حكم الاعتماد على التقارير الطبية الصادرة عن الذكاء الاصطناعي

تاريخ الفتوى: 03 مارس 2026 م
رقم الفتوى: 8897
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الطب والتداوي
حكم الاعتماد على التقارير الطبية الصادرة عن الذكاء الاصطناعي

هل يصح شرعًا الاعتماد على التقارير الطبية الصادرة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي في تقرير الأحكام الطبية؟

التقارير الطبيَّة الصادرة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي إذا كانت تعمل كأداة مساعدة للطبيب البشري، مع إشرافه ومتابعته ومراجعته واعتماده وتوقيعه- فإنّه يمكن الاعتماد عليها في تقرير الأحكام الطبيَّة.

أما إذا صدرت عن الذكاء الاصطناعي بشكل منفرد دون إشراف بشري فيمتنع شرعًا في هذه الحالة الاعتماد عليها؛ لكونها تفتقر إلى الأمانة والدقة والقدرة على تحمل المسؤولية الجنائية والأخلاقية، كما أنه لم يتم الاعتراف بها حتى الآن من قبل الجماعة العلميَّة الطبيَّة رغم امتلاكها الخبرة البرمجية.

المحتويات

 

الرجوع إلى الأطباء في إصدار التقارير الطبية

من الأصول المقررة شرعًا إناطة الأحكام بمقاصدها ومعرفة مناطاتها بالرجوع إلى أهل الخبرة في تصوير المسائل التي يُبنى عليها الحكم، إرساءً لمبدأ التخصص واستشارة أهل الخبرة والكفاءة؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

فالعلم والخبرة الفنية من المرجعيات الحاكمة في توصيف الواقع الذي يُنزَّل عليه الحكم الشرعي، خاصة في مقام "حفظ النفس"؛ الذي هو أحد المقاصد الكلية الخمسة للشريعة الإسلامية، والمقصد الأسمى الذي تعاضدت الشرائع على حفظه.

ويقتضي إعمال هذا الأصل في المجال الطبي الرجوع إلى الأطباء في إصدار التقارير الطبية، وهي: ما يحرّره الطبيب بعد دراسته لحالة المريض دراسة وافية وتشخيص المرض الذي يشكو منه، أو بعد انتهاء فترة العلاج، أو بعد الجراحة، كما جاء في "الموسوعة الطبية الفقهية" للدكتور أحمد محمد كنعان (ص: 214، ط. دار النفائس).

وهذه التقارير في حقيقتها توثيق لقول الطبيب الذي اعتبره الفقهاء مؤثرًا في تصوير المسألة، والذي هو أحد مراحل الفتوى الأربع، ومن ثم انتقلوا إلى التكييف، ثم الحكم، ثم تنزيل الحكم على الواقعة محل البحث والدراسة.

وعلى ذلك تواردت نصوص الفقهاء:

قال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (13/ 110، ط. دار المعرفة) عند الحديث عن العيوب في البيوع: [ونوع من ذلك عيب لا يعرفه إلا الأطباء، فعلى القاضي أن يريه مسلمين عدلين من الأطباء؛ لأن علم ذلك عندهم، وإنما يرجع في معرفة كل شيء إلى من له بصر في ذلك الباب كما في معرفة القيمة، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] ولا بد من العدد في ذلك؛ لأنه قول ملزم كالشهادة، فإذا قالا: العيب موجود فيه وقالا: هو مما لا يحدث في مثل هذه المدة، حكم بالرد بقولهما] اهـ.

وقال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (5/ 12-13، ط. دار الفكر): [والمرجع في الحبل إلى قول النساء، وفي الداء إلى قول الأطباء، واشترط لثبوت العيب قول عدلين منهم.] اهـ.

وقال الشيخ العدوي المالكي في "حاشيته على كفاية الطالب الرباني" (1/ 448، ط. دار الفكر) في بيان متى يباح الفطر في رمضان: [والخوف المجوز للفطر هو المستند صاحبه إلى قول طبيب حاذق] اهـ.

وقال العلامة المواق المالكي في "التاج والإكليل" (6/ 389، ط. دار الكتب العلمية) في الكلام عن مبطلات الخيار وموانعه: [إن كان العيب مما يطلع عليه الرجال، فقال محمد وغيره: لا يثبت إلا بقول عدلين من أهل العلم بتلك السلعة أو عيوبها، فإن كان مما لا يعلمه إلا أهل العلم به كالأمراض التي لا يعرف أسرارها إلا الأطباء فلا يقبل إلا قول أهل المعرفة بذلك، فإن كانوا من أهل العدل فهو أتم، وإن لم يوجد فيهم أهل عدل قبل فيهم قول غيرهم وإن لم يكونوا مسلمين؛ لأن طريق ذلك الخبر مما ينفردون بعلمه] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "منهاج الطالبين" (ص: 191، ط. دار الفكر) في بيان كيفية التحقق من طبيعة المرض ودرجة خطورته عند الشك: [ولو شككنا في كونه مخوفًا لم يثبت إلا بطبيبين حُرَّيْن عدلين] اهـ.

وقال العلامة البهوتى الحنبلي في "الروض المربع" (ص: 724، ط. دار المؤيد) عند حديثه عن شروط من تقبل شهادته: [ويقبل في داء وموضحة طبيب وبيطار واحد مع عدم غيره، فإن لم يتعذر فاثنان] اهـ.

حكم الاعتماد على التقارير الطبية الصادرة عن الذكاء الاصطناعي

في الواقع المعاصر قد تداخلت أنظمة الذكاء الاصطناعي مع المجال الطبي، سواء بنماذج واسعة الانتشار يستخدمها الناس بسهولة، أو بنماذج متقدمة متعددة الوسائط، وتعاطت معه بعدد من الأشكال، مما جعل إصدار هذه الأنظمة للتقارير الطبية أحد النوازل المستجدة، ويتخذ إصدار الذكاء الاصطناعي للتقارير الطبية إحدى صورتين:

الصورة الأولى: استخدام الذكاء الاصطناعي كنظام مساعد للطبيب البشري، بحيث يقوم النظام بالتحليل الأولي ويقوم الطبيب بالإشراف والمتابعة والمراجعة والاعتماد.

والأصل في هذه الصورة: الإباحة، كما هو مقرر من أن "الأصل في الأشياء النافعة الإباحة"؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: 29].

وعن أبي ثعلبة الْخُشَنِيِّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» أخرجه الإمام الطبراني في "المعجم الكبير".

قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (1/ 279، ط. دار الفكر): [دلَّ على أن الأصل في الأشياء الإباحة، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة: 29)] اهـ.

وقال الإمام بدر الدين الزركشي في "البحر المحيط" (8/ 9، ط. دار الكتبي): [فجعل الأصل الإباحة، والتحريم مستثنى] اهـ.

ويُنظر إلى الذكاء الاصطناعي في هذه الحالة على أنه أداة تابعة في الحكم للغاية منها، فللوسائل أحكام مقاصدها؛ قال سلطان العلماء العز ابن عبد السلام في "الفوائد في اختصار المقاصد" (ص: 43، ط. دار الفكر): [وللوسائل أحكام المقاصد من الندب والإيجاب والتحريم والكراهة والإباحة] اهـ.

وقال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (2/ 353، ط. دار ابن عفان): [وقد تقرر أن الوسائل من حيث هي وسائل غير مقصودة لأنفسها، وإنما هي تبع للمقاصد بحيث لو سقطت المقاصد سقطت الوسائل] اهـ.

فمتى كان استخدام الذكاء الاصطناعي وسيلة لتحقيق مقصد معين كان له حكم مقصده، وهو في هذه الصورة يستخدم كنظام مساعد للطبيب، يساعده في إعداد وإصدار التقارير الطبية، ومن ثم يمكن الاعتماد على تلك التقارير الطبية حينئذ؛ إذ حجيتها مستمدة من الطبيب المختص.

الصورة الثانية: استخدام الذكاء الاصطناعي كنظام بديل عن الطبيب البشري، بحيث ينفرد بإصدار التقارير الطبية دون إشراف وتدقيق مباشر.

وفي هذه الصورة لا يصحُّ شرعًا الاعتماد على هذه التقارير الطبيَّة في تقرير حكم قاطع؛ وذلك لاحتمالية الخطأ البرمجي، والاختراق والقرصنة، وغياب الرقابة البشرية، كما أنه يترتب غالبًا على الاستقلال الآلي مفاسد تضيع معها الحقوق والأنفس، فالآلة وإن امتلكت الخبرة البرمجية، إلا أنها تفتقر إلى الأمانة، والدقة، والقدرة على تحمل المسؤولية الجنائية والأخلاقية، مما يجعل انفرادها بالقرار مظنة لضياع الحقوق والإضرار بالمصالح، و"الضرر يزال" كما هو مقرر في القواعد، بمعنى: أن الضرر مدفوع كله؛ عملًا بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» رواه الإمام ابن ماجه والإمام أحمد، واستند إليه الفقهاء في تقرير القاعدة الفقهية الكلية الكبرى "لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ".

قال الإمام الزركشي في "تشنيف المسامع" (3/ 35، ط. مكتبة قرطبة) في بيان المراد بالضرر والضرار: [الضرر: هو الإضرار بالآخرين لمنفعة تعود على المضر، والضرار: هو الإضرار بالآخرين بدون منفعة تعود على فاعل الضرر. وقال الطوفي: الضرر: إلحاق مفسدة بالغير مطلقًا، والضرار: إلحاق مفسدة به على جهة المقابلة -أي كل منهما يقصد ضرر صاحبه- فالحديث ينفي إلحاق المرء الضرر بغيره مطلقًا. فهذه قاعدة عامة، أغلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها منافذ الضرر والفساد، سواء أكان الضرر فيه منفعة تعود على المضر أم لا، وإذا نهي عن الضرر كان الأمر بضده -وهو مراعاة المصالح بين الناس- ثابتا بالمفهوم المخالف، لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما] اهـ.

فما كان طريقًا للضرر أو الضرار وجب منعه والابتعاد عنه، قال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (3/ 185، ط. دار ابن عفان): [الضرر والضرار مبثوث منعه في الشريعة كلها] اهـ.

وهذا ما يتماشى تمامًا مع التوجهات الدولية المعاصرة؛ ويتسق مع ما جاء في التقرير الإرشادي لمنظمة الصحة العالمية (WHO) الصادر في يناير لسنة 2024م بشأن "أخلاقيات وحوكمة الذكاء الاصطناعي التوليدي السريعة التطور والمُستعملة تطبيقاته في كل نواحي الرعاية الصحية"، حيث حذر من تفويض الخيارات الطبية الصعبة والحساسة لهذه النماذج بشكل مستقل؛ فنص على أنَّه: [ورغم البدء في استعمال نماذج الذكاء الاصطناعي لأغراض صحية محددة، فإن هناك أيضًا مخاطر موثقة تتعلق بإنتاج بيانات خاطئة، أو غير دقيقة، أو متحيزة، أو ناقصة، ممّا قد يلحق الضرر بمن يستخدمون تلك المعلومات في اتخاذ قرارات بشأن الصحة. وعلاوة على ذلك، قد تُدرب نماذج الذكاء الاصطناعي على بيانات رديئة النوعية أو متحيزة، سواء على أساس الانتماء العرقي أو الإثني أو النسب أو الجنس أو الهوية الجنسانية أو العمر] اهـ.

ويتلخص مما سبق: أن الذكاء الاصطناعي وإن كان مباحًا من حيث الأصل إلا أنه في المجال الطبي لا يصحُّ شرعًا الاعتماد عليه وحده في إصدار التقارير الطبية دون إشراف طبيب متابع ومحرر ومراجع ومدقق، فالأمر يتعلق بالأبدان والأنفس والحقوق والواجبات، ويحتاط في هذا المجال أكثر من غيره، فالقاعدة أن "الأصل في الأشياء النافعة الإباحة"، فما فيه النفع يؤذن فيه، وما لا يحقق النفع أو تكون أضراره أكثر من منافعه فيجتنب، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

قال سلطان العلماء العزُّ بن عبد السلام في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" (1/ 11، ط. مكتبة الكليات الأزهرية): [والشريعة كلها مصالح: إما تدرأ مفاسد، أو تجلب مصالح، فإذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فتأمل وصيته بعد ندائه، فلا تجد إلا خيرًا يحثك عليه، أو شرًّا يزجرك عنه، أو جمعًا بين الحث والزجر، وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسدِ؛ حثًّا على اجتناب المفاسد، وما في بعض الأحكام من المصالح؛ حثًّا على إتيان المصالح] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي السؤال: فإن التقارير الطبيَّة الصادرة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي إذا كانت تعمل كأداة مساعدة للطبيب البشري، مع إشرافه ومتابعته ومراجعته واعتماده وتوقيعه- يمكن الاعتماد عليها في تقرير الأحكام الطبيَّة، أما إذا صدرت عن الذكاء الاصطناعي بشكل منفرد دون إشراف بشري فيمتنع شرعًا في هذه الحالة الاعتماد عليها؛ لكونها تفتقر إلى الأمانة والدقة والقدرة على تحمل المسؤولية الجنائية والأخلاقية، كما أنه لم يتم الاعتراف بها حتى الآن من قبل الجماعة العلميَّة الطبيَّة رغم امتلاكها الخبرة البرمجية.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

هل يجوز لي التيمم بدلًا من الاغتسال لصلاة الفجر حاضرًا خوفًا من المرض وقبل خروج الوقت، وعند الاغتسال قبل صلاة الظهر أقوم بإعادة صلاة الصبح مع العلم أني أصاب بنزلات برد ولا أستطيع النوم بعد الاغتسال بسبب البرد؟


ما حكم وضع مريض القلب حبة تحت اللسان في نهار رمضان لعلاج الذبحة الصدرية؟ فأنا أعاني من ذبحة صدرية وأحيانًا -حالَ الصيام- تأتيني النوبةُ، فأحتاج إلى وضع حبة دواء تحت اللسان من أجل عودة الأمور إلى طبيعتها؛ فهل يفسد ذلك الصوم؟


ما حكم الشرع في التداوي من الأمراض؛ خاصة الأمراض الوبائية؟ وما موقف الشرع من التواكل؟


ما حكم تشريح الحيوانات بغرض الدراسة العلمية؟ ففي بعض الجامعات والمدارس يتم تشريح الحيوانات الحية بغرض الدراسة العملية مما يعرضها لمعاناة، وقد يودي بحياة بعضها في النهاية، مع العلم أنه قد وُجد الآن بدائل تؤدي نفس الغرض وقد ثبتت فاعليتها عمليًّا: كنماذج المحاكاة، أو برامج الحاسب الآلي المتطورة، أو الأفلام التعليمية، أو حتى الحيوانات الميتة، أو عن طريق الممارسة الواقعية مع المرضى من البشر أو الحيوانات، وغير ذلك من البدائل. فما الحكم الشرعي في ذلك في ضوء ما ذكرناه؟


ما كيفية تسوية الصف في الصلاة بالنسبة للجالس على الكرسي؟ وهل لا بد مِن المساواة بالقَدِم بينه وبين مَن يصلي بجانبه قائمًا؟ فرجلٌ يصلي على كرسي في الصف خلف الإمام بجوار غيره من المأمومين، ويضع قدميه حذو قدم مَن يصلي بجواره حتى يكون مستويًا معهم على خط الصف، مع العلم أَنَّ الكرسي يعيق حركة سجود المصلي خلفه لتأخر الكرسي قليلًا عن الصف حتى أَخَذ مِن حيز مكان المصلي خلفه.


ما حكم التبرع بالدم وثوابه؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 27 أبريل 2026 م
الفجر
4 :42
الشروق
6 :16
الظهر
12 : 53
العصر
4:29
المغرب
7 : 30
العشاء
8 :53