ما حكم متابعة النفل بعد الفرض دون فصل بينهما بذكر أو كلام؟ فكنت أصلي المغرب في بيتي، وبمجرد أن أنهيت الفريضة سارعت إلى أداء النافلة الراتبة من دون فصل بشيء، فأخبرني أخي أنه قرأ في كتاب: أنه لا بد من الفصل بين الفرض والنفل بشيء، فلا تصح متابعة النفل بعد الفرض من دون فصل بكلام أو حركة أو جلسة، فما مدى صحة هذا الكلام؟ وهل الفصل بين الفريضة والنافلة الراتبة واجبٌ؟
يُسَنُّ للمصلي الفصل بين الفريضة والسنة، سواء أفصل بجلسة يسيرة يقعدها، أم بفعل حركة في المكان أو انتقال عنه، أو بتلاوة الأوراد والأذكار جالسًا أو قائمًا، فإن لم يفعل فاته ثوابها والصلاة صحيحة ولا شيء فيها، والأولى الفصل بين المكتوبة والنافلة خروجًا من خلاف الفقهاء.
المحتويات:
من المقرر شرعًا أن النوافل من أفضل القربات، ومن أعظم أسباب محبة الله عز وجل للعبد، وصيرورته من جملة أوليائه الذين يحبهم ويحبونه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله تعالى قال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» رواه البخاري.
ويأتي على رأس النوافل الصلاة المسنونة، التي كان يتعهدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل وبعد الصلوات المفروضة، ويحث على أدائها، وتسمى الرواتب، وعدد ركعاتها اثنتا عشرة ركعة في اليوم والليلة؛ فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ» أخرجه النسائي.
إذا امتثل المسلم لطلب الشارع، وأقام فرضه، وسعى في أداء نافلته، فإن كان الفرض المؤدى هو صلاة العصر فلا صلاة راتبة بعدها، ويندب له الذكر المأثور، ولا يتعين له مكان، فإن شاء انصرف، وإن شاء مكث وذكر، أما إذا كان الفرض أحد الصلوات الخمس الأُخر وقصد أداء سنتها، فهل الأفضل الإسراع والقيام لأداء النافلة متابعة بلا فصل بين التسليم من الفرض والتحريمة في السنة أم الأفضل الفصل بين الصلاة وسنتها بكلام، سواء كان ذِكرًا أم من كلام الناس، أو بجلسة يسيرة يقعدها، أو بفعل كحركة في المكان أو انتقال عنه؟
اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة -وهو المختار للفتوى- إلى استحباب الفصل بين صلاة الفريضة وسنتها مطلقًا، وزاد المالكية كراهة الوصل بين التسليم والتكبير، واستدلوا على ذلك بما روي عن ابن جريج، قال: «أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ، ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ. فَقَالَ: نَعَمْ. صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ. فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي. فَصَلَّيْتُ. فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: لا تعد لما فعلت، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وآله وسلم أمرنا بذاك، أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أو نخرج» رواه مسلم.
فأفاد ظاهر الحديث منع متابعة الصلاة بالصلاة، وحمله الفقهاء على استحباب الفصل، وكراهة الوصل.
قال الإمام النووي في "شرحه على صحيح الإمام مسلم" معلقًا على حديث معاوية رضي الله عنه (6/ 170-171، ط. دار إحياء التراث العربي): [فيه دليل لما قاله أصحابنا: أن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحول لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره؛ ليكثر مواضع سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة، وقوله: (حتى نتكلم) دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام أيضًا، ولكن بالانتقال أفضل؛ لما ذكرناه] اهـ.
وقال العلامة العدوي المالكي في "حاشيته على شرح العَلَّامة الخرشي لمختصر خليل" (2/ 30، ط. دار الفكر): [يندب للمأموم تنفله بغير موضع فريضته، وقال الحطاب: وعلى قياسه يندب تحويله إلى مكان آخر كلما صلى ركعتين، ويكره القيام للنافلة إثر سلام الإمام من غير فصلٍ، أي: بالمعقبات وآية الكرسي] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (1/ 392-394، ط. دار الكتب العلمية): [(و) يسن (الذكر) والدعاء (بعدها) أي: الصلاة... (و) يسن (أن ينتقل للنفل) أو الفرض (من موضع فرضه) أو نفله لتكثر مواضع السجود فإنها تشهد له، ولو قال: وأن ينتقل لصلاة من محل إلى آخر لكان أشمل وأخصر واستغنى عن التقدير المذكور، قال في "المجموع": فإن لم ينتقل فليفصل بكلام إنسان] اهـ.
وقال العلامة منصور البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (1/ 424، ط. مكتبة النصر الحديثة): [(ويسن الفصل بين الفرض وسنته بكلام أو قيام) أي انتقال؛ لقول معاوية: إن النبي «أمرنا بذلك، أن لا نوصل صلاة، حتى نتكلم أو نخرج» رواه مسلم] اهـ.
وذهب الحنفية إلى أن السنة متابعة الفرض بالنفل، وأنه يكره تنزيهًا للمصلي المكث قاعدًا بعد الفرائض التي يتبعها راتبة، فإن فصل بين الصلاة وراتبتها فجلسة يسيرة أو ذكر قليل، أو تحول من مكان الفريضة إلى موضع آخر، أما إن أطال الفصل أو تكلم بكلام الناس فالمختار: أنها لا تسقط ويؤديها، وثوابها أنقص من ثوابها لو أديت عقب الفرض، بخلاف ما لو أخرها إلى آخر وقت الفريضة بلا عذر فإنها لا تكون سنة.
واستدلوا بما أخرجه مسلم عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْعُدُ مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» ثُمَّ يَقُومُ إِلَى السُّنَّةِ.
وبما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ، أَوْ يَتَأَخَّرَ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ» يعني ِفي السُّبْحَةِ، أخرجه أبو داود.
والسُّبْحَةُ هي صلاة النافلة؛ كما في "بدائع الصنائع" (1/ 287، ط. دار الكتب العلمية)؛ وذلك لأمن الالتباس؛ لأن الداخل قد يظن القائم مفترضًا فيقتدي به، ومعلوم عدم جواز إمامة المتنفل بالمفترض عند الحنفية، كما في "الاختيار لتعليل المختار" (1/ 59-60، ط. مطبعة الحلبي)؛ والانتقال أولى عندهم من الذكر.
وقال الإمام الحصكفي الحنفي في "الدر المختار" (1/ 530-531، ط. الحلبي، ومعه "حاشيته رد المحتار"): [ويكره تأخير السنة إلا بقدر: اللهم أنت السلام... إلخ. قال الحلواني: لا بأس بالفصل بالأوراد واختاره الكمال. قال الحلبي: إن أريد بالكراهةِ التنزيهيةُ ارتفع الخلاف] اهـ.
قال الإمام ابن عابدين محشيًا عليه: [(قوله: واختاره الكمال) فيه أن الذي اختاره الكمال هو الأول، وهو قول البقالي... فتحمل الكراهة في قول البقالي على التنزيهية لعدم دليل التحريمية... (قوله: يكره للإمام التنفل في مكانه) بل يتحول مخيرا كما يأتي عن المنية... والكراهة تنزيهية كما دلت عليه عبارة "الخانية"... أما المقتدي والمنفرد فإنهما إن لبثا أو قاما إلى التطوع في مكانهما الذي صليا فيه المكتوبة جاز، والأحسن أن يتطوعا في مكان آخر] اهـ.
ونقل الإمام ابن نجيم في "البحر الرائق" (2/ 53، ط. دار الكتاب الإسلامي) ما جاء في "الشافي" من قوله: [لو تكلم بعد الفريضة هل تسقط السنة؟ قيل: تسقط، وقيل: لا تسقط، ولكن ثوابه أنقص من ثوابه قبل التكلم اهـ. وفي "القنية": الكلام بعد الفرض لا يسقط السنة ولكن ينقص ثوابه وكل عمل ينافي التحريمة أيضًا وهو الأصح] اهـ.
وقال العلامة ابن مودود الحنفي في "الاختيار لتعليل المختار" (1/ 66، ط. دار الكتب العلمية): [كل صلاة بعدها سنة يكره القعود بعدها، بل يشتغل بالسنة لئلا يفصل بين السنة والمكتوبة] اهـ.
والخلاصة: أن الجمهور قد ذهبوا إلى استحباب الفصل وعدم متابعة الفرض بالنفل، وأن الفصل يحصل مطلقًا دون تقييد قدره أو ماهيته، أما الحنفية فذهبوا إلى ندب الوصل، وفصَّلوا القول في ماهية الفصل وقدره.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يُسَنُّ للمصلي الفصل بين الفريضة والسنة، سواء أفصل بجلسة يسيرة يقعدها، أم بفعل حركة في المكان أو انتقال عنه، أو بتلاوة الأوراد والأذكار جالسًا أو قائمًا، فإن فعل ذلك فقد حقَّق سنة الفصل، وإلا فاته ثوابها مع صحة صلاة النافلة، ومن ثمَّ فصلاتُكِ النافلة الراتبة بعد الانتهاء من صلاة الفريضة مباشرة دون فصل بينهما بشيء -صحيحة ولا شيء فيها، والأولى والأفضل فيما يأتي من صلوات هو الفصل بينهما بشيء، خروجًا من خلاف الفقهاء.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الاستغناء عن مسجد صغير بعمارة سكنية بعد بناء مسجد كبير أمامه؟ حيث يقول السائل: اشتريت منزلًا تقع فيه عيادتي ومسجد صغير، والسائل يرى أن في المسجد عيوبًا وهي: إزعاج المصلّين وقت الصلوات من المرضى الصاعدين والهابطين من وإلى العيادة، ووقوف الإمام خلف الجزء الأكبر من المصلين في صلاة الجمعة؛ حيث إن المسجد صغير ويصلي بعض الناس بالخارج، ويوجد ساكنين أعلى المسجد يمارسون حياتهم الطبيعية. علمًا بأني سأقوم بإنشاء مسجد أكبر أمامه؛ لإحلاله محل المسجد القديم الذي أنوي استغلاله لتوسعة العيادة، ولن أقترب من المسجد القديم إلا بعد تمام بناء المسجد الجديد، وبدء إقامة الصلوات فيه؛ فما حكم الشرع في ذلك؟
ما حكم انفراد النساء بالصلاة على الجنازة جماعة؟ حيث أعيش في إحدى الدول الأوربية، وتوفيت صديقة لي وليس لها أهل ولا أقارب يعيشون معنا في هذه الدولة، فجمعتُ صديقاتي وصلينا عليها بعد تجهيزها، فهل تصح صلاتنا هذه؟ وهل يسقط بذلك فرض الكفاية أو لا؟
ما حكم إلحاح بعض المأمومين على إمامهم الراتب بالصلاة على السجادة في الوقت الذي يخشى الإمام من الانشغال بها؟
ما حكم من فاته بعض التكبيرات في صلاة الجنازة؟ حيث تأخرتُ عن بداية صلاة الجنازة مع الإمام، وكان الإمام قد كبَّر تكبيرتين فدخلتُ معهم في الصلاة وهو في التكبيرة الثالثة، وبعد أن سلَّم الإمام تحركت الجنازة فأكملتُ ما بقي لي من التكبيرات. فما الحكم الشرعي في ذلك؟
هل من باب اللياقة والذوق والأدب أن يقف الإنسان في حضرة الإله سبحانه وتعالى لابسًا حذاءه وقت الصلاة، بينما الولد يخفي سيجارته من أبيه عند حضوره؟ أرجو من فضيلتكم إفادتي عن هذا السؤال بالأدلة من السنة الشريفة، ولفضيلتكم وافر شكري سلفًا.
ما فضل الدعاء بعد الانتهاء من الطاعات؟ لأني سمعت أنَّ الدعاء بعد فعل أيّ طاعة من الطاعات مُستجَاب؛ فما صحة هذا الأمر؟