ما حكم صلاة الجنازة على الغريق المفقود؟ فقد سأل أحد الأشخاص عن قريب له كان يهوى السباحة، وفي يوم من الأيام أخذ يسبح حتى جرفه الموج ولم يخرج، وأبلغوا الجهات المختصة ولم يتم العثور عليه حتى الآن، وقد مر على ذلك خمسة عشر يومًا، فهل يصلون عليه صلاة الجنازة أو ماذا؟
إذا عثرتْ فرقُ الإنقاذ وجهاتُ البحث على جثة القريب المذكور الذي مات غريقًا فإنه يعامل معاملة سائر الموتى من الغسل -إذا أمكن تغسيله- والتكفين والصلاة عليه والدفن، أما إذا لم يعثر على جثته ولم يعلم حاله من حياة أو وفاة، فلا يصلى عليه حتى يصدر قرارٌ من الجهة المختصة أو حكمٌ قضائي بموته، فإذا صَدَرَ قرارٌ أو حكمٌ بموته: فإنه يُصَلَّى عليه صلاة الغائب حينئذٍ.
المحتويات
يصطفي الله تعالى من عباده مَن يشاءُ زيادةً في حسناتهم ورفعًا لدرجاتهم وتكفيرًا لسيئاتهم، فيبتليهم بمصيبة في المال أو في النفس أو بفَقد عزيزٍ لديهم، فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ حَتَّى الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ» أخرجه الإمام مسلم.
وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبر والتسليم لأمر الله تعالى عند نزول البلاء وحدوث المصيبة مع التوجه إلى المولى عزَّ وجلَّ بالدعاء والرجاء بحصول عظيم الأجر ونيل جزيل الثواب، فعن أم المؤمنين السيدة أم سلمة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]، اللهُمَّ أجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» أخرجه الإمام مسلم.
قد عَدَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يموت في الماء غريقًا من الشهداء، حيث قال: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي لفظ عند مسلم: «وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ».
قال الإمام أبو الوليد الباجي في "المنتقى" (2/ 27، ط. مطبعة السعادة): [وهذه ميتات فيها شدة الأمر فتفضل الله تعالى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادةً في أجرهم حتى بلَّغهم بها مراتب الشهداء] اهـ.
وقد اتفقت كلمة العلماء وشراح السُّنَّة النبوية المطهرة على أن المراد بـ"الشهادة" الواردة في هذا الحديث الشريف وأمثاله من الأحاديث والآثار ما أطلق على صاحبها "شهيد الآخرة"، بمعنى أن الذي مات بأحد هذه الموتات المذكورات له مثل أجر الشهيد في الآخرة فقط، فهو كالشهيد حقيقةً عند الله تعالى في وُفور الأجر وعظيم الثواب دون أن تجري عليه أحكام الشهيد حقيقةً في الدنيا، ولهذا يُغسَّل ويُكفَّن كسائر الموتى.
قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (13/ 63، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيُغَسَّلون ويُصلَّى عليهم] اهـ.
مَن غَرق في الماء فإن أحكام الجنائز في حقِّه على صورتين:
الصورة الأولى: إذا عُثِر على جثته وتحقق موته؛ فإنه في هذه الحالة يُعامل كسائر الموتى: يُغسَّل -إذا أمكن تغسيله- ويُكفَّن ويُصلى عليه.
قال العلامة أكمل الدين البابرتي الحنفي في "العناية شرح الهداية" (2/ 110، ط. دار الفكر): [لو أُخْرِج الغريقُ وجب غسله] اهـ.
وقال الإمام ابن البراذعي المالكي في "التهذيب في اختصار المدونة" (1/ 341، ط. دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث): [مات بغرق أو هدم، فإنه يُغسل ويُصلى عليه] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 299، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(ويُغسل الغريق) فلا يكفي غرقه؛ لأنا مأمورون بغسل الميت فلا يسقط الفرض عنا إلا بفعلنا] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (2/ 402، ط. مكتبة القاهرة): [والغريق، إذا أمكن غسله غُسِّل، وإن خِيف تقطعه بالغسل صُبَّ عليه الماء صبًّا، ولم يمس، فإن خيف تقطعه بالماء لم يغسل، ويُيَمَّم إن أمكن، كالحي الذي يؤذيه الماء، وإن تعذر غسل الميت لعدم الماء يُيمَّم، وإن تَعَذَّر غُسْلُ بعضه دون بعض، غسل ما أمكن غسله، ويُيمَّم الباقي، كالحي سواء] اهـ.
والصورة الثانية: ألا يعثر على جثته ولا يعلم حاله من حياة أو وفاة: وحينئذٍ لا يعتبر الشخص ميتًا بمجرد فقده أو غيابه، وإنما يجب الرجوع إلى الجهات المختصة المنوط بها مهمة التحري واستظهار القرائن التي يترجح بها موته بجميع الطرق والوسائل الممكنة، ولا يكون المفقود ميتًا بحالٍ من الأحوال إلا بعد صدور قرار من الجهة المختصة أو حكم قضائي بموته، بحسب ما تقتضيه المادتان (21، و22) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929م، والتعديلات عليهما المضافة بموجب القانون 140 لسنة 2017م، ومن ثمَّ فلا تصلى الجنازة قبل الحكم باعتباره ميتًا؛ إذ من المقرر شرعًا أن صلاة الجنازة لا تكون إلا بعد موت الشخص حقيقة أو حُكْمًا، أما إذا عُلِمَ حياته أو شك فيها فلا يُصلى عليه.
قال العلامة شهاب الدين الرملي في "فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان" (ص: 412، ط. دار المنهاج) في أحكام صلاة الجنازة: [فإن شُك في موته؛ بأن احتمل عروض سكتة أو ظهرت أمارات فزع أو غيره وجب التأخير إلى العلم بموته] اهـ.
وعلى هذا فإذا صدر قرار من الجهة المختصة بموت المفقود غرقًا، فتجوز صلاة الغائب عليه حينئذٍ، على ما ذهب إليه المالكية في قول والشافعية والحنابلة في أصح الروايتين وعليها المذهب.
قال الإمام اللخمي المالكي في "التبصرة" (2/ 674، ط. أوقاف قطر): [قال عبد العزيز بن أبي سلمة: يُصلى على الغريق... قال الشيخ رضي الله عنه: القول بجواز الصلاة على الغائب أحسن] اهـ.
وقال أبو العباس القرطبي المالكي في "المفهم" (2/ 611، ط. دار ابن كثير): [فيُصلَّى على الغريق وأكيل السَّبُع، وهو قول ابن حبيب من أصحابنا] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (2/ 130، ط. المكتب الإسلامي): [تجوز الصلاة على الغائب بالنية وإن كان في غير جهة القبلة والمصلي يستقبل القبلة، وسواء كان بينهما مسافة القصر أم لا، بشرط أن يكون خارج البلد] اهـ.
وقال شمس الدين ابن قدامة الحنبلي في "الشرح الكبير" (6/ 185، ط. هجر): [ويُصلى على الغريق، إذا غَرِق قبل الغسل، كالغائب البعيد، لأنَّ الغسل تعذر لمانعٍ] اهـ.
وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي في "المبدع في شرح المقنع" (2/ 260، ط. دار الكتب العلمية): [(ويُصلى على الغائب بالنية) كالصلاة على القبر في أصح الروايتين، وظاهره: لا فرق بين الإمام وغيره، ولا مِن مسافة القصر وغيرها، في جهة القبلة أو غيرها] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإذا عثرتْ فرقُ الإنقاذ وجهاتُ البحث على جثة القريب المذكور الذي مات غريقًا فإنه يعامل معاملة سائر الموتى من الغسل -إذا أمكن تغسيله- والتكفين والصلاة عليه والدفن، أما إذا لم يعثر على جثته ولم يعلم حاله من حياة أو وفاة، فلا يصلى عليه حتى يصدر قرارٌ من الجهة المختصة أو حكمٌ قضائي بموته، فإذا صَدَرَ قرارٌ أو حكمٌ بموته: فإنه يُصَلَّى عليه صلاة الغائب حينئذٍ.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم طهارة من تيمم ثم وجد الماء قبل الشروع في أداء الصلاة؟
ماذا يعني حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للرجل الضرير الذي كان معتادًا الصلاة في المسجد بحجة أنه لا يملك أحدًا يوصله إلى المسجد فرخص له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وبعدما خطا خطوات ناداه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسأله «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ»، فقال: نعم، قال: «فأجب»؟
وطلب السائل بيان قصد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من كلمة: «فَأَجِبْ»، وهل تعتبر هذه الكلمة أمرًا من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرجل الضرير بالحضور إلى المسجد، أم قصد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمة شيئًا آخر؟
ما حكم نسيان الإمام سجدة التلاوة في الصلاة؟ فقد كنت أصلي خلف إمام المسجد، وقرأ آية فيها سجدة، لكنه نسي السجود لها، وأتم صلاته، وبعد الصلاة اختلف المصلون؛ فقال بعضهم: لو تذكَّر في الركوع كان عليه أن يعود ويسجد لها، وقال بعضهم الآخر: هي سُنَّة، ولا شيء في تركها؛ فما الصواب في هذه الحالة؟
ما حكم غلق جميع الصيدليات وقت الصلاة، حيث يوجد بالمدينة التي أعيش فيها خمس صيدليات أهلية داخل المدينة، وكل هذه الصيدليات تُقفَل للتوجُّه لأداء الصلوات المكتوبة بالمساجد، والتي تستغرق من نصف إلى ثلاثة أرباع ساعة حسب بُعد المسجد وقُربِه، وقد يحضر المرضى والمصابون للعيادات التي تقوم على الفور بطلب الدواء اللازم لحالة المريض أو المصاب من الحوادث، والحالات تتراوح ما بين المتوسطة إلى الحالات الحرجة والخطرة التي تتطلب دواءً فوريًّا كمرضى القلب أو الجلطات أو نزيف الدم، وقد حصل معي هذا أكثر من مَرَّة وأُشهِد الله على ذلك، وقد قمت في المرة الأخيرة بتوبيخ أحد الصيادلة، وكان يُقفِل الصيدلية لأداء فريضة صلاة العشاء والتي غاب فيها نصفَ ساعة، مما ترتَّب عليها في حالة المريضِ ما ترتَّب، وقلت له حسب فهمي البسيط -كمواطنٍ مسلمٍ- لدينِ الإسلام: إن إنقاذَ حياة مريضٍ أفضلُ مِن صلاتك في المسجد وقَفْلك للصيدلية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
وعليه: ما حكم الإسلام في قفل الصيدلية وقت الصلاة لأكثر من نصف ساعة وترك الحالات المَرَضِيَّة المذكورة دون أن توجد بين الصيدليات صيدلياتٌ مُناوِبة؟ وهل يجوز للصيدلي أن يؤدي صلاته في مكان عمله ويتابع صرف الدواء للمرضى أصحاب الحالات الحرجة؟
ما حكم التعدي على الأضرحة ونبش قبور الأولياء؟ حيث يوجد عندنا في القرية مسجد قديم في مقدمته ضريح؛ فأراد أهل القرية هدمه وتوسعة المسجد، وأثناء عملية الهدم وجدنا بالضريح عظامًا لصاحبه؛ فقمنا بتكفينها ودفنها في مقبرة ولي آخر؛ فلما تمَّ الانتهاء من بناء وتوسعة المسجد، قال بعضنا: لابدَّ من بناء مقبرة داخل المسجد والنبش عن هذه العظام وإعادتها إلى هذه المقبرة في المسجد مرة أخرى؛ فما حكم ذلك شرعًا؟
ما حكم بناء مقبرة تحت طريق مروري؟ فنحن نملك مقبرة وقد امتلأت عن آخرها بالجثث ونرغب في بناء حجرة في الشارع المار من أمام المقبرة ومسقوفة بسقف خرسانة بسمك عشرين سنتيمترًا، علمًا بأن هذه الحجرة تكون تحت الأرض في الشارع وسيمر من فوقها أناس غيرنا لدفن موتاهم في المقابر المجاورة، فهل يجوز البناء ووضع الجثث القديمة بها، علمًا بأننا لا نستطيع بناء مقابر جديدة في الأرض الزراعية، وإذا كان الأمر غير جائز فما هو الحال في إيواء الجثث القديمة؟