.
الذي ذهب إليه فقهاء المذاهب الأربعة -من جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال- هو الذي نصَّ عليه كبار الحفَّاظ والمحدثين؛ كابن الصلاح، والنووي، وابن حجر، والسَّخَاوي، والسيوطي وغيرهم، ممن سبقهم وجاء بعدهم، وهو ما جرى عليه عمل الأمة سلفًا وخلفًا.
قال الإمام النووي في "الأذكار" (ص: 36، ط. دار ابن حزم): [قال العلماءُ من المحدِّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُستحبُّ العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا] اهـ.
وقال الحافظ ابن الصلاح في "المقدمة" (ص: 103): [يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام ببيان ضعفها فيما سوى صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرها. وذلك كالمواعظ، والقصص، وفضائل الأعمال، وسائر فنون الترغيب والترهيب، وسائر ما لا تعلُّق له بالأحكام والعقائد. وممن روينا عنه التنصيص على التساهل في نحو ذلك عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما] اهـ.
وقال العلامة أبو الحسنات اللَّكْنَوِي في "ظَفَر الأماني" (ص: 198، ط. مكتب المطبوعات الإسلامية): [والذي يظهر بعد التأمل الصادق، هو قبول الضعيف في ثبوت الاستحباب وجوازه، فإذا دلَّ حديثٌ ضعيف على استحباب شيء أو جوازه، ولم يدل دليل آخر صحيح عليه، وليس هناك ما يُعارضه ويُرجَّح عليه، قُبِلَ الحديث وجاز العمل بما أفاده والقول باستحباب ما دلَّ عليه أو جوازه] اهـ.
وقال أيضًا في "الأجوبة الفاضلة" (ص: 55، ط. دار السلام): [فالحق في هذا المقام: أنه إذا لم يثبت ندب شيء أو جوازه بخصوصه بحديث صحيح، وورد بذلك حديث ضعيف ليس شديد الضعف يثبت استحبابه وجوازه به، بشرط أن يكون مندرجًا تحت أصلٍ شرعي، ولا يكون مناقضًا للأصول الشرعية والأدلة الصحيحة] اهـ.
فتبين مما سبق: أن الحديث الضعيف درجةٌ من درجات الحديث، وقسمٌ من أقسامه، وله استعمالاتٌ عند المحدثين والفقهاء؛ إذ يُعمل به في الفضائل كما سبق بيانه، لأنه إن كان صحيحًا في نفس الأمر فقد أُعطيَ حقَّه من العمل، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدةُ تحليلٍ ولا تحريمٍ ولا ضياعِ حق للغير؛ كما في "ظَفَر الأماني" للَّكْنَوِي (ص: 186).
صديقك قد جانبه الصواب في عبارته المذكورة -سيبك منه-، وينبغي التنبه أن التحدث في دين الله بغير علم إثم كبير، وذنب عظيم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. والواجب هو سؤال أهل الذِّكْر قبل التجرُّؤ على الخوض في مثل هذه المسائل، وذلك امتثالًا لأمر الله تعالى في قوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7]. كما أن التحدُّث عن الأحاديث الواردة عن سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم يجب أن يحوطه سياج من الأدب والتوقير والتعظيم، حتى وإن كانت هذه الأحاديث ضعيفة؛ فإنه ينبغي تعظيمها إكرامًا لمن هي منسوبة إليه.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن رواية الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال أمرٌ جائزٌ كما قرره العلماء من الفقهاء والمحدثين، بشرط ألا يشتد ضعفه، والأَوْلى عدم الخوض في مثل هذه المسائل إلا بعلم، والواجب هو سؤال أهل الذكر.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
يقول السائل: كلنا يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا»؛ فهل هذا على سبيل الحصر لأسماء الله تعالى أو أنَّ لله تعالى أسماء أكثر من ذلك؟
يقول السائل: أسمع كثيرًا كلمة سنة مؤكدة وسنة غير مؤكدة، ولا أعرف الفرق بينهما؛ فأرجو منكم التكرم ببيان الفرق بينهما.
نرجو منكم بيان المعنى المراد من قول النبي عليه الصلاة والسلام: "أحب الصيام" في حديث: «إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ، صِيَامُ دَاوُدَ».
ما مدى صحة حديث: «يَا عِبَادَ اللهِ أَغِيثُونِي»؟
ما حكم دراسة فنيات الصوت والأداء لتلاوة القرآن؟ فأنا أحيط سيادتكم علمًا بأنني سوف أتقدم للحصول على درجة الماجستير في موضوع بعنوان: (أسلوب الشيخ محمد رفعت في تلاوة القرآن الكريم باستخدام المقامات العربية) وتتلخص أهداف البحث في الآتي:
1- التعرف على مجال الدراسات الخاصة بفن التلاوة (التجويد والقراءات) وأعلام فن التلاوة.
2- التعرف على أسلوب الشيخ محمد رفعت وطريقته في استخدام المقامات العربية.
3- التعرف على أسلوب الشيخ محمد رفعت في تصوير معاني الآيات القرآنية باستخدام المقامات العربية والفنون الصوتية المختلفة. ولمزيد من الإيضاح سوف تقوم الدراسة على أداء الشيخ رفعت من ناحية الصوت البشري، وإمكانية استخدام الصوت، وموضوعيته الفنية من خلال مخارج الألفاظ، ومدى تمكّنه من أساليب التجويد والقراءات، والتسميات المقامية لما يؤديه، والتحويلات النغمية.. وغير ذلك من الفنون الصوتية والموسيقية الموجودة داخل القراءة، والتي تدل دلالة قاطعة على تداخل الفن الموسيقي داخل القراءة.
ومن الجدير بالذكر أنه لن يتم تدوين هذه الآيات موسيقيًّا.
ولذا نرجو من سيادتكم توضيح رأي الدين في هذا الموضوع، وهل يجوز الخوض فيه ودراسته دراسة تحليلية، أم لا يجوز؟ وذلك بإصدار فتوى رسمية بهذا الموضوع.
ملحوظة: مرفق بالطلب نسخة طبق الأصل من الخطة المقدمة من الباحثة في هذا الموضوع.
سائل يقول: هل ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام جواز الرقية بالقرآن الكريم؟ وما حكم طلب الرقية من الصالحين؟