مدى دخول عقد المرابحة في النهي عن بيعتين في بيعة

تاريخ الفتوى: 16 نوفمبر 2025 م
رقم الفتوى: 8824
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: البيع
مدى دخول عقد المرابحة في النهي عن بيعتين في بيعة

ما مدى دخول عقد المرابحة في النهي عن بيعتين في بيعة؟ فقد اشترى رجلٌ سيارةً بالتقسيط من بائع، وكان ثمنها المؤجل يزيد على ثمنها النقدي، وقد تم الاتفاق على السعر الإجمالي ومدة السداد عند العقد، لكنه سمع من البعض أن هذه المعاملة تدخل في النهي النبوي عن "بيعتين في بيعة"، فهل هذا صحيح؟

شراء السيارة بالتقسيط بثمن إجمالي محدد ومدة سداد معلومة قد تم الاتفاق عليهما بشكل تام في مجلس العقد -هو معاملة جائزة شرعًا وتقع صحيحة، ولا تدخل في النهي عن "بيعتين في بيعة"؛ لأن المشتري قد اختار ثمن التقسيط وجرى العقد عليه قبل التفرق، ولم يشترط البائع عليه أن يبيعه شيئًا أو يقرضه مالًا لإتمام البيع له.

المحتويات 

 

بيان أن الأصل في البيوع الحلّ

مِن المقرر شرعًا أنَّ الأصلَ في البيوع الحِلُّ ما دامت برضا المتبايِعَيْنِ، ما لم يُخَصَّ نوعٌ معيَّنٌ بنَهْيٍ شرعي، أو اشتمل البيعُ على جهالةٍ أو غشٍّ أو غررٍ أو ضررٍ أو نحو ذلك؛ أخذًا بعموم قولِ الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. 

وقد "أجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة"، كما قال الإمام الموفَّق ابن قُدَامَة في "المغني" (3/ 480، ط. مكتبة القاهرة).

حكم البيع بالتقسيط وحكم الزيادة في الثمن في مقابلة الأجل

قد اتفق جماهير الفقهاء على أنه يصحُّ شرعًا البيعُ بثمنٍ حالٍّ معلومٍ، وكذا بثمن مؤجَّلٍ في الذمة معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ. 

قال الإمام ابن حَزْم في "مراتب الإجماع" (ص: 85، ط. دار الكتب العلمية): [واتفقوا أن الابْتِيَاعَ بدنانير أو دراهم حالَّة، أو في الذمة غير مقبوضة، أو بهما، إلى أجلٍ محدودٍ بالأيام أو بالأَهِلَّة أو الساعات أو الأعوام القمرية -جائزٌ] اهـ.

والزيادة المعلومة في ثمن المَبيع نظير الأجل المعلوم لسداد هذا الثمن جائزةٌ شرعًا؛ لأنها من قبيل المُرابَحَة، وهي نوعٌ من أنواع البُيُوع التي يُباحُ فيها اشتراطُ الزيادة في الثمن في مقابلة الأجل؛ لأن الأجل في نفسه وإن لم يكن مالًا حقيقةً، إلا أنه في باب المُرابَحَة يُزاد في الثمن لأجله إذا ذُكِر الأجل المعلوم في مقابلة زيادة الثمن قصدًا؛ لأن للأجل في البيع شبهةَ المبيع وإن لم يكن مبيعًا حقيقةً؛ لأنه مرغوبٌ فيه، سواء من قِبَل بائِع الشيء أو مشتريه، فكان له شبهةٌ أن يقابله شيءٌ من الثمن، بخلاف ما لو لم يشترط زيادة الثمن بمقابلته قصدًا؛ لأنه حينئذٍ لا يقابله شيءٌ حقيقةً. ينظر: "بدائع الصنائع" للعلامة الكَاسَانِي (5/ 224، ط. دار الكتب العلمية)، و"البحر الرائق" (6/ 125، ط. دار الكتاب الإسلامي)، و"الذخيرة" للإمام القَرَافِي (5/ 254، ط. دار الغرب الإسلامي)، و"مغني المحتاج" للعلامة الخطيب الشِّرْبِينِي (2/ 479، ط. دار الكتب العلمية)، و"المبدع" للعلامة ابن مُفْلِح (4/ 311، ط. دار الكتب العلمية).

مدى دخول عقد المرابحة في النهي عن بيعتين في بيعة

لا تُعَدُّ هذه المعاملة من قبيل ما جاء عن أبي هريرة قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ". أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن حبان. وذلك لأنَّ المراد بالبيعتين في بيعة أحد أمرين:

الأول: أن يبيع الرجل غيره السلعة بكذا نقدًا أو بكذا نسيئة ثم يفترقان دون تحديد، فمنع منه لجهالة الثمن.

الثاني: أن يبيعه بشرط أن يبيعه المشتري شيئًا أو يُقْرَضه مالًا، وقد منع ذلك؛ لأنَّ انضمام الشرط إلى البيع يبقى عُلْقَة بعد البيع فقد يثور بسببها منازعة بين المتبايعين.

قال الإمام الجصاص في "شرح مختصر الطحاوي" (3/ 99، ط. دار البشائر): [مسألة: [البيعتين في بيعة] قال: (ومن باع عبده من رجلٍ بثمن، على أن يبيعه الآخر عبده بثمنٍ ذَكَراه: لم يجز البيع في واحد من بيعتي العبدين المذكورين)؛ وذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، فانتظم ذلك المعنى الذي ذكرنا، وينتظم أيضًا أن يبيعه حالًّا بكذا، ونسيئة بكذا] اهـ.

وقال العلامة الدردير في "الشرح الكبير" (3/ 58، ط. دار الفكر): [(وكبيعتين) جعلها بيعتين باعتبار تبدد المثمن في السلعتين والثمن في السلعة الواحدة (في بيعة) أي عقد واحد، وفسر ذلك بقوله: (يبيعها بإلزام بعشرة نقدا أو أكثر لأجل) ويختار بعد ذلك، فإن وقع لا على الإلزام وقال المشتري: اشتريت بكذا: فلا منع] اهـ.

وقال الإمام الشافعي في "الأم" (7/ 305، ط. دار الفكر): [وإذا تبايع الرجلان بيعتين في بيعة فالبيعتان جميعا مفسوختان بما انعقدت. وهو أن يقول: أبيعك على أن تبيعني؛ لأنه إنما انعقدت العقدة على أن ملك كل واحد منهما عن صاحبه شيئا ليس في ملكه، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، ومنه أن أقول: سلعتي هذه لك بعشرة نقدا، أو بخمسة عشر إلى أجل، فقد وجب عليه بأحد الثمنين لأن البيع لم ينعقد بشيء معلوم] اهـ.

وقال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (2/ 38): [(و) الثامن منها النهي (عن بيعتين في بيعة) رواه الترمذي وصححه (بأن يقول: بعتك) هذا (بألف نقدا أو ألفين إلى سنة) فخذ بأيهما شئت أنت أو شئت أنا، وهو باطل للجهالة (أو بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا) أو تشتري داري مني بكذا، (و) عدم الصحة للنهي (عن بيع وشرط). رواه عبد الحق في "أحكامه"، وذلك (كبيع بشرط بيع) كما تقدم، (أو) بشرط (قرض) كأن يبيعه عبده بألف بشرط أن يقرضه مائة، والمعنى في ذلك أنه جعل الألف ورفق العقد الثاني ثمنا. واشتراط العقد الثاني فاسد، فبطل بعض الثمن وليس له قيمة معلومة حتى يفرض التوزيع عليه وعلى الباقي فبطل العقد، ولو عقد البيع الثاني لم يصح إن جهلا أو أحدهما بطلان الأول لأنهما أثبتاه على حكم الشرط الفاسد، فإن علما فساد الأول صح، وسبب فساد الشرط كما قاله الغزالي أنَّ انضمام الشرط إلى البيع يبقى علقة بعد البيع يثور بسببها منازعة بين المتبايعين، فبطل: أعني الشرط إلا ما استثني لمعنى كما سيأتي] اهـ.

وقال العلامة البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (2/ 19، ط. دار عالم الكتب): [(ولا) يصح البيع (بعشرة صحاحا أو إحدى عشرة مكسرة ولا) البيع (بعشرة نقدا أو عشرين نسيئة)؛ «لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة»، وفسَّره مالك وإسحاق والثوري وغيرهم بذلك؛ ولأنه لم يجزم له ببيع واحد، أشبه ما لو قال: بعتك أحد هذين، ولجهالة الثمن (إلا إن تفرقا) أي المتعاقدان (فيهما) أي الصورتين (على أحدهما) أي أحد الثمنين في الكل، فيصح لزوال المانع] اهـ.

أما إذا حَسَم المشتري أمره واختار أحد السعرين قبل أن يفترقا، ولم يكن ثمة اشتراط من البائع نظير البيع: فإن العقد يقع صحيحًا لا محذور فيه شرعًا؛ وذلك لأن الجهالة قد انتفت، فالمبيع معلوم والثمن قد تحدد، وما جرى ليس إلا بيعة واحدة انعقدت بعد تخيير، فلا يصدق عليها وصف "بيعتين في بيعة"، وإنما هي بيعة واحدة عرضت على المشتري بأحد الثمنين فاختار أحدهما.

قال العلامة الخَطَّابي في "معالم السنن" (2/ 439-440، ط. مؤسسة الرسالة): [وحكي عن طاوس أنه قال: لا بأس أن يقول له: بعتك هذا الثوب نقدًا بعشرة وإلى شهر بخمسة عشر فيذهب به إلى أحدهما. وقال الحكم وحماد: لا بأس به ما لم يفترقا، وقال الأوزاعي: لا بأس بذلك ولكن لا يفارقه حتى يُباته بأحد المعنيين، فقيل له: فإنه ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين، فقال: هي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين... هذا ما لا يشك في فساده، فأما إذا باته على أحد الأمرين في مجلس العقد فهو صحيح لا خلف فيه، وذكر ما سواه لغو لا اعتبار به] اهـ.

الخلاصة

بناءً عليه وفي واقعة السؤال: فإن شراء السيارة بالتقسيط بثمن إجمالي محدد ومدة سداد معلومة قد تم الاتفاق عليهما بشكل تام في مجلس العقد -هو معاملة جائزة شرعًا وتقع صحيحة، ولا تدخل في النهي عن "بيعتين في بيعة"؛ لكون المشتري قد اختار ثمن التقسيط وجرى العقد عليه قبل التفرق، ولم يشترط البائع عليه أن يبيعه شيئًا أو يقرضه مالًا نظير إتمام البيع له.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم أخذ مقابل إضافي على توصيل المشتريات؟ فأنا أدير منشأة تجارية لبيع المنتجات التجميلية، وأقدم خدمة إضافية للمشترين تتمثل في نقل السلع المبيعة وإيصالها إلى محال إقامتهم أو عناوين يحددونها مسبقًا، وذلك مقابل مبالغ مالية تُفرضُ كقيمة زائدة على الثمن الأصلي للمبيع، وتقدر بنسبة مئوية من قيمة المشتريات.

وحيث إنَّ المنشأةَ تَعْهَدُ بتنفيذِ هذه الخدمةِ إلى عمالٍ متخصصين، مما يترتب عليه كُلفة مالية وأجور لهؤلاء العمال، فما الحكم الشرعي في فرض رسوم على خدمة توصيل المشتريات؟


يقول السائل: هناك تطبيقٌ إلكتروني تابعٌ لإحدى المنصات يقوم بالبيع بالتقسيط اعتمادًا على المتجر الخاص بالتطبيق، فيقوم العميل من خلال التطبيق باختيار السلعة وطريقة التقسيط من حيث المدة والثمن، وبمجرد الضغط على خيارٍ معينٍ في التطبيق يكون الشخص قد اشترى ما اختاره؛ وفقًا لأنظمة التقسيط المتاحة والرصيد المتاح للعميل، وهذا كله يتم بعد التعاقد بين العميل والشركة مالكة المنصة الإلكترونية، والذي تشترط الشركة فيه بعض الشروط لمعرفة المقدرة المالية لكل عميلٍ، والذي على أساسه يتم إتاحة الرصيد الخاص به.
والسؤال: ما حكم الشرع في التعامل بهذا التطبيق الإلكتروني؟
 


ما حكم تمويل شراء الآلات الصناعية عن طريق البنوك؟ فنحن شركة للاستيراد والتصدير والتوكيلات التجارية، ونقوم حاليًّا بإنشاء وتشغيل خطوط إنتاج وتصنيع مجموعة من المنتجات، ونرغب في معرفة الحكم الشرعي الواضح في تمويل تلك الآلات والمعدات من خلال البنوك، سواء التمويل بنظام التقسيط، أو التأجير التمويلي، وما إذا كان ذلك يعدُّ جائزًا شرعًا، وذلك بخصوص الرسوم والفوائد على مبلغ التمويل.


أرجو من سيادتكم التكرم بإفادتنا حول هذا الموضوع:
جرت العادة من مئات السنين بين الفلاحين وغيرهم في قياس الأراضي أن يكون القياس بجمع كل ضلعين متقابلين، ثم قسمة حاصل الجمع لهذين الضلعين على 2، ثم ضرب الناتج من متوسط جمع كل ضلعين في بعضهما؛ ليكون ناتج الضرب هو مساحة هذه الأرض، وهذه الأراضي أغلبُها مسجل في الشهر العقاري والمحاكم من يوم أن قُنِّنَ بصحة التوقيع.
ومنذ ست عشرة سنة بعت أرضًا زراعية مساحتها 12 قيراطًا لرجل وأخيه، وكما جرت العادة تم قياس هذه المساحة في وجودي ووجود المشترييَن معًا، وتم وضع العلامات (الحديد) على الجوانب الأربعة لقطعة الأرض، وعليه فتسلمت الثمن واستلما الأرض.
ومنذ سنة تقريبًا اشترى مني نفس المشتري "قيراطين" بجوار الأرض السابقة ليضيفوها إلى مساحتها، ففوجئت بأنه يقيس بشكل مختلف عن سابقه، ولما سألته قال لي: القياس حديثًا يقاس بما يُسمَّى قياس "الوتر"، ولَمّا سألتُه عن الفرق بين القديم والحديث قال: قياس الوتر لمساحة ما يزيد عن القياس القديم بفرقٍ ما، وإذ بالمشتريين يطلبون منه إعادة القياس بالوتر للمساحة التي اشتروها مني منذ ست عشرة سنة، واندهشت من هذا الطلب الذي يلغي تمامًا قاعدة العرف الذي جرى عليها الناس في السنوات الماضية ومئات السنين، لكن لم يسمعا وجهة شرح الموضوع، وفرضا عليَّ القياس مرة أخرى، وعلى أساسه طلع الفرق 90 مترًا بين القديم والحديث، فقلت لهم: معنى ذلك أن كل العقود من مئات السنين يرجع فيه المشتري على البائع بهذا القياس، ويطالبوا بهذا الفرق بالمساحات، أو بأثمانها بالأسعار الجارية.
فنرجو من فضيلتكم إبداء الرأي الشرعي في هذه المسألة بما يفيد، ولكم جزيل الشكر.


ما حكم بيع القمح في السوق السوداء لاستخدامه بدلًا من العلف الحيواني؟


ما حكم ما يقوم به بعضُ التجَّار من بيع وشراء الحيوانات المصابة بالأمراض رغبةً في زيادة المكسب؟ وهل يجوز كتم العيب عند بيعها؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 14 سبتمبر 2026 م
الفجر
5 :11
الشروق
6 :39
الظهر
12 : 51
العصر
4:21
المغرب
7 : 2
العشاء
8 :20