معنى قول البوصيري: فمبلغ العلم فيه أنه بشر... وأنه خير خلق الله كلهم

تاريخ الفتوى: 18 يناير 2026 م
رقم الفتوى: 8884
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: النبوات
معنى قول البوصيري: فمبلغ العلم فيه أنه بشر... وأنه خير خلق الله كلهم

ما معنى قول البوصيري فمبلغ العلم فيه أنه بشر..الخ؟ فقد انتشر مقطع مصور قصير على مواقع التواصل الاجتماعي لمنشد يتغنى ببيت البوصيري في "البردة":

فَمَـبْلَغُ الْعِــلْمِ فِـيهِ أَنَّـهُ بَـشَـرٌ         وَأَنَّهُ خَيـْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ

فاعترض بعض المعلقين على هذا البيت، بدعوى أنَّ فيه مبالغة تخرج عن الجادة، وتتعارض مع النهي الوارد في حديث البخاري: «لا تُطْرُونِي كما أَطَرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله».

بينما اعترض آخرون أن وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بالبشرية انتقاص من جنابه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم. أرجو الإفادة بالرأي الصحيح في ذلك.

قول الإمام البوصيري في "البردة":

فَمَـبْلَغُ الْعِــلْمِ فِـيهِ أَنَّـهُ بَـشَـرٌ*** وَأَنَّهُ خَيـْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ

فيه إقرارٌ ببشريته صلى الله عليه وآله وسلم، وحيازته صلى الله عليه وآله وسلم مع ذلك للخصائص النبوية والكمالات الإنسانية، وأَنَّه خير الخلائق أجمعين.

وليس في قوله معارضة مع حديث البخاري: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أُطْرِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ»؛ إذ الإطراء هو المدح بالباطل، ومدح الشخص بما ليس فيه، وقد خلا بيت الإمام البوصيري من هذا كلِّه، فيكون من قبيل المدح الجائز بل المستحب في حقه صلى الله عليه وآله وسلم.

المحتويات

 

من مظاهر تعظيم وتوقير النبي صلى الله عليه وأله وسلم

سيدنا محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم هو جوهرة النفوس، وتاج الرؤوس، وسيد ولد آدم أجمعين، ولا يدخل الإنسان دائرة الإيمان إلا بحبه وتعظيمه وتوقيره والشهادة برسالته؛ فهو أحد ركنَي الشهادة، إذ لا يقبل الله تعالى من أحد الوحدانية حتى يَشفَعَها بأنه صلى الله عليه وآله وسلم رسوله إلى العالمين.

وقد عَلَّمَنا الله تعالى الأدب مع سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين خاطب جميع النبيين بأسمائهم، أما هو فلم يخاطبه باسمه مجردًا بل قال له: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وأمرنا بالأدب معه وتوقيره وتعظيمه في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 8-9]، ونهانا أن نخاطبه صلى الله عليه وآله وسلم كما يخاطب بعضُنا بعضًا فقال سبحانه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63]، قال قتادة: "أَمَرَ الله عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُهَابَ نَبِيُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ يُبَجَّلَ وَأَنْ يُعَظَّمَ وَأَنْ يُسَوَّدَ" أخرجه ابن أبي حاتم وغيره في "التفسير".

ومن مظاهر تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره ما قام به المادحون لجنابه الشريف ومقامه المُنيف بما يظهر شيئًا من شمائله، ومهما وصَفَهُ الواصفون أو مدَحَه المادحون، فلن يحصوا مناقبَهُ، أو يدركوا فضائله.

قال الشيخ الباجوري في "شرح البردة" (ص: 4، ط. الحلبي): [إن كمالاتِه صلى الله عليه وآله وسلم لا تُحْصَى، وشمائله لا تُسْتَقصى، فالمادحون لجنابه العلي، والواصفون لكماله الجلي -مُقصِّرون عمَّا هنالك، قاصرون عن أداء ذلك، كيف وقد وصفه الله في كتبه بما يبهر العقول، ولا يُسْتَطاع إليه الوصول، فلو بالغ الأوَّلون والآخرون في إحصاء مناقبه، لعجزوا عن ضبط ما حباه مولاه من مواهبِهِ] اهـ.

حكم مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأدلة على ذلك

مَدْحُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم دليلٌ على مَحَبَّته التي هي من أصول الإيمان، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال أيضًا: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وأمَّا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تُطْرُونِي كما أَطَرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» أخرجه الإمام البخاري: فالإطراء هو المدح بالباطل، جاء في "تاج العروس" للمرتضى الزبيدي مادة (طرى): [وقال الأزهري: (أطراه) مَدَحَه بما ليس فيه، وقال الهَرَوي وابن الأَثِير: الإطراء مجاوزةُ الحد في المدح والكذبُ فيه، وبه فُسِّرَ الحديث: «لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى المَسيحَ ابْنَ مَرْيَمَ»؛ لأنهم مدحوه بما ليس فيه فقالوا: ثالث ثلاثة، وأنه ابن الله، وشِبْه ذلك من شركهم وكفرهم] اهـ، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المدح بالباطل فقط؛ بأن يُمْدح بما هو من خصائص الله؛ كأن يُرْفع إلى مقام الألوهية، أو يُعطَى بعضَ صفات الله، ولذلك ربط ذلك بقوله: «كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ».

وقال العلَّامة ابن بَطَّال المالكي في "شرح البخاري" (7/ 263، ط. مكتبة الرشد): [وفيه: جواز مدح الرجل في وجهه بما فيه، وإنما المكروه مِن ذلك مدحُه بِما ليس فيه] اهـ.

وقال العلامة السمين الحلبي في "عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ" (2/ 403، ط. دار الكتب العلمية): [«لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى» يعني: لا تجعلوني إلهًا ولا ابنًا لله كما فعل أولئك الضلال. ومن هذا يؤخذ: إنما نمدحه بكل شيء حلا مسامعنا صلى الله عليه وآله وسلم، وسمعت بعض الصلحاء يقول: ارفع عنه مقام الإلهية وقل ما شئت فيه من المدح] اهـ.

وقال الإمام بدر الدين العيني في "عمدة القاري" (16/ 37، ط. دار إحياء التراث العربي): [قوله: (كما أطرت النصارى)، أي: في دعواهم في عيسى بالإلهية وغير ذلك. قوله: (فإنما أنا عبده) إلى آخره: من هضمه نفسه وإظهاره التواضع] اهـ.

فيجب شرعًا ملاحظة اصطفائه على جميع البشر، وأنه رسول الله وخيرته من خلقه، وبيان عظيم ما حباه ربُّه بأن جعله سيد أهل الدنيا والآخرة، وسيد الإنس والجن، وسيد العرب والعجم، وهذا أمر مجمَع عليه بين المسلمين، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق عليه.

وبمشروعية مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءت السنة النبوية نَصًّا وإقرارًا؛ فروى الطبراني في "المعجم الكبير" عن خُرَيْم بن أَوسِ بن حارِثةَ بنِ لامٍ قال: كُنَّا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له العباس بن عبد المطلب رحمه الله: يا رسول الله، إني أريد أن أمدحك، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «هَاتِ، لا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ»، فأنشأ العباس يقول شعرًا، منه قوله:

وَأَنتَ لَمَّا وُلِدتَ أَشرَقَتِ الْـ ... أَرْضُ وَضـاءَت بِنورِكَ الأُفُقُ

فَنَحْنُ فِي ذلك الضِّيَاءِ وَفِي النْـ ... نُــورِ وَسُبْلِ الرَّشَـادِ نَخْتَرِقُ

معنى قول البوصيري: فمبلغ العلم فيه أنه بشر...وأنه خير خلق الله كلهم

ممَّن مدح النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم من الصحابة: حسَّانُ بن ثابت، وكعبُ بن مالك، وكعبُ بن زُهَيْر، وعبدُ الله بن رَوَاحَةَ رضي الله عنهم، وقد أقرَّهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل وأحب ذلك ودعا لِمَادحه، وكسا كعبَ بنَ زهيرِ بنِ أبي سُلمى بُرْدَتَه الشريفةَ مكافأةً له على مدحه، ولم ينهه عن ذلك ولا عن إنشاده في المسجد.

وعلى هذا الاعتقاد جاءت بردة الإمام البوصيري رحمه الله، والتي يقول فيها:

فَمَـبْلَغُ الْعِــلْمِ فِـيهِ أَنَّـهُ بَـشَـرٌ *** وَأَنَّهُ خَيـْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ

وهو مدحٌ مستحبٌ ومشروع؛ لأنه مقولة الحق فيه صلى الله عليه وسلم، وليس مديحًا بأمر باطل لم يتصف به صلى الله عليه وآله وسلم؛ فلا يتعارض بحال مع حديث البخاري، إذ يؤكد الشطر الأول على أنّ رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم مخلوقٌ لله تعالى جسدًا وروحًا، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى صاغَه على مقتضى الكمال خَلْقًا وخُلُقًا، وأنَّ كمالات الإنسانية لم تخرجه عن الأحوال البشرية؛ ليكون لنا قدوة في كل شيء، وقد بيَّنت دلالات القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية المطهرة التي ذكرت بشريَّة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنها مرتبطة بالوحي إليه ودائرة على اصطفائه وخصوصية منزلته على حكم البشريّة:

فمن القرآن الكريم:

- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

- وقوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: 94].

- وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: 6].

ومن السُّنَّة النبوية الشريفة:

- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» متفقٌ عليه.

قال الإمام أبو المظفر بن هُبَيْرَة في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 16، ط. دار الوطن): [في هذا الحديث: إخبار منه صلى الله عليه وآله وسلم أنه بشرٌ، ينسى كما ينسى البشر، وذلك من لطف الله عز وجل بعباده، ليكون لهم قدوة في كل شيء حتى في ذلك] اهـ.

- وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ.. الحديث» أخرجه الإمام البخاري.

قال القاضي ابن العربي المالكي في "المسالك في شرح موطأ مالك" (6/ 213، ط. دار الغرب الإسلامي): [فأخبر صلّى الله عليه وآله وسلم أنَّه على حكم البشريَّة الّتي جُبِل عليها، وأن الله شَرَّفَهُ بالوحي الَّذي أوحى إليه به، وجعلهُ واسطةً بينه وبين خَلقِه، فقال ذلك على معنى الإقرار بصفة البشَر من أنَّه لا يعلم الغَيب، ولا يعلم اللَّحن من الخصمين، ولا يعلم إِلَّا ما عُلِّمَ] اهـ.

وقال العلامة الزرقاني في "شرحه على الموطأ" (4/ 3، ط. مكتبة الثقافة الدينية): [والمراد أنه مشارك لهم في أصل الخلقة، ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختص بها في ذاته] اهـ.

وقد جرت عليه صلى الله عليه وآله وسلم أعراض البشر التي لا تنفك عن الأجسام مع كمالاته الشريفة، وقد قطع القرآن الكريم بتلك البشرية التي يلحقها الموت بانتهاء الأجل؛ قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144].

قال القاضي عياض في "الشفا" (2/ 178، ط. دار الفكر): [قدمنا أنه صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأنبياء والرسل من البشر، وأن جسمه وظاهره خالص للبشر يجوز عليه من الآفات، والتغييرات، والآلام والأسقام، وتجرُّع كأس الحمام، ما يجوز على البشر، وهذا كله ليس بنقيصة فيه؛ لأن الشيء إنما يسمى ناقصًا بالإضافة إلى ما هو أتم منه وأكمل من نوعه، وقد كتب الله تعالى على أهل هذه الدار فيها يحيون، وفيها يموتون، ومنها يخرجون، وخلق جميع البشر بمدرجة الغير؛ فقد مرض صلى الله عليه وآله وسلم واشتكى، وأصابه الحر والقر، وأدركه الجوع والعطش، ولحقه الغضب والضجر، وناله الإعياء والتعب، ومسه الضعف والكبر، وسقط فجحش شقه، وشجه الكفار وكسروا رباعيته، وسقي السم، وسحر، وتداوى، واحتجم، وتنشر، وتعوذ، ثم قضى نحبه فتوفي صلى الله عليه وآله وسلم، ولحق بالرفيق الأعلى، وتخلص من دار الامتحان والبلوى؛ وهذه سمات البشر] اهـ.

وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون المرسل إلى البشر بشرًا من جنسهم؛ ليكون أبلغ في حصول اليقين، وأدعى للتأسي والامتثال دون فزع أو إجبار، ولو كان ملكًا أو روحًا لما استطاعوا الصبر على رؤيته أو الاقتداء به؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: 95].

أما الشطر الثاني فيؤكد على خيرية واصطفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه حاز الكمالات الإنسانية إلى جانب الرسالة، وعلى ذلك تواترت دلالات القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية المطهرة؛ حيث أكدت على خيرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

فمن القرآن الكريم:

- قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: 253].

قال الإمام الرازي في "تفسيره" (6/ 521، ط. دار إحياء التراث العربي): [أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من الكل] اهـ.

ومن السُّنَّة النبوية الشريفة:- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع» أخرجه الإمام مسلم في باب تفضيل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على جميع الخلائق.

قال الإمام النووي في "شرحه على مسلم" (15/ 37، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال الهروي: السيد هو الذي يفوق قومه في الخير، وقال غيره: هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمرهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم، وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "يوم القيامة" مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد، ولا يبقى منَّاع ولا معاند ونحوه، بخلاف الدنيا فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين] اهـ.

- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن الله فضل محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء عليهم السلام، وعلى أهل السماء، فقالوا: يا ابن عباس، بم فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 29]، الآية. وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ۝ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 1- 2] قالوا: فما فضله على الأنبياء عليهم السلام؟ قال: قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4] الآية. وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: 28] فأرسله إلى الجن والإنس» أخرجه الدارمي في "سننه"، والبيهقي في "دلائل النبوة".

وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما قد ثبت في "الصحيحين" عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ»، كما قرره الإمام ابن كثير في "تفسيره" (6/ 458، ط. دار الكتب العلمية).

ولقد نصَّ أكابر علماء الأمة ومحققوها على خيرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الخلق، قال القاضي عياض في "الشفا" (1/ 225-226): [تقرر من دليل القرآن وصحيح الأثر وإجماع الأمة كونه أكرم البشر وأفضل الأنبياء] اهـ.

وقال الإمام جلال الدين السيوطي في " إتمام الدراية" (ص: 17، ط. دار الكتب العلمية): [ونعتقد أن أفضل الخلق على الإطلاق حبيب الله المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

وجمع البوصيري في ذلك البيت بين وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بالبشرية وبين كونه خير الخلق هو غاية التوازن، وبهذه المعاني يتقرر الاعتدال في الاعتقاد في شخص النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه رسول الله وخيرته من خلقه.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن قول الإمام البوصيري في "البردة":

فَمَـبْلَغُ الْعِــلْمِ فِـيهِ أَنَّـهُ بَـشَـرٌ *** وَأَنَّهُ خَيـْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ

ليس فيه معارضة مع حديث البخاري: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أُطْرِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ»؛ إذ الإطراء هو المدح بالباطل، ومدح الشخص بما ليس فيه، وقد خلا بيت الإمام البوصيري من هذا كلِّه، فيكون من قبيل المدح الجائز بل المستحب في حقه صلى الله عليه وآله وسلم مع الإقرار ببشريته صلى الله عليه وآله وسلم، وحيازته صلى الله عليه وآله وسلم للخصائص النبوية والكمالات الإنسانية، وأَنَّه خير الخلائق أجمعين.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

هل الصيام فرض على أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقط أو فرض على باقي الأمم؟


ما حكم مصافحة الناس بعضهم بعضًا، وقول كلمة (حرمًا) بعد الصلاة؟


ما حكم قراءة القرآن الكريم من المصحف في صلاة التراويح؟ فأنا أريد ختم القرآن الكريم في صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، ولكني لا أحفظ القرآن الكريم كاملًا، فهل يجوز لي القراءة من المصحف الشريف في الصلاة؟


كيف أحاطت العناية الإلهية حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟



ما حكم صلاة الجمعة بخطبة واحدة بغير اللغة العربية في دولة لا تتحدث العربية؟ فقد سافر رجلٌ إلى إحدى الدول التي لا تتحدث العربية للعمل، وأقام في إحدى المقاطعات التي يسكنها المسلمون، وعند دخوله المسجد لأداء صلاة الجمعة وَجَد الخطيب يلقي الخُطبة بغير اللغة العربية، كما أنه اقتصر فيها على خُطبة واحدة، ويسأل: ما حكم صلاتهم الجمعة بهذه الكيفية المذكورة؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 26 مارس 2026 م
الفجر
4 :24
الشروق
5 :52
الظهر
12 : 1
العصر
3:30
المغرب
6 : 10
العشاء
7 :28