حكم التجارة في المفرقعات واستعمالها

تاريخ الفتوى: 05 مارس 2025 م
رقم الفتوى: 8572
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: البيع
حكم التجارة في المفرقعات واستعمالها

ما حكم التجارة في المفرقعات واستعمالها؟ ففي هذه الأيام يكثر بين الشباب والأطفال استعمال المفرقعات والألعاب النارية في المواسم المختلفة في الشوارع وبين المحلات والمنازل، وتتوالى علينا من حين لآخر أخبار الحوادث والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم، من نحو بتر أصبعٍ، أو إصابة عينٍ، وكذا الإصابة بالحروق المختلفة في الجسد، أو ما تتسبب به من الأذى البالغ للآخرين من المارَّةِ وأصحاب المحلات والمخازن، حيث تتسبب أحيانًا في اشتعال الحرائق وإتلاف الأموال والأنفس، وأقل كل هذا الضرر هو إحداث الضوضاء، وترويع الآمنين.

يَحرُم شرعًا استعمالُ الأفراد المفرقعاتِ والألعابَ الناريَّةَ لأنها وسيلةٌ لإصابة النفس والآخرين بالأذى النفسي والجسدي والمالي، فهي تنشر الذُّعر والضجيج وإزعاج مستحقي الرِّعاية من الأطفال والمُسِنِّين، بل تعدَّى أثرُها وضررُها ليصل إلى إحداث تلفٍ في الأبدان والأعيان، مثل حوادث الحرائق في الأماكن العامة والخاصة، وإصابة مستعملها والمارِّين بالحروق والجراحات، وغيرها مِن الأذى وأنواع الإصابات، فضلًا عما في استعمالها من إهدار الأموال فيما لا نفع فيه.

ويَحرُم كذلك شرعًا المتاجرةُ في المفرقعات والألعاب النارية باعتبارها إعانةً على الحرام، ومتنافيةً مع تعاليم الإسلام السَّمحة، من رعاية حقوق الناس في السِّلم والأمن على أنفسهم وأموالهم، وحقهم في الطمأنينة وتأمين رَوعاتهم.

المحتويات

بيان حرمة إلحاق الضرر بالآخرين

راعت شريعةُ الإسلام الإنسانَ الذي هو بُنيان الربِّ عَزَّ وَجَلَّ، وأمرت بصيانته عن كلِّ ما قد يصيبه بالأذى أو يكدِّر عليه صفو معيشته، فحرَّمت الضرر والعدوان، وزكَّت روح المسالَمَة والتعاون على الخيرات في المجتمع، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضَرَر وَلَا ضِرَار» أخرجه الإمامان: أحمد وابن ماجه، وهو أصلٌ في الشريعة الإسلامية، ومُقرِّرٌ للقاعدةِ الكليَّة مِن أنَّ "الضَّرَرَ يُزَال"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام جلال الدين السيوطي (ص: 83، ط. دار الكتب العلمية).
كما أمرت بنشر السِّلمِ بين الناس كافَّةً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» أخرجه الإمامان: أحمد، والنسائي بلفظه، وله شاهدٌ عند الإمام البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».
وعن أبي صِرْمَةَ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللهُ بِهِ، وَمَنْ شَقَّ شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ» أخرجه الأئمة: أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.

قال المُلَّا علي القَارِي في "مرقاة المفاتيح" (8/ 3156، ط. دار الفكر): [الضرر يشمل البدني، والمالي، والدُّنيوي، والأُخرَوي. وأمَّا المشقة: فهي المخالفة التي تؤدي إلى المنازعة والمحاربة وأمثال ذلك] اهـ.

حكم استعمال المفرقعات والألعاب النارية

المفرقعات والألعاب النارية -محل السؤال- اعتاد الناس استعمالها كما هو مشاهدٌ كوسيلةٍ من وسائل الإعلام والإخبار بحلول مناسبةٍ سارَّةٍ، نظرًا لما تُحدِثُه من أصواتٍ مدوِّيةٍ وألوانٍ زاهيةٍ في السماء، على اختلاف أنواعها وأشكالها، إلا أنها مع ذلك أضحَت سببًا واضحًا لا يستهان به في نشر الذُّعر والضجيج وإزعاج مستحقي الرِّعاية من الأطفال والمُسِنِّين، بل تعدَّى أثرُها وضررُها ليصل إلى إحداث تلفٍ في الأبدان والأعيان، مثل حوادث الحرائق في الأماكن العامة والخاصة، وإصابة مستعملها والمارِّين بالحروق والجراحات، وغيرها مِن الأذى وأنواع الإصابات.
وقد تقرَّر في الشرع الشريف وجوبُ حفظ النفس عن المهلكات والآفات، بل جعله مقصدًا مِن مقاصده الكليَّة التي جاءت الأحكام لتحقيقها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

قال الإمام أبو حامد الغَزَالِي في "المستصفى" (ص: 174، ط. دار الكتب العلمية): [ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دِينهم، ونَفْسهم، وعَقْلهم، ونَسْلهم، ومالَهُم، فكلُّ ما يتضمَّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكلُّ ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدةٌ ودفعُها مصلحة] اهـ.

كما أنَّ ترويع الآمنين أذًى مُحرَّمٌ في شرعنا الحنيف، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ رَوَّعَ مُؤْمِنًا لَمْ يُؤَمِّنِ اللهُ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه الإمام البيهقي في "شعب الإيمان"، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» أخرجه الأئمة: ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود.

واستعمال المفرقعات في تجمُّعات الناس، وفي طُرُقهم، وبين منازلهم، وأماكن سكنهم وسَكِينتهم لا يخلو من الأذى النفسي والجسدي لقاطِنِي تلك الأماكن والمارِّين فيها من رجالٍ ونساءٍ وأطفالٍ، وترويعهم، كما لا يخلو من إحداث إصاباتٍ بمن يستعملها أو بغيره.

فضلًا عما في استعمال المفرقعات على النحو المذكور من إهدار الأموال فيما لا نفع فيه، وهو ضربٌ من ضروب التبذير المَقِيت الذي نهى عنه الشرع الشريف، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ۝ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 26-27].

قال الشيخ العلامة الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (15/ 81، ط. الدار التونسية): [ومعنى ذلك: أن التبذير يدعو إليه الشيطان؛ لأنه إما إنفاق في الفساد، وإما إسراف يَستنزف المال في السَّفَاسِفِ واللَّذَّات فيعطل الإنفاق في الخير، وكلُّ ذلك يُرضي الشيطان، فلا جَرَمَ أنْ كان المتصفون بالتبذير مِن جُندِ الشيطان وإخوانِه] اهـ.

وعن المُغِيرَة بن شُعْبَة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» متفقٌ عليه.
قال الإمام النَّوَوِي في "شرح صحيح الإمام مسلم" (12/ 11، ط. دار إحياء التراث العربي): [أمَّا إضاعة المال: فهو صرفُه في غير وُجوههِ الشرعيَّة، وتعريضه للتَّلف، وسببُ النهي: أنَّه إفسادٌ، والله لا يحبُّ المفسدين، ولأنَّه إذا أضاعَ مالَه تعرَّض لما في أيدي الناس] اهـ.

وقد نصَّ بعض الفقهاء على صورٍ شبيهةٍ بصرف المال في الألعاب النارية واعتبروها مِن قبيل إضاعة المال، فمن ذلك ما جاء في "شرح منتهى الإرادات" للإمام أبي السعادات البُهُوتِي (2/ 174، ط. عالم الكتب) أنَّ مِن أسباب الرُّشد وحسن التصرف في الأموال: [أن يحفظ كلَّ ما في يده عن صرفهِ فيما لا فائدة فيه، كحرق نفطٍ يشتريه للتَّفرج عليه، ونحوه] اهـ.

ولا يخفى ما بين حرق النفط لمشاهدته وحرق المفرقعات والألعاب النارية مِن الشَّبَهِ، وأنَّ كليهما لا فائدة فيه، بل إنَّ ضرر المفرقعات بما يصدر عنها مِن انتقالٍ للَّهب والشَّرر، ودويِّ الأصوات المُفزعة -أعظم ضررًا وأشد مِن مجرَّد حرقِ النِّفط.

ولَمَّا كان استعمالُ الناس للمفرقعات في الأماكن العامَّة المزدحمة بالناس والأماكن السَّكَنية استعمالًا عشوائيًّا مشتملًا على مفاسد وأضرار بالنفس والمال، وللفرد والمجتمع، فإنه يَحرُم شرعًا المتاجرةُ فيها؛ لِمَا فيها من الإعانة على أوجه الضَّررِ والفساد المُحرَّم، وكل ما أدى إلى الحرام ثبتت حُرمتُه، على ما تقرَّر في الشريعة الإسلامية مِن أنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد، كما في "قواعد الأحكام" للإمام عِزِّ الدين بن عبد السلام (1/ 53، ط. مكتبة الكليات الأزهرية)، و"الفروق" للإمام شهاب الدين القَرَافِي (2/ 33، ط. عالم الكتب).

موقف القانون المصري من تجارة واستعمال المفرقعات

قد منع القانون المصري مِن التجارة أو الاستعمال لكلِّ ما يَصدُق عليه اسمُ المفرقعات، وهو ما يشمل الألعاب النارية بمختلف أنواعها، حيث نصَّ قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937م، المعدَّل برقم 21 لسنة 2018م، وذلك في مادته رقم (102/ أ- 2) على أنَّه: [يُعاقَب بالسجن المؤبد أو المشدد كلُّ مَن أحرز مفرقعاتٍ، أو حازها، أو صنعها، أو استوردها قبل الحصول على ترخيصٍ بذلك، وأنَّه يُعتبر في حكم المفرقعات كلُّ مادةٍ تدخل في تركيبها ويصدر بتحديدها قرارٌ مِن وزير الدَّاخليَّة] اهـ.
وقد صدر قرار وزير الداخلية رقم (1872) لسنة 2004م المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ: 24/ 11/ 2004م، باستبدال جدول المواد المفرقعة والمواد الكيميائية التي تعتبر في حكم المفرقعات، بجدولٍ جديد تضمن 88 مادةً، مِن بينها "البارود الأسود" وغيره مِن المواد المستعملة في صناعة الألعاب النارية، والتي مُنِع تداولها بمختلف صور التداول أو التصنيع أو الاستيراد؛ لإخلالها بالنِّظام والأمن العام.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يَحرُم شرعًا استعمالُ الأفراد المفرقعاتِ والألعابَ الناريَّةَ باعتبارها وسيلة لإصابة النفس والآخرين بالأذى النفسي والجسدي والمالي، ويَحرُم كذلك شرعًا المتاجرةُ في المفرقعات والألعاب النارية باعتبارها إعانةً على الحرام، ومتنافيةً مع تعاليم الإسلام السَّمحة، من رعاية حقوق الناس في السِّلم والأمن على أنفسهم وأموالهم، وحقهم في الطمأنينة وتأمين رَوعاتهم.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

أرجو من فضيلتكم التكرم ببيان فضل زيارة المريض، والآداب الشرعية التي ينبغي أن تراعى عند زيارته. فإني أرى بعض الناس عند زيارتهم للمرضى يطيلون الجلوس بجوار المريض، وأحيانًا يقولون بعض الألفاظ التي قد تسبب الأذى النفسي للمريض، أو من معه.


ما حكم اختراق الهواتف وأجهزة الحاسوب الخاصة؟ فقد ورد سؤال نصه كالتالي: كَثُر في الفترة السابقة ظهور ما يسمى بقراصنة الهواتف وأجهزة الحاسوب (هاكر)، وهم: الذين يقومون باستغلال معرفتهم لتكنولوجيا المعلومات في اختراق الهواتف الشخصية، وأجهزة الحاسوب الخاصة، وقد ترتب على ذلك ظهور الكثير من المشكلات الاجتماعية، والنفسية، التي ترتبت على إفشاء الأسرار الخاصة الموجودة على تلك الأجهزة الخاصة، فما حكم هذا الفعل؟


ما هي كيفية التصرف  الصحيح في هيكل عظمي لإنسان؟ فأنا طالب بكلية الطب بإحدى الجامعات، ويوجد عندي هيكل عظمي لإنسان، وهذا الهيكل يلزم للدراسة بهذه الكلية، وقد حصلت عليه من طالب قريب لي سبقني في الدراسة عليه، وقد أنهيت دراستي لعلم التشريح على هذا الهيكل، وأصبح لا يلزمني في دراستي، وأنا الآن أريد التصرف فيه وفق الشريعة الإسلامية حتى لا يتم سؤالي عنه يوم القيامة، مع العلم بأن الكلية يتم بيع الهياكل بها بصورة طبيعية للطلبة.


ما حكم بيع الدَّيْن لغير المدين بثمن مؤجل؟ فقد اشترى رجلٌ من آخر سلعة بثمن مؤجل، فصار له دين في ذمة المشتري بمبلغ معين، ثم أراد الدائن أن يبيع هذا الدين إلى شخص ثالث (غير المدين) بثمن مؤجل لمدة معينة، فهل يجوز له ذلك؟


ما هي القواعد التي نصَّت عليها الشريعة الإسلامية في التذكية -أي: الذبح- الشرعي للحيوانات والطيور؟


ما حكم شراء شقة بالتمويل العقاري بفائدة متناقصة؟ فقد تقدمنا لحجز شقة في مشروع الإسكان الاجتماعي في مصر، وكان النظام المتبع أن ندفع 5 آلاف جنيه جدية حجز، وبعد قيام وزارة الإسكان بفرز الأوراق والاستعلام تقوم بتحويل الأوراق لأحد البنوك التابعة للبنك المركزي في إطار مبادرة التمويل العقاري، حيث يقوم البنك بسداد قيمة الوحدة، ثم يقوم بتحصيلها من المواطن بفائدة متناقصة 7 بالمائة سنويًّا، مع منع العميل من التصرف في الشقة بالبيع أو الهبة حتى يتم الانتهاء من السداد. فما حكم ذلك شرعًا؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 06 أكتوبر 2026 م
الفجر
5 :25
الشروق
6 :51
الظهر
12 : 43
العصر
4:4
المغرب
6 : 35
العشاء
7 :52