حكم عدم قراءة المأموم الفاتحة في الصلاة السرية

تاريخ الفتوى: 24 يونيو 2026 م
رقم الفتوى: 9013
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الصلاة
حكم عدم قراءة المأموم الفاتحة في الصلاة السرية

سائل يقول: رجلٌ كبيرٌ في السن، ويُرهَق جدًّا عند الكلام، فهل يجوز له ترك قراءة الفاتحة خلف الإمام في الركعات السرية من الصلوات المفروضة؟

على المأمومِ أن يقرأ الفاتحة في مواضِع الإسرارِ من الصَّلوات خلف الإمام، كصلاتي الظهر والعصر، والركعة الثالثة من صلاة المغرب، والركعتين الثالثة والرابعة من صلاة العشاء، وذلك ما دام قادرًا على قراءتها ولم يكن له عذرٌ يمنعه منها.

فإن كان عاجزًا عن قراءتها أو تلحقه مشقةٌ وإرهاق شديدان بقراءتها فإنه يجزئه حينئذ قراءة الإمام لها، وتصحُّ صلاتهُ شرعًا، وعلى ذلك فيجوز للرجلِ المذكور الذي تلحقهُ مشقةٌ ظاهرةٌ عند الكلامِ أن يقتصرَ على متابعة الإمامِ دون أن يقرأ الفاتحةَ، ولا إثم عليه في ذلك ولا حرج، وصلاتهُ صحيحةٌ ومجزئةٌ شرعًا.

المحتويات:

 

اختلاف الفقهاء في حكم قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام في الصلاة السرية

من المقرر شرعًا أن قراءة فاتحة الكتاب من أعظم أعمال الصلاة وأجلِّ أذكارها، وقد وردت النصوص الشرعية ببيان فضلها ومكانتها، إلا أن الفقهاء اختلفوا في بعض الأحكام المتعلقة بقراءتها تبعًا لاختلاف أحوال المصلين، ومن ذلك حكم قراءتها للمأموم خلف الإمام في الصلاة السرية، كصلاتي الظهر والعصر، والركعة الثالثة من صلاة المغرب، والركعتين الثالثة والرابعة من صلاة العشاء.

فذهب الحنفية إلى أن المأموم لا يقرأ الفاتحةَ، وأن قراءة الإمام كافيةٌ عنه، بل كرهوا له القراءة خلف الإمام كراهةً تحريمية، ونُقل في المذهب قولٌ بفساد صلاته إذا قرأ، إلا أن الأصح والمعتمد عندهم صحة الصلاة مع الكراهة التحريمية، واستدلوا على ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» أخرجه الأئمة: ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي في "السنن الكبرى" من حديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

قال العلامة الحَصْكَفِي الحنفي في "الدر المختار" ومعه "حاشية العلامة ابن عابدين" (1/ 544، ط. الحلبي): [(والمؤتم لا يقرأ مطلقًا) ولا الفاتحة في السرية اتفاقًا] اهـ.

وقال أيضًا (1/ 544- 545): [(فإن قرأ كُره تحريمًا) وتصح في الأصح. وفي "درر البحار" عن "مبسوط خواهر زاده": أنها تفسد، ويكون فاسقًا، وهو مروي عن عدة من الصحابة، فالمنع أحوط (بل يستمع) إذا جَهَرَ (وينصت) إذا أَسَرَّ] اهـ.

قال العلامة ابن عابدين (1/ 544) محشيًا: [(قوله: اتفاقًا) أي بين أئمتنا الثلاثة] اهـ.

وقال أيضًا (1/ 545): [(قوله: أنها تفسد) هذا مقابل الأصح] اهـ.

وذهب المالكية في المعتمد، والحنابلة في المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إلى أن قراءة الفاتحة لا تجب على المأموم، وأن قراءة الإمام تكفيه، واستدلوا على ذلك بحديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما المتقدم: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»، غير أنهم استحبوا له قراءتها في الصلوات السرية ومواضع الإسرار، كصلاة الظهر والعصر، والركعة الثالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من العشاء.

قال الشيخ الدردير المالكي في "الشرح الكبير" ومعه "حاشية العلامة الدسوقي" (1/ 236- 237، ط. دار الفكر) عند الحديث عن فرائض الصلاة: [(و) خامسها (فاتحةٌ) أي: قراءتها (بحركة لسانٍ على إمام وفذٍّ) أي: منفردٍ لا على مأمومٍ هذا إذا أَسمع نفسه، بل (وإن لم يسمع نفسه) فإنه يكفي في أداء الواجب] اهـ.

قال العلامة الدسوقي محشيًا (1/ 237): [(قوله: لا على مأمومٍ) أي: فلا تجب عليه، كانت الصلاة جهريةً أو سريةً، خلافًا لابن العربي القائل بلزومها للمأموم في السريةِ، وهو ضعيف، والمعتمد عدم لزومها له، وإنما استحب له قراءتها في هذه الحالة فقط] اهـ.

وقال الإمام ابن قُدَامة الحنبلي في "المقنع" ومعه "الشرح الكبير" و"الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" (4/ 303- 307، ط. هجر): [ولا تجب القراءة على المأموم، ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام، وفيما لا يجهر فيه، أو لا يسمعه لبعده] اهـ.

قال العلامة المَرْدَاوي في "الإنصاف" (4/ 303) معلقًا عليه: [قوله: (ولا تَجِبُ القراءةُ على المأمومِ) هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. نصَّ عليه، وقطَع به كثيرٌ منهم] اهـ.

وقال العلامة شمس الدين ابن قُدَامة في "الشرح الكبير" (4/ 303): [(ولا تجب القراءة على المأموم) هذا قول أكثر أهل العلم. وممن كان لا يرى القراءة خلف الإمام: علي، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو سعيد، وزيد بن ثابت، وعقبة بن عامر، وجابر، وابن عمر، وحذيفة بن اليمان. وبه يقول الثوري، وابن عيينة، وأصحاب الرأي، ومالك، والزهري، والأسود، وإبراهيم، وسعيد بن جبير. قال ابن سيرين: لا أعلم من السنة القراءة خلف الإمام] اهـ.

بينما ذهب الشافعية، وهو قولٌ لبعض فقهاء المالكية، واختاره الإمام أبو بكر بن العربي، وبه قال الإمام ابن حزم الظاهري إلى أنه يجب على المأموم قراءةُ الفاتحةِ في الصَّلاةِ السِّريَّةِ.

واستدلوا على ذلك بعموم الأحاديث الواردة في وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» أخرجه الشيخان من حديث عُبادة بن الصامت رضي الله عنه.

وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلَاثًا غَيرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: «اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ» أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

قال الإمام النووي الشافعي في "شرح صحيح مسلم" (4/ 103، ط. دار إحياء التراث العربي) في معرض شرحه للحديث الأول: [قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» فيه دليل لمذهب الشافعي رحمه الله تعالى ومن وافقه أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمامِ والمأمومِ والمنفردِ، ومما يؤيد وجوبها على المأمومِ قول أبي هريرة: «اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ»، فمعناه: اقرأها سرًّا بحيث تُسمِع نفْسك] اهـ.

وقال في "المجموع" (3/ 365، ط. دار الفكر): [مذهبنا وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في كل الركعات من الصلاة السرية والجهرية، وهذا هو الصحيح عندنا] اهـ.

وقال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي في "أحكام القرآن" (1/ 10، ط. دار الكتب العلمية) بعد تحرير أقوال العلماء في قراءة المأموم الفاتحة: [والصحيحُ عندي وجوبُ قراءتها فيما يُسرُّ، وتحريمها فيما جهر إذا سمع قراءة الإمام؛ لما عليه من فرض الإنصات له والاستماع لقراءته] اهـ.

وقال الإمام ابن حزم الظاهري في "المحلى بالآثار" (2/ 265، ط. دار الفكر): [وقراءة أمِّ القرآن فرض في كل ركعة من كل صلاة، إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا] اهـ.

ويتضح مما سبق أن قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام في مواضع الإسرار من الصلوات، كصلاتي الظهر والعصر، والركعة الثالثة من صلاة المغرب، والركعتين الثالثة والرابعة من صلاة العشاء من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفقهاء، والمختار للفتوى وجوبُ قراءتها على المأموم إذا كان قادرًا عليها، ولم يكن له عذرٌ يمنعه من قراءتها؛ خروجًا من الخلاف، واحتياطًا للعبادة.

حكم عدم قراءة المأموم الفاتحة في الصلاة السرية لعذر

أمَّا من عجز عن قراءة الفاتحة أو لحقته مشقةٌ معتبرةٌ في ذلك فله حكمه الخاص الذي تراعى فيه الأعذار الشرعية؛ إذ المقصود حصول الصلاة على وجهها المشروع بحسب القدرة والاستطاعة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقال جلَّ شأنه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «وَإِذَا أَمَرتُكُم بِأَمرٍ فَأْتُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم» أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (9/ 102) مُعلِّقًا على الحديث: [هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وآله وسلم، ويدخل فيها ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن] اهـ.

وقد نصَّ الفقهاء على أن من عجز عن قراءة الفاتحة أو لم يحسنها، ولم يستطع تعلمها -ويلحق بذلك من لحقته مشقةٌ ظاهرة في قراءتها-، وكان قادرًا على الائتمام بمن يحسنها، لزمه ذلك؛ لأن الائتمام طريقٌ إلى استدراك ما عجز عنه من القراءة، والمقصود أداء الصلاة على الوجه المشروع بحسب الوسع والاستطاعة.

قال العلامة الدسوقي في "حاشيته على الشرح الكبير" (1/ 237): [(قوله: ائتم وجوبًا بمن يحسنها) أي: لأن قراءتها واجبة، ولا يتوصل بذلك الواجب إلا بالائتمام بمن يحسنها] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن على المأمومِ أن يقرأ الفاتحة في مواضِع الإسرارِ من الصَّلوات خلف الإمام، كصلاتي الظهر والعصر، والركعة الثالثة من صلاة المغرب، والركعتين الثالثة والرابعة من صلاة العشاء، وذلك ما دام قادرًا على قراءتها ولم يكن له عذرٌ يمنعه منها، فإن كان عاجزًا عن قراءتها أو تلحقه مشقةٌ وإرهاق شديدان بقراءتها فإنه يجزئه حينئذ قراءة الإمام لها، وتصحُّ صلاتهُ شرعًا، ومن ثمَّ فإنه يجوز للرجلِ المذكور الذي تلحقهُ مشقةٌ ظاهرةٌ عند الكلامِ أن يقتصرَ على متابعة الإمامِ دون أن يقرأ الفاتحةَ، ولا إثم عليه في ذلك ولا حرج، وصلاتهُ صحيحةٌ ومجزئةٌ شرعًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم نسيان الإمام سجدة التلاوة في الصلاة؟ فقد كنت أصلي خلف إمام المسجد، وقرأ آية فيها سجدة، لكنه نسي السجود لها، وأتم صلاته، وبعد الصلاة اختلف المصلون؛ فقال بعضهم: لو تذكَّر في الركوع كان عليه أن يعود ويسجد لها، وقال بعضهم الآخر: هي سُنَّة، ولا شيء في تركها؛ فما الصواب في هذه الحالة؟


ما هي طريقة وضع الميت أثناء صلاة الجنازة؛ فإني توجهت لإحدى المساجد لحضور جنازة مُتَوفَّى فوجدت أن الإمام جعل رأس الـمُتَوفَّى على يساره، وأشار إلى أن رأس المرأة تكون على يمين الإمام ورأس الرجل تكون على يسار الإمام، واعتراض بعض الحضور على هذا التصرف. فما رأي الشرع في ذلك؟


ما حكم الخروج من المسجد بعد سماع الأذان الموحَّد؟


ما الفضل الوارد في الشرع بخصوص الصلاة على الجنازة واتباعها؟ وما ثواب ذلك؟


ما حكم قصر الصلاة بعد الرجوع من السفر؛ فأخي يحب أن يتمسك بالرخص الشرعية، وهو كثيرًا ما يسافر لقضاء مصالح إلى القاهرة والإسكندرية -مسافة القصر- فيصلي قصرًا مع جمع الظهر والعصر، وكذا المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير، وفي يوم سفره نوى أثناء السفر عند سماعه أذان الظهر أن يصلي الظهر والعصر جمع تأخير ولكنه رجع إلى البلد قبل أذان المغرب، ولم يكن قد صلى الظهر والعصر أثناء سفره حسب نيته. فهل يصلي الظهر والعصر جمع تأخير قصرًا بعد أن رجع من السفر، أم أنه لا يجوز له أداء القصر ويكفي أن يصلي الظهر والعصر جمع تأخير بعد أن رجع من السفر؟


أتقدم إليكم بكل احترام وتقدير بالسؤال عن: دعاء القنوت وتأمين المصلين خلف الإمام، وهيئته: عند دعاء الإمام في قنوت الفجر أو الوتر، بقوله: "اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن تولَّيت، وبارك لنا فيما أعطيت" فيرد المأمومون بقولهم: (آمين) ثم يتابع الإمام الدعاء قائلًا: "وقِنا شرَّ ما قضيت" فيرد المأمومون به قائلين (يا الله) ثم يتابع الإمام بقوله: "فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك" فيرد المأمومون به قائلين (حقًّا)، ثم يتابع الإمام الدعاء بقوله: "إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت" فيرد عليه المأمومون به قائلين (نشهد)، ثم يتابع الإمام الدعاء بقوله: "تباركت ربنا وتعاليت" فيرد عليه المأمومون به قائلين (يا الله).
فما هو الحكم الشرعي في رد المأمومين على الإمام بقولهم (حقًّا)، و(نشهد)، و(يا لله)؟ ولفضيلتكم جزيل الشكر.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 24 سبتمبر 2026 م
الفجر
5 :17
الشروق
6 :44
الظهر
12 : 47
العصر
4:13
المغرب
6 : 49
العشاء
8 :7