ما حكم دفع الأجرة عينًا لا نقدًا؟ فأنا أمتلك محل موبايلات، وقد أجرت مؤخرًا شقة سكنية بإحدى المدن الجديدة لمدة سنة، واتفقت مع مالكها على أن أدفع أجرتها هاتفًا محمولًا معينًا، فما حكم ذلك؟
يجوز في الإجارة أن تكون الأجرة عينًا -كهاتف محمول معين-، طالما أنه معين ومعلوم بما ينفي الجهالة عنه، وتوافقت إرادة الطرفين على ذلك.
المحتويات
من المقرر شرعًا أن الأصلَ في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشرعُ أو نهى عنه، وأنَّ الأحكامَ الفقهيةَ المتعلقة بالمعاملات المالية وغيرها، إنما شُرِعت لتحقيق منافع الخلق وتلبية احتياجاتهم من خلال تلك المعاملات، ومطلوبُ صاحبِ الشرعِ التيسيرُ ورفعُ الحرج والمشقةِ عن الناس.
ومن العقود المشروعة لقضاء حاجة الناس على وجه يحقق المصلحة والعدل فيما بينهم عقد الإجارةِ؛ وهو عقد على منفعة مقصودة معلومة، مقدورًا على تسليمها، مباحةَ الانتفاعِ بها، في مقابل عوض معلوم على وجه يرفع الجهالة ويمنع التنازع.
قال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (3/ 438، ط. دار الكتب العلمية) في تعريف عقد الإجارة: [هو عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعِوَض معلوم] اهـ.
وقال العلامة الطاهر بن عاشور في "مقاصد الشريعة الإسلامية" (2/ 443، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر) عند الحديث عن حكمة مشروعية عقد الإجارة: [قضاء حاجات الناس، على وجه يحقق المصلحة والعدل فيما بينهم] اهـ.
فهو من ضرورة الخليقة، ومصلحة الخُلطة بين الناس، والأصل في مشروعيته قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 26- 27].
جاء في "الأم" للإمام الشافعي (4/ 26، ط. دار الفكر): [قد ذكر الله عز وجل أن نبيًّا من أنبيائه آجر نفسه حِججًا مسماة ملكه بها بُضع امرأة، فدل على تجويز الإجارة وعلى أنه لا بأس بها على الحِجَج إن كان على الحِجَج استأجره، وإن كان استأجره على غير حِجَج فهو تجويز الإجارة بكل حال] اهـ.
وقال العلامة ابن العربي في "أحكام القرآن" (3/ 494، ط. دار الكتب العلمية): [قوله: ﴿اسْتَأْجَرْتَ﴾، دليل على أن الإجارة بينهم وعندهم مشروعة معلومة، وكذلك كانت في كل ملة، وهي من ضرورة الخليقة، ومصلحة الخُلطة بين الناس] اهـ.
وقد دلت السنة النبوية على مشروعية الإجارة، وذلك فيما رواه الإمام البخاري عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت: «وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، هَادِيًا خِرِّيتًا، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ».
الأجرة من أركان عقد الإجارة على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، ويشترط كونها معلومة للعاقدين، وذلك أن عقد الإجارة من عقود المعاوضة، والمنفعة إنما تُبذل في مقابل الأجرة، وإذا كان يشترط في عقد الإجارة علم المستأجر بالمنفعة والتي سوف يبذل المال في تحصيلها، فإنه يشترط في حق المؤجر أن يعلم بالأجرة التي رضي أن يبذل منفعته للمستأجر في مقابلها، فالعلم بالأجرة يأخذ حكم العلم بالمنفعة؛ لأنها أحد العِوَضين.
والأصل في ذلك ما رواه البَيْهَقِي، وابن أبي شَيْبة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَمَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ».
وعلى هذا ذهب جمهورُ الفقهاءِ، وتظاهرت نصوصهم، وتضافرت عباراتُهم على اشتراطِ كونِ الأجرةِ معلومةً في عقدِ الإجارةِ، دفعًا للجهالةِ، وصيانةً للعقدِ عن أسبابِ النزاعِ والخصومةِ.
قال العلامة ابن مودود الموصلي الحنفي في "الاختيار" (2/ 57، ط. الحلبي): [وكل جهالة تُفسِد البيع تُفسِد الإجارة من جهالة المعقود عليه أو الأجرة أو المدة لِمَا عُرف أن الجهالة مفضية إلى المنازعة. والأصل قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» شرط أن تكون الأجرة معلومة كما شرطه في البيع] اهـ.
وقال العَلَّامة الدردير المالكي في "الشرح الصغير" (4/ 8، ط. دار المعارف): عند حديثه عن أركان الإجارة: [(و) الثالث: (أجر؛ كالبيع) من كونه طاهرًا منتفعًا به مقدورًا على تسليمه معلومًا ذاتًا وأجلًا أو حلولًا] اهـ.
قال العلامة الصاوي مُحَشِّيًا على ذلك: «قوله: معلومًا ذاتًا، أي إمَّا برؤية أو بوصف كالبيع، قوله: وأجلًا، أي إن أُجِّل فلا بد من علم الأجل، وجهله مفسد للعقد] اهـ.
وقال العَلَّامة شمس الدين الرملي الشافعي في "نهاية المحتاج" (5/ 266، ط. دار الفكر): [(ويشترط) لصحة الإجارة (كون الأجرة معلومة) جِنسًا وقَدْرًا وصفةً] اهـ.
وقال العَلَّامة أبو السَّعَادات البُهُوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (4/ 10): [(الشرط الثاني معرفة أجرة)؛ لأنه عِوَض في عقد معاوضة فاعتُبِر علمه كالثمن، ولخبر: «مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» ويصح أن تكون الأجرة في الذمة، وأن تكون معينة (فما بذمة) من أجرة حكمه (كثمن) أي: فما صح أن يكون ثمنًا بذمة صح أن يكون أجرة في الذمة] اهـ.
أما عن اعتبار العين كالهاتف المحمول أجرة تدفع بدلا عن الثمن -المال- المتعارف عليه، فجمهور الفقهاء على جواز دفع الأجرة في صورة عينية؛ حيث إن كل ما صح أن يكون ثمنًا في البيع صحَّ أن يكون أجرة في الإجارات سواء كان نقدًا أو عينًا، ولذلك اشترط الجمهور في الأجرة ما اشترط في الثمن، وعلى هذا تطابقت أقوال الفقهاء وتواردت عباراتهم.
قال العلامة الزَّيْلَعِي الحنفي في "تبيين الحقائق" (5/ 106، ط. المطبعة الكبرى الأميرية): [(وما صح ثمنا صح أجرة)؛ لأن الأجرة ثمن المنفعة فتعتبر بثمن المبيع، ثم إن كانت الأجرة عينًا جاز كل عين أن يكون أجرة كما جاز أن يكون بدلًا في البيع] اهـ.
وجاء في "المدونة" في فقه الإمام مالك (3/ 420، ط. دار الكتب العلمية): [قال مالك: كل ما جاز لك أن تبيعه فلا بأس أن تستأجر به] اهـ.
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في "التلقين" (2/ 160، ط. دار الكتب العلمية): [ويجوز أن تكون الأجرة عينًا أو منفعة من جنس الشيء المستأجر وغيره، مثل أن يستأجر دارًا للسكنى بدار أخرى، أو بخدمة عبدٍ أو بخياطة ثوب] اهـ.
وقال إمام الحرمين الجُوَيْنِي الشافعي في "نهاية المطلب" (8/ 82، ط. دار المنهاج): [ولو كانت الأجرة عينًا مشارًا إليها، تعيَّنت] اهـ.
وقال العلامة الدَّمِيرِي الشافعي في "النجم الوهاج" (5/ 300، ط. دار المنهاج): [قال: (أو يستأجره بنصف البذر ونصف منفعة الأرض ليزرع له النصف في النصف الآخر من الأرض) وهذه قالها المزني.
واحترز المصنف بذلك عما إذا استأجره كذلك ليزرع في النصف من أرض أخرى.
والفرق بين الطريقة الأولى والثانية: أنه في الأولى جعل الأجرة عينًا وفي الثانية عينًا ومنفعة] اهـ.
وقال العلامة البُهُوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (3/ 547، ط. دار عالم الكتب): [كل ما جاز أن يكون ثمنًا في البيع جاز عوضًا في الإجارة، فكما جاز أن يكون العوض عينًا جاز أن يكون منفعة] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فيجوز في الإجارة كون الأجرة عينًا -كهاتف محمول معين-، طالما أنه معين ومعلوم بما ينفي الجهالة عنه، وتوافقت إرادة الطرفين على ذلك.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم أخذ ما تركه المستأجر بعد انتهاء عقد الإجارة ومغادرة المكان؟ فهناك إحدى الشركات استأجرَت قطعةَ أرضٍ كمخزنٍ للمعدات والمؤن، وبعد انتهاء مدة الإجارة انصرفت الشركة وغادرت المكان، لكنها تركت بعض الأدوات، ومَضَت مدةٌ ولَمْ تَطلُبها، فهل يجوز لصاحب الأرض أن يأخذها لنفسه؟
ما حكم إعطاء الأجرة دون التلفظ بالصيغة؟ فرجلٌ يستقلُّ يوميًّا سيارة أجرة عامَّة توصِّله إلى مقرِّ عمله، دون أن يتلفَّظ مع السَّائق أو غيره بإيجابٍ أو قبول، ويكتفي بالركوب في السيارة التي يعلم مسبقًا أنها تتوجَّه إلى الجهة التي يقصدها، ثم يدفع الأجرة المتعارف عليها، إمَّا مباشرةً، أو يُناوِلها أحدُ الركَّاب للسائق وفق العرف الجاري بين الناس، فهل تُعدُّ هذه المعاملة صحيحة شرعًا؟
هل يجوز لشركة اتصالات استئجار مئذنة مسجد ليكون مكانًا لاستقبال معلومات الاتصالات -الهواتف- للشركة؟
رجلٌ كان يمتلك أرضًا، ثم غرس فيها نخيلًا، وكانت زوجته تقوم بسقي أشجار النخيل كما هي العادة في هذه البلاد من أن الزوجات يذهبن مع أزواجهنَّ إلى الأراضي التي لهم ويساعدنهم في الزراعة وسقي الأشجار.
ثم توفِّيت الزوجة المذكورة فقام ورثتها وهما بنتها من غيره وأخوها شقيقها يدَّعون على ورثة الزوج الذي توفي بعدها بأن لهم حق الربع في هذه الأشجار بسبب أنه آل إليهم من والدتهم؛ لكونها أجرة سقي النخيل المذكور، مع كون العرف في هذا البلد أن الزوجة تساعد الزوج في الزراعة وفي سقي النخيل. فهل لهم الحق في ذلك -كما يدَّعون- أم كيف الحال؟ مع العلم بأن الرجل المذكور لم يؤجِّر زوجته المذكورة لسقي النخيل ملكه الكائن في أرضه المملوكة له لا بعقدٍ ولا بغيره، وإنما كانت تسقي هذا النخيل مساعدةً له بدون أجرة كما هو العرف في بلدنا من أن الزوجات يساعدن أزواجهن في الزراعة وسقي النخيل بدون أجرة.
نقوم بتأجير أرض زراعية نظير مبلغ نقدي متفق عليه يتم سداده عقب المحصول الصيفي، وفي كثير من الأحيان يتلكأ المستأجر في السداد. فهل إذا قلت له إن المبلغ المتفق عليه الآن هو ما قيمته الشرائية كذا إردبًّا، فأعطِني هذه الكمية أتصرف أنا فيها. فهل هذا يجوز؟
ما حكم أخذ مبلغ مقابل التنازل عن شقة بالإيجار؟ فنحن كنا نسكن مع والدنا في شقة بالإيجار، وقد توفي والدي، وكان قد ترك لنا قطعةَ أرضٍ فضاء قمنا ببنائها لمسكنٍ مناسبٍ في بلدنا وانتقلنا إليه وأغلقنا الشقة، والآن جاء صاحب الشقة وقال لأمي وأخي الأكبر: أنا أريد الشقة وسوف أعطيكم مبلغًا من المال مقابل التنازل عن العقد، فوافقت أمي وأخذت المبلغ الذي أعطاه لها، وتنازلت عن العقد. وتطلب السائلة بيان رأي الشرع في ذلك؟