هل يجوز تبادل زكاة الفطر بين الفقراء بعضهم لبعض، بأن يأخذ إنسان فقير زكاة الفطر من غيره، فيتملكها، ثم يقوم بإعطائها بعد ذلك إلى نفس الفقير الذي دفعها إليه ابتداء؟
لا مانع شرعًا مِن تبادل الإعطاء والأخذ في زكاة الفطر بين المستحقين لها، بشرْط كونِ وصْف مصارف الزكاة متحققًا في المعطِي والآخِذ كليهما، وبشرْطِ عدم الاتّفاقِ على رجوعِ ما أخرجه الشخصُ إليه مرة أخرى، وإنما يكون هذا الرجوعُ بسببٍ جديد، وهو الفقر ونحوه من أسبابِ استحقاق الزكاة.
المحتويات
مِن المُقَرَّر شرعًا أن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم، وقد شرعت تطهيرًا للصائم من اللغو والرفث، وجبرًا لنقص ثواب الصيام، وللرفق بالفقراء والمساكين، وإغنائهم عن السؤال في يوم العيد، وجبر خواطرهم، وإدخال السرور عليهم، في يوم يُسَرُّ فيه المسلمون، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ» أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقي.
قال العلامة بدرُ الدين العيني في "شرح سنن أبي داود" (6/ 317، ط. مكتبة الرشد): [فيه بيانُ أن صدقة الفطر واجبةٌ، وبه استدلَّ الجمهور على وجُوبِ صدقة الفطر] اهـ.
وقال تاجُ الدين الفاكِهاني في "شرح عمدة الأحكام" (3/ 346، ط. دار النوادر): [قال العلماء: شرع رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم صدقة الفطر لحكمتين: الأولى: أن تكون طُهرة لرفَثِ الصَّوم، وقد قيل: إنَّ الصيام يبقى موقوفًا لا يرتفِعُ إلى الله عز وجلَّ -على معنى الرِّضا والقبول- إلَّا بعد إخراجِها، الثانية: إغناءُ الفقراء عن سؤالِ يوم العيد، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «أغْنُوهم عن سؤالِ هذا اليوم»] اهـ.
قد أجمع العلماء على أن المعسر لا تجب علية زكاة الفطر، قال العلامة ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (1/ 219، ط. الفاروق الحديثة): [وأجمعوا أنها -أي: زكاة الفطر-لا تجب على من لا شيء له] اهـ.
والشرطُ في وجوبِ زكاة الفطر -على المختار للفتوى- هو امتلاكُ الشخص ما يفضُل عن نفقته لليلة العيد ويومه ومن يعول.
قال الإمام النووي في "المجموع" (6/ 110، ط. دار الفكر): [فالمعسر لا فطرة عليه بلا خلاف، قال المصنف والأصحاب: والاعتبار باليسار والإعسار بحال الوجوب، فمن فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته لليلة العيد ويومه صاع فهو موسر، وإن لم يفضل شيء فهو معسر ولا يلزمه شيء] اهـ.
مصارفُ زكاةِ الفطر: هي مصارفُ زكاة المالِ الثمانية عند جمهور الفقهاء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].
والرجوعُ في الصدقة ممتنِعٌ باتفاق العلماءِ، قال ابنُ رشد في "بداية المجتهد" (4/ 117، ط. دار الحديث): [وأجمعوا على أنَّ الهبة التي يراد بها الصدقة (أي: وجه الله) أنه لا يجوز لأحد الرجوع فيها] اهـ.
وإنما يجوز رجوعُها بالميراثِ بلا خلاف؛ لأنه جبريٌّ فيتملَّك الوارث تركة مورِّثه تملُّكا قهريًّا بمجرَّد موت المورِّث. يُنظر: "المختصر الفقهي" للإمام ابن عرفة التونسي (9/ 33، ط. مؤسسة الحبتور).
وهذا ما حكي الإجماع عليه، قال العلامة ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (1/ 224): [وأجمعوا أن من تصدق بصدقة ثم ورثها أنها حلال له] اهـ.
وقد تتابعت نصوصُ الفقهاء مِن المذاهب الأربعة على كراهة تملُّك الصدقة من الفقير، سواء أكان ذلك بالشراء أو الهبة أو الصدقة.
قال الإمام بدرُ الدين العيني الحنفي في "شرح السنن" (6/ 294): [يُكره لمن تصدَّق بشيء أو أخرجَه في زكاةٍ أو كفارة أو نَذْرٍ ونحو ذلك مِن القُربات أن يشترِيَه ممَّن دفعه هو إليه، أو يستوعِبه، أو يتملَّكه باختيارِهِ منه] اهـ.
وقال الشَّيخ أحمد الدردير المالكي في "الشرح الصغير" (4/ 154-155، ط. دار المعارف): [(وكُرِه) لمن تصدَّق بصدقة (تمَلُّكُ صدقة) تصدق بها على غيره (بغَير إرْث): بل بشراء أو هبة أو صدقة] اهـ.
وقال الشَّيخ زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (1/ 408، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(ويُكره) للإنسان (أن يتملَّك) بمعاوضة أو هبة أو نحوها (صدقتَه أو زكاتَه) أو كفارته أو نذره أو نحوها (مِن الفقيرِ) الذي أخذها] اهـ.
وقال العلامة أبو السَّعادات البهوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 419، ط. عالم الكتب): [(و) يحْرُم على مزك، متصدِّق (شراءُ زكاتِه أو صدقتِه) ولو مِن غير أخْذها منه] اهـ.
بخصوص تبادل الإعْطاء في زكاة الفطر بين مستحِقِّيها، كما لو كان الشخص عنده ما يفضُل عن نفقته لليلة العيد ويومه ومن يعول، فقام بإخراج زكاة الفطر لأحد جيرانه الفقراء، ثم قام الجار بإخراج زكاة الفطر التي وجبت عليه إلى الشخص الذي أعطاه زكاته، دون اتفاق مسبق بينهما، فقد ذهب الحنفية إلى عدم إيجابِ زكاة الفطر على الفقير، وإنما تجب في حق من ملك نصاب الزكاة، قال العلامة ابن مودود الموصلي الحنفي في "المختار للفتوى" (1/ 123، ط. الحلبي): [باب صدقة الفطر: وهي واجبة على الحر المسلم المالك لمقدار النصاب فاضلا عن حوائجه الأصلية] اهـ.
فلو أخذ الفقير زكاة الفطر من غيره، وقام بإعطائها إلى هذا الغير؛ لفقره كان اشتغالا بما لا يفيد، والشرع منزه عن ذلك، قال العلامة السرخسي الحنفي في "المبسوط" (3/ 102، ط. دار المعرفة): [(ولنا) قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى»؛ ولأنَّ الفقير محل الصرف إليه فلا يجب عليه الأداء كالذي لا يملك إلا قوت يومه؛ وهذا لأن الشرع لا يرد بما لا يفيد فلو قلنا بأنه يأخذ من غيره ويؤدي عن نفسه كان اشتغالا بما لا يفيد] اهـ.
وذهب جمهور الفقهاء من المالكية الشافعية والحنابلة إلى أنه لا بأس بذلك شرعًا، بشرْط كونِ وصْف مصارف الزكاة متحققًا في المعطِي والآخِذ كليهما، وبشرْطِ عدم الاتّفاقِ على رجوعِ ما أخرجه الشخصُ إليه مرة أخرى؛ لأنَّ ذلك من الحِيَل الممنوعة، وإنما يكون هذا الرجوعُ بسببٍ جديد، وهو الفقر ونحوه من أسبابِ استحقاق الزكاة، قياسًا على الميراث، بجامع الرجوعِ للمال في كلٍّ؛ فلو أنَّ شخصًا وَهَبَ منزله لأخيه، ثم توفي هذا الأخ وورِثَه الأولُ مثلًا، فقد عادَ المنزلُ إليه مرةً أخرى، ولكن بسبب جديد، ألا وهو الإرْثُ.
قال العلامة ابن أبي زيد القيرواني المالكي في "النوادر والزيادات" (2/ 304، ط. دار الغرب الإسلامي): [قال ابنُ القاسمِ، عن مالكٍ، في "كتاب" ابن الْمَوَّاز: وليؤدِّ الرجلُ الفطرة، وإن كان ممن يَحِلُّ له أَنْ يأخذها، قال عنه في "العُتْبِيَّة": وإذا أدَّى الفقيرُ زكاة الفطر، فلا أرى أَنْ يُعْطَى منها. ثم رجع فأجازه إن كان محتاجًا] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (6/ 139): [قال الشافعي في المختصر في هذا الباب ولا بأس أن يأخذها بعد أدائها إذا كان محتاجا وغيرها من الصدقات المفروضات وتطوع. هذا نصه، واتفق الأصحاب عليه... ودليلنا: أنها صارت للمدفوع إليه بالقبض فجاز أخذها كسائر أمواله؛ ولأنه دفعها لمعنى وهو اليسار بالفطرة وأخذها بمعنى الحاجة وهما سببان مختلفان فلم يمتنعا، كما لو عادت إليه بإرث، فإنه يجوز بالإجماع] اهـ.
وقال العلامة أبو السعادات منصور البهوتي في "كشاف القناع" (2/ 294، ط. دار الكتب العلمية): [(ولفقيرٍ إخراجُ فطرة، وزكاة عَن نفْسِهِ إلى مَن أُخِذَتَا مِنْه)؛ لأنه رَدَّ بسببٍ مُتجَدّد أشْبَهَ ما لو عادَتْ إليْه بميراثٍ (ما لم يَكُن حِيلة)، كأن يشرط عليه عند الإعطاء أن يردَّها إليه عن نفسِه] اهـ.
ومِن مقاصد مشروعيَّة زكاة الفطر التسْوية بين الفقير والغنيّ في التطهُّر من الذنوب، قال الإمام الخطابي في "معالم السنن" (2/ 47، ط. المطبعة العلمية): [قد عُلِّلَت بأنها طُهرة للصَّائم مِن الرَّفث واللغو، فهي واجِبةٌ على كلِّ صائم غنِيٍّ ذي جِدَّة ويُسرٍ أو فقير يجدها فضلًا عن قوته، إذ كان وجوبها عليه بعلة التطهير، وكلٌّ من الصائمين محتاجون إليها، فإذا اشتركوا في العلة اشتركوا في الوجوب] اهـ.
بناء على ما سبق وفي واقعة السؤال: فلا مانع شرعًا مِن تبادل الإعطاء والأخذ في زكاة الفطر بين المستحقين لها، بشرْط كونِ وصْف مصارف الزكاة متحققًا في المعطِي والآخِذ كليهما، وبشرْطِ عدم الاتّفاقِ على رجوعِ ما أخرجه الشخصُ إليه مرة أخرى، وإنما يكون هذا الرجوعُ بسببٍ جديد، وهو الفقر ونحوه من أسبابِ استحقاق الزكاة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الزكاة في المأكولات البحرية؟ وهل ما يتم صيده من البحر تجب فيه الزكاة؟ وهل باعتبار كونه من الأقوات له مدخل في وجوب الزكاة فيه مثل الزروع والثمار؟
ما حكم خصم تكاليف الإنتاج الزراعي من الزكاة عند إخراجها؟ فأنا مزارع للخضراوات، وتزيد تكاليف زراعتها عليَّ؛ حيث أقوم مِن مالي الشخصي بشراء الشتلات أو البذور وأتكلف أُجَر العمال في العزيق والجمع والنقل والآلات، وشراء الأسمدة والمبيدات، أولًا بأولٍ، وهي نفقات باهظة؛ فهل يجوز لي خصم قيمة هذه النفقات من الثمار قبل إخراج زكاتها؟ وما الحكم في حالة ما إذا كان شراء هذه المستلزمات على سبيل الاستدانة من المحلات على أن أسددها بعد الحصاد؟
ما هو وقت إخراج زكاة الفطر؟ وهل يجوز إخراجها مالًا نقديًا؟ حيث يرى البعض أنه لا يجوز إخراج زكاة الفطر إلا بعد رؤية هلال شوال، وحتى قبل صلاة العيد فقط، وأنَّها لا تُخْرَج إلا في صورة حبوب فقط، ولا تخرج بالقيمة، فما مدى صحة هذا الكلام؟
ما حكم الزكاة لمن عليه دين بسبب كساد تجارته؟ فرجل تاجر أخذ مبالغ مالية من بعض الأشخاص بغرض التجارة ولكن تجارته كسدت، وأصبح مدينًا للعديد من الأشخاص بمبالغ طائلة لا يستطيع الوفاء بها، وتريد جهة خيرية الوفاء بهذه الديون عنه من أموال الزكاة بصفته من الغارمين، فهل يصحُّ؟ وهل هذا الشخص ينطبق عليه صفة الغارم وبالتالي يستحق في أموال الزكاة؟
ما الرأي الشرعي فيما يأتي:
أولًا: هل يستحق المريض عقليًّا الذي لا يستطيع الحصول على حقوقه شيئًا من الزكاة؟
ثانيًا: إذا وُجد طفل معاق في أسرة غنية، ولكنه محروم من حقوقه ومن الإنفاق عليه لرعايته وعلاجه. فهل يُصرَف له من الزكاة؟
ثالثًا: هل يجوز صرف الزكاة في شراء الأجهزة الطبية لذوي الهمم، وتوفير سيارة لنقلهم من منازلهم للمؤسسات التي ترعاهم؟
هل يجوز إخراج زكاة المال السنوية بالقسط على مدار سنة كاملة، مع العلم بأنه سيتم صرفها في نفس سنة الدفع؟ (للتوضيح: لو أن زكاتي ستون ألف جنيه، وميعاد دفعها في شهر المحرم، فهل يجوز لي أن أدفع المبلغ بالقسط إلى شهر ذي الحجة من نفس العام، بمعدل ستة آلاف جنيه شهريًّا، مع العلم بأني سأدفعها لمكان خيري، وسوف يتم صرف المبلغ في نفس سنة وشهر الدفع). وشكرًا جزيلًا لكم.