ما حكم محاكاة شخص حي بالذكاء الاصطناعي؟ فقد انتشر مؤخرًا فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لأحد الشخصيات العامة، يتحدث فيه ساخرًا عن مسألة شائكة بأسلوب يثير الجدل، ثم أصدرت هذه الشخصية بيانًا تنفي فيه صلتها بهذا المقطع، مؤكدة أنه تم ابتكاره بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأن ناشره لم يحصل على إذن مسبق، مما أدى إلى تضليل الناس وإحداث بلبلة.
ورد ناشر المقطع بأنه مجرد عمل ترفيهي للدعابة والمزاح، وليس فيه ما يضر بهذه الشخصية سواء من الناحية الواقعية أو القانونية.
فما حكم إنشاء واستخدام برامج لمحاكاة الأحياء صوتًا وصورةً بواسطة تقنية (التزييف العميق - DeepFake) بغير إذنهم؟ وهل يتغير الحكم إذا كان القصد من ذلك الترفيه أو المزاح؟
إنشاء واستخدام برامج لمحاكاة الأحياء بالذكاء الاصطناعي بواسطة تقنية (التزييف العميق - DeepFake) لاختلاق الأحداث وتحريفها ونشر الفتنة في المجتمع- هو عمل مُحَرَّمٌ شرعًا، ومجرم قانونًا، واستخدامه في التزييف والتدليس يُعدُّ من الكذب، والتزوير، والبهتان، والاعتداء على أعراض الناس وأموالهم، وهي من كبائر الذنوب، سواء كان بإذن صاحب الشأن أو كان دون إذنه، وسواء كان للترفيه والمزاح أو لم يكن.
وتجوز المحاكاة التوثيقية بعرض ما حدث فعلًا، وإخراجها على ما وقعت عليه، دون تحريف لمضمونها أو إساءة لصاحبها، كوسيلة توضيحية مجدية وفعَّالة لنشر القيم الأخلاقية والتربوية وبناء العقليات المستقيمة، بشرط إذن صاحبه وانضباطه بالضوابط والقيود الشرعية وخلوه من المخالفات والمحظورات الشرعية.
المحتويات
الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، واختصارًا (A.I) هو: دراسة للسلوك الذكي في البشر والحيوانات والآلات، لإيجاد السبل التي يمكن بها إدخال مثل هذا السلوك على الآلات الاصطناعية، بهدف تنفيذ المهام التي يستطيع العقل البشري تنفيذها، مثل التعلم، والاستنتاج، وحل المشكلات، وفهم اللغة الطبيعية، واتخاذ القرارات، وغيرها. ينظر: "الذكاء الاصطناعي" لبلاي ويتباي (ص: 15، ط. دار الفاروق)، و"الذكاء الاصطناعي واقعه ومستقبله" لآلان بونيه، ترجمة: د. علي صبري فرغلي (ص: 11، ط. عالم المعرفة).
وقد أدى التطور في هذا المجال إلى ظهور تقنيات متقدمة لتركيب الصور ومقاطع الفيديو، أبرزها تقنية التزييف العميق (DeepFake)، والتي تهدف إلى تعزيز فكرة الواقعية في محاكاة صوت وصورة الأفراد، سواء أحياء أو أموات، بدرجة واقعية عالية جدًّا. ينظر: "تكنولوجيا التزييف العميق" لمحمد كرم كمال الدين الصاوي (ص: 678، بحث علمي محكم، منشور بمجلة العمارة والفنون والعلوم الإنسانية -المجلد العاشر- العدد الحادي والخمسون "مايو 2025م").
الصورة المسئولة عنها، وهي محاكاة شخص بدون إذنه بواسطة الذكاء الاصطناعي بتقنية (التزييف العميق - Deepfake) هي إحدى شكلي المحاكاة المحرمة شرعًا، حيث تشمل:
- المحاكاة الاصطناعية عن طريق الاختلاق الكلي للأقوال والأفعال مما لم تقع، سواء أذن ذو الشأن أو لا، وسواء كان فيها تشويهٌ وأذىً أو لا، وسواء كانت للترفيه والمزاح أو لا، وهي مسألتنا.
- والمحاكاة التحريفية عن طريق إعادة ما حدث فعلًا مع التلاعب بها، وإخراجها عن سياقها بشكل يسيء لسمعة المُحَاكَى أو يظهره بمظهر مهين أو يسيء للمجتمع، وينشر الفتنة بين أفراده، ولو على سبيل الدعابة والترفيه، ولو أذن فيه الشخص المنسوب له.
ووجه الحرمة في كل منهما اشتمالهما على جملة من المحاذير الشرعية:
أولًا: الاعتداء على حق الفرد في شخصه، حيث يمثل استخدامها اعتداءً صارخًا على البيانات الحيوية للإنسان الخاصة بصورته وصوته، وكلاهما من حقوقه الخالصة، التي لا يجوز اقتحامها إلا بإذنٍ معتبر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كُل المسلِم على المسلِم حرام: دمه، وماله، وعرضه» رواه الإمام مسلم.
قال القاضي أبو الفضل عياض في "إكمال المُعْلِمِ بفوائد مسلم" (7/ 530، ط. دار الوفاء): [فالدم كناية عن النفس، والعرض كناية عن أذاه بالقول] اهـ.
ومحاكاة صوت وصورة الحي بدون إذنه بواسطة الذكاء الاصطناعي بتقنية التزييف العميق في جوهرها جناية مركبة من الأذى الفعلي والقولي، فهي تبدأ باعتداء فعلي بسرقة البيانات البيومترية للشخص، والتلاعب التقني بها، لتزوير هيئته وصورته وصوته، ثم ينتج عنه أذىً قوليٌّ يتمثل في نسبة أقوال لم يقلها إليه أو أفعال لم يقدم عليها، مما ينال من عرض الشخص وسمعته.
ولا ريب أن التزييف العميق -لما لم يحدث- أشد حرمة وضررًا من مجرد الأذى بالفعل والقول المباشر، كونه يمزج بين الافتراء وتزييف الوعي الجماعي، فهو لا يتضمن تزوير الحقائق، واختلاق أدلة مادية فقط، بل هو أبلغ صور الكذب والنسبة الزائفة في العصر الحاضر، وقد انعقد الإجماع على حرمة الكذب.
قال الإمام النووي في "الأذكار" (ص: 597، ط. دار ابن حزم): [قد تظاهرت نصوصُ الكتاب والسنة على تحريم الكذب في الجملةِ، وهو من قبائح الذنوب، وفواحش العيوب، وإجماعُ الأمةِ منعقدٌ على تحريمهِ مع النصوص المتظاهرةِ] اهـ.
كما أنه يحول الباطل إلى حقيقة بصرية ملموسة، ويقيم الحجة على الضحية بلسانه وصورته، فيصعب عليه دحضها، والله تعالى قد أمرنا بالصدق وأن نكون مع الصادقين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
والكذب وإن كان محرمًا لذاته، فإنه يزداد حرمة إذا نُسب للغير زورًا وبهتانًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30].
قال الإمام الرازي في "تفسيره" (23/ 223، ط. دار إحياء التراث العربي): [اجتنبوا قول الزور كله، ولا تقربوا منه شيئا لتماديه في القبح والسماجة] اهـ.
والبهتان من أكبر الكبائر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
قال الإمام ابن كثير في "تفسيره" (6/ 424، ط. دار الكتب العلمية): [قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه، ولم يفعلوه ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ وهذا هو البهت الكبير، أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم] اهـ.
وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مِنْ أَرْبى الربا الاستطالةُ في عرْض مسلمٍ بغير حق» رواه الإمامان أبو داود وأحمد.
قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (8/ 3158، ط. دار الفكر): [وإنما عبر عنه بلفظ الربا؛ لأن المُتعَدِّي يضع عرضه، ثم يستزيد عليه، فكأنه قال: أزيد الزيادات التي تتجاوز عن الحد الاستطالة في عرض المسلم الذي هو أقوى من ماله. وقال الطيبي: أدخل العرض في جنس المال على سبيل المبالغة، وجعل الربا نوعين: مُتَعارَفٌ، وهو ما يؤخذ من الزيادة على ماله من المديون، وغيرُ مُتَعارَفٍ، وهو استطالة الرجل اللسانَ في عرض صاحبه، ثم فضَّل أحد النوعين على الآخر. وقال القاضي: الاستطالة في عرض المسلم أن يتناول منه أكثر ممَّا يستحقه على ما قيل له، أو أكثر ممَّا رخصوا له فيه، ولذلك مثَّله بالربا وعدّه من عداده، ثم فضله على سائر أفراده، لأنه أكثر مضرة وأشدُّ فسادًا، فإن العرض شرعًا وعقلًا أعزُّ على النفس من المال، وأعظم منه خطرًا] اهـ.
وهو ما ينتهي إلى القول بأن محاكاة الحي دون إذنه بواسطة الذكاء الاصطناعي يتعارض مع مقصدين من المقاصد الخمس الكلية للشريعة الغراء، هما: حفظ البدن والعرض.
ثانيًا: تلك المحاكاة اعتداء صريح على حقوق الغير المالية المصونة شرعًا، فقد اكتسب صوت المرء وصورته في العصر الحاضر مكانة عالية، وبعدًا اقتصاديًّا جديدًا، حيث يُعد التوقيع البيومتري حقًّا ماليًّا ومعنويًّا ذا قيمة، هو ملك لصاحبه، تقبله الأجهزة التكنولوجية المتطورة، مثل بصمة الوجه والصوت لفتح الحسابات البنكية، والأجهزة الشخصية، والخزائن المتطورة، كوسيلة للتوثيق والسداد.
وهو ما يجعل التزييف ليس مجرد جناية على شخص الغير وعرضه، بل هي سرقة الهوية كاملة، بما فيها ذمة الشخص المالية، والتي هي جزءٌ لا يتجزأ من شخصيته القانونية والشرعية، إذ تُمكّن المُزَوِّر من الانتحال محل الضحية قانونيًّا، والسطو على أمواله وحساباته، أو استغلال حقوقه التجارية دون مقابل.
وهذا تعدٍّ صريح على الحقوق المالية، والتي يمتلك أصحابها فقط حق التصرف فيها، وهو من أكل أموال الناس بالباطل المنهي عنه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188].
قال الإمام القرطبي في "تفسيره" (2/ 338، ط. دار الكتب المصرية): [الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، فيدخل في هذا: القمارُ والخداعُ والغُصُوبُ وجحدُ الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حَرَّمَته الشريعةُ وإن طابت به نفسُ مالكه، كمَهر البَغِيِّ وحُلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير، وغير ذلك] اهـ.
ولهذا فإن محاكاة الشخص دون إذنه بتقنية (التزييف العميق - DeepFake) وسيلة لمباشرة سرقة المال، مما يضع أموال المجتمع وثرواته تحت التهديد وخطر الاختراق، وهو ما يتعارض مع مقصد الشريعة الكلي "حفظ المال".
ثالثًا: الضرر والإضرار، حيث تؤدي محاكاة الشخص دون إذنه غالبًا إلى تشويه سمعته أو السخرية منه، أو وضعه في سياقات لا يرتضيها، وهو ما يسبب له أضرارًا نفسية واجتماعية قد تصل إلى المساءلة القانونية، فضلًا عن استخدامها في تشويه السمعة، والابتزاز، والتزوير المالي والقانوني.
ولا يقتصر أثر هذه المحاكاة على الضرر الفردي، بل يمتد ليصبح ضررًا عامًّا يطال أمن المجتمع واستقراره، وذلك عبر تضليل الرأي العام، ونشر الفتن بتزييف الحقائق، مما يؤدي إلى نزع الثقة بين أفراد المجتمع، وإحلال الشك محل اليقين، حتى يُكذَّب الصادق ويُصدَّق الكاذب.
كما تفتح هذه المحاكاة بابًا لـ "تبادل الإضرار"، فقد تدفع الضحية أو محبيه إلى الانتقام من صانع المحتوى بغير حق، أو تدفع الجمهور المنخدع إلى اتخاذ سلوك عدواني تجاه الشخص الظاهر في الفيديو بناءً على زورٍ لم يقع، وهو ما يُدخل المجتمع في دوامة من العنف والفتن.
والضرر مدفوع كله، عملًا بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» رواه الإمامان ابن ماجه وأحمد، واستند عليه الفقهاء في تقرير القاعدة الفقهية الكبرى "لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ"، قال الإمام بدر الدين الزركشي في "تشنيف المسامع" (3/ 35، ط. مكتبة قرطبة): [قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، فالضرر: هو الإضرار بالآخرين، لمنفعة تعود على المضر، والضرار: هو الإضرار بالآخرين بدون منفعة تعود على فاعل الضرر. وقال الطوفي: الضرر: إلحاق مفسدة بالغير مطلقًا، والضرار: إلحاق مفسدة به على جهة المقابلة ـ أي كل منهما يقصد ضرر صاحبه ـ فالحديث ينفي إلحاق المرء الضرر بغيره مطلقًا. فهذه قاعدة عامة، أغلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها منافذ الضرر والفساد، سواء أكان الضرر فيه منفعة تعود على المضر أم لا، وإذا نهي عن الضرر كان الأمر بضده، وهو مراعاة المصالح بين الناس، ثابتا بالمفهوم المخالف، لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما] اهـ.
فما كان طريقًا للضرر المحقق بالغير وجب منعه، قال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (3/ 185، ط. دار ابن عفان): [الضرر والضرار مبثوث منعه في الشريعة كلها] اهـ.
رابعًا: الغش والتدليس، حيث تقوم هذه التقنية في جوهرها على إظهار ما ليس بواقع، بإيهام الناس بأن الظاهر في المقطع هو الشخص الحقيقي، ولا ينحصر الكذب في مضمون المحتوى، بل يشمل الهيئة والظرف، فإيهام المشاهد بأن هذا الشخص قال هذا الكلام الآن، أو في هذا المكان، أو بهذه الحالة، هو عين الغش والتدليس وتزوير الحقيقة.
وكل ذلك حرام شرعًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» رواه الإمام مسلم.
وقال العلامة مظهر الدين الزيداني في "المفاتيح في شرح المصابيح" (3/ 438، ط. دار النوادر): [(الغش): ستر حالِ شيءٍ على أحدٍ، يعني: إظهارُ شيءٍ على خلاف ما يكون ذلك الشيء في الباطن... فهذا الفعلُ هو الغشُّ والخيانة، وهو مُحرم] اهـ.
ومحاكاة صوت وصورة الغير بدون إذنه يُوهم بوقوع فعلٍ لم يقع، فهو من التزوير، الذي هو من كبائر الذنوب لما فيه من قلبِ الحقائق، وقد روى الشيخان عن أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثًا: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور أو قول الزور»، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا، فجلس فما زال يكررها.
وروي عن خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ الْأَسَدِيِّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائمًا، فقال: «عدلت شهادة الزور بالشرك بالله»، ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30]. رواه الأئمة أبو داود والترمذي وابن ماجه.
ولا تزول تلك الحرمة ولو أذن صاحب الشأن؛ لأن المحرمات لا تزول حرمتها برضا الأفراد، وحق المجتمع في الصدق ومنع الفتنة مقدم على حق الفرد في الإذن بالزيف، إذ "تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة"، فضلًا عن حرمة إشاعة الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].
فإذا تقرر الموقف الشرعي المانع، فإن القانون المصري لا يخالف هذه الرؤية، فقد فطن إلى أضرار نقل صوت الآخر وصورته، ووعى لتلك المفاسد فجرم هذا التصرف وذاك السلوك، فنص في قانون العقوبات رقم (58) لسنة 1937م المعدل بقانون (141) لسنة 2021م، في المادة (309) مكررًا، على: [يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن، وذلك بأن ارتكب أحد الأفعال الآتية فى غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو بغير رضا المجني عليه.
(أ) استرق السمع أو سجل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أيًّا كان نوعه محادثات جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون.
(ب) التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أيًّا كان نوعه صورة شخص في مكان خاص] اهـ.
كما نص في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (175) لسنة 2018م في المادة (25) على: [يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة، أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته، أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخبارًا أو صورًا وما في حكمها، تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة] اهـ.
وبما أن التزييف العميق يُعد صناعة وتوليدًا لصوت وصورة المنسوب إليه المحاكاة وليس مجرد نقل أو تصوير لها، ومنحًا لبياناته الشخصية لمواقع الذكاء الاصطناعي وبرامجها بما ينتهك خصوصيته في صوته وصورته دون إذنه، فإنه مجرم قانونًا، ولو كانت المعلومات المنشورة صحيحة.
أما الصورة الجائزة فهي: المحاكاة التوثيقية باستخدام التقنيات التي تُوَلِّدها خوارزميات الذكاء الاصطناعي (AI) لعمل مشاهد مرئية وصوتية لما حدث فعلًا، دون تحريف لمضمونها أو إساءة لصاحبها، فتُعد المحاكاة تمثيلًا وتجسيدًا لها.
فالمحاكاة هنا مجرد إعادة تجسيد للوقائع والشخصيات، لإيجاد صورة ذهنية تماثل الحقيقة، وقد عرف الفقه الإسلامي أصل "المحاكاة" كوسيلة للبيان وتقريب المعاني للأذهان، فالتمثيل أسلوب تثقيفي ترفيهي يقوم على التقليد والحكاية، وقد ورد في أدلة الشرع ما يدل على أصل مشروعية حكاية الأقوال والأفعال التي هي حقيقة المحاكاة، من ذلك:
1- ما رواه الإمام مسلم عن حنظلة الأسيدي أنه قال: "نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأيُ عين"، فالمحاكاة هنا وقعت من خلال الوصف النبوي الذي نقل الذهن من الغيب إلى المشاهدة، وهو المقصد الذي تحاول التقنيات الحديثة بلوغه عبر المحاكاة البصرية.
2- وما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لم يتكلم في المهد إِلا ثلاثة... الحديث»، وفي آخره: «وبينا صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهة، وشارة حسنة، فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه، فنظر إليه، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع».
قال أبو هريرة: "فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فمه، فجعل يمصها"، وهذا الحديث أصرح دليل، ففيه يُمثل النبي صلى الله عليه وسلم القصة تمثيلًا حركيًّا أمام أصحابه، ليُبيّن لهم كيفية رضاع الطفل وانصرافه، وهذا أصل قوي في مشروعية التمثيل التوضيحي للأحداث، والذكاء الاصطناعي في هذا الباب يُعد أداة معاصرة لتحقيق هذا الغرض التوضيحي والتعليمي، لا لخلق واقع جديد أو نسبة قول لقائله.
والأخبار والآثار في هذا متكاثرة، فحكاية الأفعال والأقوال ليست جديدة من حيث جنسها، وإنما تطورت، وأخذت شكلًا أكثر حداثة، مواكبة التطور الإلكتروني بأدوات جديدة، تقدم تفاصيل أكبر.
ومن القواعد الشرعية المقررة أن "الوسائل لها حكم المقاصد ما لم تكن محرمة لذاتها"، واستخدام الذكاء الاصطناعي مباح من حيث الأصل، ويُنظر إليه على أنه أداة تابعة في الحكم للغاية منها، فمتى كان وسيلة لأمر مشروع كان استخدامه مشروعًا، ومتى كان وسيلة لأمرٍ منهيٍّ عنه كان استخدامه محرمًا.
فإذا كانت المحاكاة وسيلة توضيحية مجدية وفعَّالة لنشر القيم الأخلاقية والتربوية وبناء العقليات المستقيمة كان مشروعًا ومستحسنًا، وينبل بمقدار نبل غايته، بشرط انضباطه بالضوابط والقيود الشرعية وخلوه من المخالفات والمحظورات الشرعية، كالإثارة والنظر واللمس والألفاظ المحرمة، فإذا خلا من إذنه أو اقترن به أمور تتنافى مع هذه الضوابط وتخالفها فإنه يكون ممنوعًا بقدر المخالفة.
ويشترط في تلك المحاكاة: النص على أن المحتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، حتى لا يتم الخلط بين الشخص الحقيقي والمُحَاكَى بشكل يضلل الجمهور، وينشر التشكك والبلبلة في المجتمع.
وشرطٌ آخرُ مهمٌّ، هو: إذنُ ذوي الشأن، حتى لا تشكل المحاكاة اعتداءً على حقوقهم في البدن والعرض والمال، وهو شرط رعاه قانون حقوق الملكية الفكرية رقم (82) لسنة 2002م بالمادة (156)، حيث اشترط في استغلال أداء الفنانين الحصول على "ترخيص كتابي مسبق منهم، ويعد استغلالًا محظورًا بوجه خاص تسجيل هذا الأداء الحي على دعامة أو تأجيرها بهدف الحصول على عائد تجاري مباشر أو غير مباشر أو البث الإذاعي لها إلى الجمهور".
معتبرًا أن الإذن مفترض إذا كانت الشخصية شخصية رسمية أو عامة أو مشهورة محليًّا أو عالميًّا، ومجيزًا المحاكاة للحوادث العلنية، وما ارتأت السلطات العامة نشره للمصلحة العامة، مشترطة في كلٍّ عدم المساس بشرف وسمعة واعتبار الأفراد، فقد نصت المادة (178) من ذات القانون على: [لا يحق لمن قام بعمل صورة لآخر أن ينشر أو يعرض أو يوزع أصلها أو نسخًا منها دون إذنه أو إذن من في الصورة جميعًا ما لم يتفق على خلافه.
ومع ذلك يجوز نشر الصورة بمناسبة حوادث وقعت علنًا أو إذا كانت الصورة تتعلق بأشخاص ذوي صفة رسمية أو عامة أو يتمتعون بشهرة محلية أو عالمية أو سمحت بهذا النشر السلطات العامة المختصة خدمة للصالح العام، وبشرط ألا يترتب على عرض الصورة أو تداولها في هذه الحالة مساس بشرف الشخص أو بسمعته أو اعتباره.
وتسري هذه الأحكام على الصور أيا كانت الطريقة التي عملت بها من رسم أو حفر أو أية وسيلة أخرى] اهـ.
بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فإن إنشاء واستخدام برامج لمحاكاة الأحياء بالذكاء الاصطناعي بواسطة تقنية (التزييف العميق - DeepFake) لاختلاق الأحداث وتحريفها ونشر الفتنة في المجتمع- هو عمل مُحَرَّمٌ شرعًا، ومجرم قانونًا، واستخدامه في التزييف والتدليس يعد من الكذب، والتزوير، والبهتان، والاعتداء على أعراض الناس وأموالهم، وهي من كبائر الذنوب، سواء كان بإذن صاحب الشأن أو كان دون إذنه، وسواء كان للترفيه والمزاح أو لم يكن.
وتجوز المحاكاة التوثيقية بعرض ما حدث فعلًا، وإخراجها على ما وقعت عليه، دون تحريف لمضمونها أو إساءة لصاحبها، كوسيلة توضيحية مجدية وفعَّالة لنشر القيم الأخلاقية والتربوية وبناء العقليات المستقيمة، بشرط إذن صاحبه وانضباطه بالضوابط والقيود الشرعية وخلوه من المخالفات والمحظورات الشرعية.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الامتناع عن المصافحة خوفًا من الإصابة بعدوى فيروس "كورونا (كوفيد-19)"؟
ما حكم أن يصدق الإنسان أو يعتقد أن يتشاءم أو يتوهم أن يصيبه مرض أو موت أو غيره من الأعداد، أو من السنين، أو من الشهور، أو من الأيام، أو من الأوقات، أو من دخول بيت، أو من لبس ثوب، أو من غيره؟
ما حكم القمار في الإسلام؟ وهل ورد في الشرع نصوص تبيح الرهان؛ كالرهان على سباق الخيل مثلًا؟
هل يجوز الدعاء بالشفاء للمصابين بفيروس كورونا المستجد من غير المسلمين من أبناء وطننا؟ أو من بلدان العالم؟
سائل يقول: أخبرني أحد أصدقائي أن معرفة الأحكام الشرعية وتمييز الصحيح فيها مبني على مجرد التذوق النفسي للشخص والشعور القلبي له محتجًا بحديث «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ»؛ فما مدى صحة هذا الكلام؟ وما هو المعنى الصحيح الذي يفيده الحديث؟
ما حكم اختراق الهواتف وأجهزة الحاسوب الخاصة؟ فقد ورد سؤال نصه كالتالي: كَثُر في الفترة السابقة ظهور ما يسمى بقراصنة الهواتف وأجهزة الحاسوب (هاكر)، وهم: الذين يقومون باستغلال معرفتهم لتكنولوجيا المعلومات في اختراق الهواتف الشخصية، وأجهزة الحاسوب الخاصة، وقد ترتب على ذلك ظهور الكثير من المشكلات الاجتماعية، والنفسية، التي ترتبت على إفشاء الأسرار الخاصة الموجودة على تلك الأجهزة الخاصة، فما حكم هذا الفعل؟