حكم الجمع بين العقيقة ووليمة الزواج في شاة واحدة

تاريخ الفتوى: 21 أبريل 2026 م
رقم الفتوى: 8954
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الاحتفالات
حكم الجمع بين العقيقة ووليمة الزواج في شاة واحدة

ما حكم الجمع بين نية العقيقة ووليمة الزواج في ذبيحةٍ واحدة؟ فإن لي صديقًا قد اقترب موعد زواجه، ويريد أن يُعد طعامًا وليمةً للزفاف، ولم يكن قد عُقَّ عنه من قبل، فهل يصح أن يذبح شاة للعقيقة، ويجعل لحمها في وليمة العرس؟

العقيقة ووليمة العرس سُنَّتان مؤكدتان، تُطلبان بحسب يسار المكلَّف وقدرته عليهما، شكرًا لله تعالى على تجدُّدِ نعمهِ وتتابُع مِنَنهِ، والأصلُ استحبابُ إفراد كلٍّ منهما مستقلة عن الأخرى؛ طلبًا لكمال الامتثال، واستيفاءً لحِكَمِ كلٍّ منهما ومعانيه على وجهه التام، ولأن ما كان أكثر فعلًا كان أعظم أجرًا، سواء أكان ذلك بذبح شاتين لكلٍّ منهما، أم بما يقوم مقامها بالاشتراك في بدنةٍ أو بقرةٍ بسُبُعٍ فأكثر لكل واحدةٍ منهما، أو بأن يُفرد للعقيقة شاة أو ما يقوم مقامها، ويُعدَّ لوليمة العرس ما تيسَّر من الطعام، ومع ذلك فإنه إذا أراد المكلَّف الجمع بين ذبيحة العقيقة ووليمة العرس في وقت واحد بشاةٍ واحدة يذبحها بنية العقيقة عن نفسه، ويجعل لحمها طعامًا لوليمة زواجه، أجزأت العقيقة بهذه الشاة، وتحقَّقت وليمة العرس بما يحصل من الإطعام منها.

المحتويات

 

الشكر على نعمة المولود ونعمة النكاح

من نعم الله تعالى على عباده: ما يُجدِّده لهم من أسباب الفرح والسرور، كنعمة المولود، ونعمة النكاح، وقد شرع لهم عند ذلك من الشعائر والقربات ما يُعبِّرون به عن شكر هذه النعم، ويُظهرون بها الفرح المشروع، ويُحقِّقون بها معاني التوسعة وإطعام الطعام، وتقوية أواصر المودة بين الناس.

ومن هذه الشعائر: العقيقة عند المولود، ووليمة العرس عند النكاح.

بيان المراد بالعقيقة وحكمها

العقيقة شرعًا هي: الذبيحة التي تذبح عن المولود، ذكرًا كان أو أنثى.

قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (9/ 458، ط. مكتبة القاهرة): [العقيقة: الذبيحة التي تذبح عن المولود. وقيل: هي الطعام الذي يصنع ويدعى إليه من أجل المولود] اهـ.

والعقيقة في أصلها من العادات المعروفة عند العرب، حيث كانوا بها يتلطَّفون بإشاعة نسب الولد بعد ولادته بإكرام الناس وإطعامهم، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقرها، وأمر بها، وفعلها هو وصحابتُهُ الكرام رضوان الله عليهم، والسلف والخلف من بعدهم.

فعن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبا بريدة رضي الله عنه يقول: «كُنَّا فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً، وَلَطَّخَ رَأسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللهُ بِالإِسلَامِ كُنَّا نَذبَحُ شَاةً، وَنَحلِقُ رَأسَهُ، وَنُلَطِّخُهُ بِزَعفَرَانٍ» أخرجه الأئمة: أبو داود، والبيهقي، والحاكم وقال: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه". والزعفران: نوع من الطِّيب.

وعن سلمان بن عامر الضَّبِّي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَعَ الغُلَامِ عَقِيقَةٌ، فَأَهرِيقُوا عَنهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنهُ الأَذَى» أخرجه الإمام البخاري.

وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَينِ» أخرجه الأئمة: أحمد، والنسائي، وفي رواية أبي داود من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بزيادة: «كَبشًا كَبشًا».

والعقيقة -على المختار للفتوى- سُنةٌ مؤكدةٌ، مطلوبةٌ بحسبِ يسار المكلَّف وملاءته.

قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (9/ 459): [والعقيقة سُنة في قول عامة أهل العلم، منهم: ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وفقهاء التابعين، وأئمة الأمصار، إلا أصحاب الرأي] اهـ.
وتتجلَّى الحكمة من مشروعيتها في كونها قربةً إلى الله تعالى، تشتمل على جملةٍ من المقاصد الشرعية؛ إذ يُرجى بها نفعُ المولود، ومنه دعاءُ من يُطعَم منها له، كما أنها مظهرٌ من مظاهر الشكر لله تعالى على نعمة الولد، وفيها أيضًا نوعُ إشهارٍ بالمولود تُحفظ به الأنساب وتُصان الحقوق.

وهي مع ذلك عبادةٌ ماليةٌ يُتقرَّب بها إلى الله تعالى، شأنها شأن الأضحية والصدقة، يُرجى بها حصول البركة، كما أنها تُسهم في تعزيز روح التكافل الاجتماعي؛ لما في توزيع لحمها من إدخال السرور على الأهل والفقراء، وتقوية أواصر المودة والتراحم بين الناس.

قال العلامة ولي الله الدِّهلَوِي في "حجة الله البالغة" (2/ 223، ط. دار الجيل): [واعلم أن العرب كانوا يعقون عن أولادهم، وكانت العقيقة أمرًا لازمًا عندهم، وسنة مؤكدة، وكان فيها مصالح كثيرة... فأبقاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعمل بها ورغّب الناس فيها؛ فمن تلك المصالح: التلطف بإشاعة نسب الولد، إذ لا بد من إشاعته لئلا يقال ما لا يحبه، ولا يحسن أن يَدُور في السكَك، فينادي أنه ولد لي ولد. فتعين التلطف بمثل ذلك، ومنها: اتباع داعية السخاوة وعصيان داعية الشح] اهـ.

وقال العلامة ابن الحاج في "المدخل" (3/ 294، ط. دار التراث): [وفي فعل العقيقة من الفوائد أشياء كثيرة: منها: امتثال السُّنة، وإخماد البدعة، ولو لم يكن فيها من البركة إلا أنها حِرزٌ للمولود من العاهاتِ والآفات كما ورد، فالسُّنةُ مهما فُعلت كانت سببًا لكلِّ خيرٍ وبركةٍ، والبِدعةُ بضدِّ ذلكَ] اهـ.

كيف تتحقّق القربة في العقيقة؟

تتحقَّق القُربةُ في العقيقة بذبحها وإراقةِ دمِها تقرُّبًا إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ هي نُسُكٌ مشروعٌ من جملة الأنساك، يُقصَد به التعبُّدُ المحض، كالأضحية والهدي.

قال الشيخ ابن القيم في "زاد المعاد" (2/ 378، ط. دار ابن حزم): [والذبائح التي هي قُربةٌ إلى الله وعبادةٌ هي ثلاثةٌ: الهدي، والأضحيَّة، والعقيقة] اهـ.

وجاء في "المسالك في شرح موطأ مالك" للقاضي أبي بكر بن العربي (5/ 331، ط. دار الغرب الإسلامي): [المقصود في العقيقةِ إراقة الدَّم، كما هو في الأضحية] اهـ.

بيان وقت العقيقة

 المقرر في العقيقة أنها تُفعل عن المولود من أبيه أو من تلزمه نفقته يوم السابِع من ولادته؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا كَانَ يَومُ سَابِعِهِ، فَأَهرِيقُوا عَنهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنهُ الأَذَى، وَسَمُّوهُ» أخرجه الإمام الطبراني في "المعجم الأوسط" من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

فإن فات يوم السابِع استُحبَّ فعلها السابِع الثاني أو الثالث أي في اليوم الرابع عشر، أو اليوم الحادي والعشرين، فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «العَقِيقَةُ تُذبَحُ لِسَبعٍ، أَو أَربَعَ عَشرَةَ، أَو إِحدَى وَعِشرِينَ» أخرجه الإمامان: الطبراني في "الأوسط" و"الصغير"، والبيهقي في "السنن الكبرى".

فإن فاتت هذه الأوقات جاز فعلها في أي وقتٍ من غير اشتراط اليوم السابِع؛ لأن المقصود يحصل بالذبح، ولأنها قضاءٌ فأشبهت قضاء الأضحية، غير أن بعض أهل العلم استحبَّ مراعاةَ السابِع بعد ذلك أيضًا، فيجعلها في الثامن والعشرين، فإن فات ففي الخامس والثلاثين، وهكذا، قياسًا على ما سبق، وذلك حتى بلوغ المولود.

قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (9/ 461): [وإن ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأه؛ لأن المقصود يحصل. وإن تجاوز أحدًا وعشرين احتمل أن يستحب في كل سابِع، فيجعله في ثمانية وعشرين، فإن لم يكن ففي خمسة وثلاثين، وعلى هذا، قياسًا على ما قبله، واحتمل أن يجوز في كل وقتٍ؛ لأن هذا قضاء فائتٍ، فلم يتوقف، كقضاء الأضحية وغيرها] اهـ.

فإذا بلغ المولود ولم يُعَقَّ عنه، فقد استحبَّ جمع من الفقهاء أن يعقَّ الإنسانُ عن نفسه -وكذا يجوز لأبيه أن يعق عنه-؛ تداركًا لما فات، ولما ورد من كونه مرتهنًا بعقيقته، فيُشرع له السعي في فكاك نفسه، وقد نصَّ على ذلك جماعةٌ من أهل العلم.

قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (1/ 548، ط. دار الكتاب الإسلامي) في بيان وقت العقيقة: [(ولا تفوت على الولي) الموسر بها (حتى يبلغ) الولد (فإن بلغ فحسنٌ أن يعق عن نفسه) تداركًا لما فات] اهـ.

وقال الإمام البهوتي في "كشاف القناع" (3/ 29، ط. مكتبة النصر الحديثة): [(ولا تختص العقيقة بالصغر) فيعق الأب عن المولود ولو بعد بلوغه؛ لأنه لا آخر لوقتها] اهـ.

وقال أيضًا (3/ 25): [(واختار جمعٌ: يعق عن نفسه) استحبابًا إذا لم يعق عنه أبوه، منهم: صاحب "المستوعب" و"الروضة" و"الرعايتين"، و"الحاويين"، و"النظم"، قال في "الرعاية": تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعناه في "المستوعب"، وهو قول عطاء والحسن؛ لأنها مشروعة عنه، ولأنه مرتهنٌ بها، فينبغي أن يشرع له فكاك نفسه] اهـ.

كيفية توزيع العقيقة

المستحب في العقيقة أن تُذبح وتُقسَّم أثلاثًا كالأضحية، فيأكل منها، ويتصدَّق، ويُهدي، سواء أكان ذلك بتفريقها نيئةً أم بطبخها وإرسالها إلى مستحقيها، كلٌّ في موضعه.

قال العلامة ابن عابدين في "الدر المختار" (6/ 336، ط. دار الفكر) عند الكلام عن العقيقة: [وهي شاةٌ تصلح للأضحية، تُذبح للذكر والأنثى سواء، فَرَّقَ لحمها نيئًا أو طبخه، بحموضة أو بدونها، مع كسر عظمها أو لا، واتخاذ دعوة أو لا] اهـ.

فإن أراد عمل العقيقة على هيئة طعامٍ يُدعى إليه الناس، جاز ذلك وأجزأه على ما قرره جماعة من أهل العلم.

قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (8/ 430، ط. دار الفكر): [قال أصحابنا: والتصدق بلحمها ومرقها على المساكين بالبعث إليهم أفضل من الدعاء إليها، ولو دعا إليها قومًا جاز، ولو فرق بعضها ودعا ناسًا إلى بعضها جاز] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (9/ 463): [وإن طبخها ودعا إخوانه فأكلوها فحسن] اهـ.

ومع ذلك، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى التوسعة في كيفية التصرُّف فيها، فلم يُقيِّدوا ذلك بنوعٍ معيَّن من القسمة أو جهةٍ مخصوصة، بل جعلوا الأمر فيها على السَّعة.

قال الإمام ابن قدامة في "المُغني" (9/ 463) عند الكلام في التصرف في لحم العقيقة: [قال ابن سيرين: اصنع بلحمها كيف شئت] اهـ.

وقال أيضًا (9/ 463): [سئل أحمد عنها، فحكى قول ابن سيرين. وهذا يدل على أنه ذهب إليه] اهـ.

بيان المراد بالوليمة وحكمها

أمَّا الوليمة: فهِيَ كلُّ طعامٍ يُصنع للعُرس وغيره مما يحصُل للإنسان من خير ويُدخل على نفسه السرور.

قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (6/ 547): [الوليمة: من الوَلمِ وهو الاجتماع، وهي: تقعُ على كل طعامٍ يتخذ لسرورٍ حادثٍ من عرسٍ وإملاكٍ وغيرهما لكنَّ استعمالها مطلقةً في العرس أشهرُ وفي غيره تُقيَّدُ فيقال: وليمةُ ختانٍ أو غيرهِ] اهـ.

وهي على المختار للفتوى سُنةٌ مؤكدةٌ، مطلوبةٌ بحسبِ يسار المكلَّف وملاءته، شأنها في ذلك شأن العقيقة؛ اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وامتثالًا لأمره وترغيبه.

فأمَّا فعله صلى الله عليه وآله وسلم: فقد تواترت الأخبار بكونه أولم على نسائه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وتنوَّعت صور ذلك بحسب الحال وما تيسَّر من الموجود في وقتها، فعن صفية بنت شيبة رضي الله عنها قالت: «أَولَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعضِ نِسَائِهِ بِمُدَّينِ مِن شَعِيرٍ» أخرجه الإمام البخاري.

وعن أنس بن مالك: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَعتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتقَهَا صَدَاقَهَا، وَأَولَمَ عَلَيهَا بِحَيسٍ» أخرجه الإمام البخاري. والحيس: طعامٌ يُصنعُ من التَّمرِ والأقطِ والسَّمنِ.

وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: «مَا أَولَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيءٍ مِن نِسَائِهِ مَا أَولَمَ عَلَى زَينَبَ، أَولَمَ بِشَاةٍ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.

وأمَّا أمرُه صلى الله عليه وآله وسلم بها، وحث الصحابة رضوان الله عليهم على فعلها: فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبه أَثَرُ صُفرَةٍ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبره أنَّه تزوَّج امرأة من الأنصار، قال: «كَم سُقتَ إِلَيهَا؟» قال: زنة نواة من ذهب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَولِم وَلَو بِشَاةٍ» متفق عليه.

قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (7/ 275): [لا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة سُنةٌ في العُرس مشروعة] اهـ.

الحكمة من مشروعية الوليمة

تتجلَّى الحكمة من مشروعية الوليمة في كونها قُربةً إلى الله تعالى، وشكرًا له على نعمة الزواج وتجدُّد النِّعَم، كما شُرعت لإشهار النكاح وإعلانه بين الناس، تمييزًا له عن السفاح، ودفعًا لريب التهمة، فضلًا عمَّا فيها من إدخال السرور على أهل البيت والضيوف، والبرُّ بالزوجة وأهلها بإظهار مكانتها، وتعزيز الألفة والترابط الاجتماعي بإطعام الطعام، وإكرام الأقارب والفقراء.

قال العلامة ولي الله الدِّهلَوِي في "حجة الله البالغة" (2/ 200- 201): [كان الناس يعتادون الوليمة قبل الدخول بها، وفي ذلك مصالح كثيرة:

منها: التلطف بإشاعة النكاح، وأنه على شرف الدخول بها إذ لا بد من الإشاعة؛ لئلا يبقى محلٌّ لوهم الواهم في النسب، وليتميز النكاح عن السفاح بادي الرأي، ويتحقق اختصاصه بها على أعين الناس.

ومنها: شكره ما أولاه الله تعالى من انتظام تدبير المنزل بما يصرفه إلى عباده، وينفعهم به.

ومنها: البر بالمرأة وقومها؛ فإنَّ صرف المال لها، وجمع الناس في أمرها يدل على كراماتها عليه وكونها ذات بال عنده، ومثل هذه الأمور لا بد منها في إقامة التأليف فيما بين أهل المنزل لا سيما في أول اجتماعهم.

ومنها: أن تجدد النعمة -حيثُ مَلَكَ ما لم يكن مالكًا له- يورث الفرح والنشاط والسرور، ويهيج على صرف المال، وفي اتباع تلك الداعية التمرن على السخاوة، وعصيان داعية الشح، إلى غير ذلك من الفوائد والمصالح] اهـ.

كيف تتحقّق القربة في وليمة العرس؟

تتحقَّق القُربةُ في وليمة العرس بحصول المقصود منها، وهو إطعام الطعام واجتماع الناس عليه بالأكل منه، سواءٌ كان ذلك بذبحٍ أو بغيره من أنواع الطعام المُعَدَّة؛ إذ بذلك تتحقق إقامة السُّنَّة، إلا أنه يُستحبُّ لتمام هذه الإقامة ألا تنقص مع القدرة والتمكُّن عن شاةٍ؛ عملًا بما ورد في حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه المتقدم من حثِّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياه على ذلك.

جاء في "المسالك في شرح موطأ مالك" للقاضي أبي بكر بن العربي (5/ 331): [والمقصود في الوليمة إقامةُ السُّنَّة بالأكل] اهـ، وهي تحصل بكلِّ ما يُقدَّم ممَّا يُسمَّى طعامًا، ولا تتقيَّد بنوعٍ معيَّن أو بذبيحةٍ مخصوصة.

والأصل في ذلك: ما ثبت من تنوُّع فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طعام الوليمة في الأحاديث المتقدِّمة من إيلامه على بعض نسائه بمُدَّين من شعير كما في حديث صفية بنت شيبة رضي الله عنها، وإيلامه على زوجته أم المؤمنين صفية رضي الله عنها بِحَيسٍ كما في حديث سيدنا أنس رضي الله عنه، وإيلامه على زوجته أم المؤمنين زينب رضي الله عنها بشاةٍ كما في حديث سيدنا أنس رضي الله عنه.

قال الإمام ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (7/ 285، ط. مكتبة الرشد): [قال المهلب: اختلاف فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الولائم المختلفة يدل على ما ذكرناه في الباب قبل هذا: أنها إنما تجب على قدر اليسار والوجود في الوقت، وليس قوله لعبد الرحمن: «أَولِم وَلَو بِشَاةٍ» منعًا لما دون ذلك، وإنما جعل الشاة غاية في التقليل لعبد الرحمن ليساره وغناه، وأنها مما يستطيع عليها ولا يجحفه، ألا ترى أنه صلى الله عليه وآله وسلم أَولَمَ على صفية وليمة حَيسٍ ليس فيها خبز ولا لحم، وأَولَمَ على غيرها بمُدَّين من شعير، ولو وجد حينئذ شاةً لأَولَمَ بها؛ لأنه كان أجود الناس وأكرمهم. وفى حديث عبد الرحمن بن عوف استحباب الذبح في الولائم لمن وجد ذلك] اهـ.

وقد نقل القاضي عياض الإجماع على ذلك، وأنَّ السُّنَّة تحصل بكلِّ ما يُسمَّى وَلِيمةً، كما حكاه عنه الإمام الزرقاني في "شرحه على مختصر خليل" (4/ 90، ط. دار الكتب العلمية) بقوله: [ونقل عياض الإجماع على أنه لا حد لأقلها، وأنه بأي شيءٍ أَولَمَ حصلت السُّنة] اهـ.

الفرق بين العقيقة ووليمة العرس

فحاصل ذلك: أنَّ العقيقة عن المولود ووليمة العرس يشتركان في كونهما من السُّنن المستحبَّة التي شُرعت شكرًا لله تعالى على تجدُّد النِّعَم.

قال الإمام الطيبي في "شرح المشكاة" (7/ 2316، ط. مكتبة نزار مصطفى) عند شرحه أحاديث الوليمة: [يستحب للمرء إذا أحدث الله به نعمةً أن يُحدِث له شكرًا، والوليمة والعقيقة والدعوة على الختان وعند القدوم من الغيبة والإعذار والخرس كلها سنن مستحبة شكرًا لله تعالى على ما أحدث من النعمة] اهـ.

غيرَ أنَّهما يفترقان في جهة التحقُّق، فالعقيقةُ لا تتمُّ إلا بإراقة الدم بذبح شاةٍ أو ما يقوم مقامها؛ إذ هي نُسُكٌ مقصودٌ لذاته، بخلاف وليمة العرس، فإنها تتحقَّق بكلِّ ما يُقدَّم من طعامٍ أو شراب، ولا تتقيَّد بذبيحةٍ بعينها، شأنُها في ذلك شأن سائر الولائم، غيرَ أنَّ الأكمل فيها أن تكون بشاةٍ لمن قدر عليها كما تقرر.

قال العلامة ابن القاسم العبَّادي في "حاشيته على تحفة المحتاج" (7/ 425، ط. المكتبة التجارية الكبرى) عند الحديث عن وليمة العرس، وبيان أن السُّنَّة تتحقَّق فيها بأيِّ طعام: [(قوله: فيحصل أصل السُّنة.. إلخ) فظاهرٌ أن الأمر كذلك في سائر الولائم، إلا العقيقة، فإن أقل ما يجزئ فيها شاة، كما هو معلوم من بابها] اهـ.

حكم الجمع بين العقيقة ووليمة العرس في شاة واحدة

الأصل في الولائم أن تُفرد كلُّ واحدةٍ منها بسببها، ولا تُجمع مع غيرها في نيةٍ واحدة؛ لأن كلَّ وليمةٍ شُرعت لمعنًى خاصٍّ ومقصودٍ مستقل، فلا يتحقَّق كمالُ هذا المقصود إلا بإفرادها.

فالوليمةُ في العرس شُرعت لإشهار النكاح وإعلانه، والعقيقةُ شُرعت شكرًا على نعمة المولود مع ما فيها من معنى النُّسك وإراقة الدم؛ فاختلاف المقاصد يقتضي استقلال كلٍّ منهما بفعلٍ يخصُّه، إذ الجمع يُضعف ظهور المعنى المقصود من كلِّ واحدةٍ على وجهه التام.

وإن تيسَّر ذلك فهو الأولى والأفضل، سواء أكانت الذبيحة في كلٍّ منهما من الضأن أو الماعز، أو بالاشتراك في بدنةٍ أو بقرةٍ، بحيث لا يقل نصيب كلِّ واحدةٍ منهما عن السُّبع.

قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (8/ 429): [ولو ذبح بقرة أو بدنة عن سبعة أولاد أو اشترك فيها جماعة جاز، سواء أرادوا كلهم العقيقة، أو أراد بعضُهم العقيقة وبعضُهم اللحم، كما سبق في الأضحية] اهـ.

فإن لم يتيسَّر الإفراد، وأراد المكلف الجمع بينهما في ذبيحةٍ واحدة، كشاةٍ واحدةٍ، أو سُبُعٍ من بدنةٍ أو بقرةٍ؛ فإنه يُجزئ عند بعض أهل العلم؛ لاختلاف المقصود من كلٍّ منهما: فالمقصود من العقيقة إراقةُ الدم شكرًا لله على نعمته، وهو حاصلٌ بالذبح، والمقصود من الوليمة الإطعامُ، وهو حاصلٌ كذلك بطهيها وتقديمها للمدعوين، ولا تعارض بين المقصودين، فجاز الجمع والتداخل بينهما.

وقد أشار إلى هذا المعنى القاضي أبو بكر بن العربي في "المسالك في شرح موطأ مالك" (5/ 331) نقلًا عن الإمام أبي بكر الفهري بقوله: [وتكلمنا يوما بالمسجد الأقصى -طهَّره الله- مع شيخنا أبي بكر الفهري رضي الله عنه، فقال: إذا ذبح الرجل أضحيته يوم الأضحى فعق بها عن ولده لم تجزئه؛ لأن المقصود في العقيقة إراقة الدم، كما هو في الأضحية، والمقصود في الأضحية التصدق وإقامة شعار الإسلام، فأما لو ذبح أضحييه يوم النحر وأقام بها سُنة الوليمة في عرسه لأجزأه؛ لأن المقصود في الأضحية إراقة الدم، وقد وقع موقعه، والمقصود في الوليمة إقامة السُّنة بالأكل، وقد وُجد ذلك] اهـ.

ويستأنس لذلك أيضًا بما قرره بعض الفقهاء من جواز تداخل بعض العبادات في بعض إذا لم يقع تعارضٌ بينهما في المقصد، ومن نظائر ذلك: ما نصوا عليه من صحة الغسل يوم العيد بنية الجمعة والعيد، وصحة صلاة تحية المسجد مع سنة المكتوبة، وصحة صيام يوم عرفة إن وافق يوم الإثنين أو الخميس بنية الأمرين، ونحو ذلك.

قال الإمام البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 616، ط. عالم الكتب): [وإن اتفق وقت عقيقة وأضحية، بأن يكون السابِع أو نحوه من أيام النحر، فعق، أجزأ عن أضحية، أو ضحى أجزأ عن الأخرى، كما لو اتفق يوم عيد وجمعة فاغتسل لأحدهما، وكذا ذبح متمتع أو قارن شاةً يوم النحر، فتجزئ عن الهدي الواجب وعن الأضحية] اهـ.

وفي "تحفة المودود" للشيخ ابن القيم (ص: 127، ط. دار ابن حزم) عند الكلام عن حُكمِ اجتماعِ العقيقةِ والأُضحيةِ: [ووجه الإجزاء: حصولُ المقصودِ منها بذبحٍ واحدٍ، فإنَّ الأضحيةَ عن المولودِ مشروعةٌ كالعقيقةِ عنه، فإذا ضحَّى ونَوَى أن تكون عقيقةً وأضحيةً وقعَ ذلكَ عنهما، كما لو صلَّى ركعتين ينوي بهما تحيةَ المسجدِ وسُنةَ المكتوبةِ، أو صلَّى بعدَ الطوافِ فرضًا أو سُنةَ مكتوبةٍ، وقع عنه وعن ركعتي الطواف] اهـ.

ومن ثمَّ، فإذا صحَّ الجمع بين الأضحية والعقيقة، مع كون كلٍّ منهما مقصودًا فيه الذبحُ وإراقةُ الدم، كان جوازُ الجمع بين العقيقة ووليمة العرس أولى؛ لعدم اشتراط إراقة الدم في وليمة العرس أصالة، وإنما المقصود منها الإطعام، وهو حاصلٌ بذلك.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن العقيقة ووليمة العرس سُنَّتان مؤكدتان، تُطلبان بحسب يسار المكلَّف وقدرته عليهما، شكرًا لله تعالى على تجدُّدِ نعمهِ وتتابُع مِنَنهِ، والأصلُ استحبابُ إفراد كلٍّ منهما مستقلة عن الأخرى؛ طلبًا لكمال الامتثال، واستيفاءً لحِكَمِ كلٍّ منهما ومعانيه على وجهه التام، ولأن ما كان أكثر فعلًا كان أعظم أجرًا، سواء أكان ذلك بذبح شاتين لكلٍّ منهما، أم بما يقوم مقامها بالاشتراك في بدنةٍ أو بقرةٍ بسُبُعٍ فأكثر لكل واحدةٍ منهما، أو بأن يُفرد للعقيقة شاة أو ما يقوم مقامها، ويُعدَّ لوليمة العرس ما تيسَّر من الطعام، ومع ذلك فإنه إذا أراد المكلَّف الجمع بين ذبيحة العقيقة ووليمة العرس في وقت واحد بشاةٍ واحدة يذبحها بنية العقيقة عن نفسه، ويجعل لحمها طعامًا لوليمة زواجه، أجزأت العقيقة بهذه الشاة، وتحقَّقت وليمة العرس بما يحصل من الإطعام منها.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم زواج المحجور عليه ومباشرة العقد بنفسه ؟ لأن امرأة تم الحجر عليها لقصورٍ في الإدراك العقلي، وصدر قرار المحكمة بتعيين رجلًا قيِّمًا عليها، ثم بعد ذلك بثمانية عشر عامًا تزوج هذا القيم بالمحجور عليها، وقد باشرت عقد زواجها هذا بنفسها دون إذن وليها، ولم تأذن المحكمة المختصة للقائم على أمرها المذكور بزواجه منها، ولم تنجب هذه الزوجة منه.


سائل يقول: سمعت أحد الخطباء يقول: إن هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت في شهر ربيع الأول؟ فهل هذا صحيح؟ وإن صح ذلك فلماذا تم اعتبار أول شهر المحرم بداية السنة الهجرية؟


سائل يطلب الإفادة عن عقد القران بدون دخلة، خطوة قانونية من خطوات الزواج في مصر، هل يشترط لصحة العقد إتمام الدخلة؟ وإن لم يكن فهل يترتب على العقد كافة الحقوق الشرعية والقانونية للزوج والزوجة؟ وهل عقد القران بدون دخلة عرفٌ وعادة بين المصريين طبقًا للدين الإسلامي الحنيف أو أنها نوع من أنواع الزواج؟


ما حكم الجمع بين الوفاء بنذر ذبيحة لله تعالى ووليمة الزواج؟ فأنا نذرت لله نذرًا وهو ذبح (عجل من البقر) لأعمل به ليلة لله، ثم إنني أريد زواج أحد أولادي في هذه ‏الليلة؛ فهل يجوز ذبحه في هذه الليلة؟ علمًا بأنني أثناء ‏نذري كان ولدي الذي أرغب في زواجه مريضًا، وقد نذرت ‏ذلك إن شفاه الله وعافاه من مرضه.‏


أم السائل تزوجت برجل بعد وفاة والده، وأنجب منها أولادًا، ثم توفيت وهي على عصمته، ويريد زوجها المذكور الزواج ببنت السائل الذي هو ابن للمتوفاة وربيب لذلك الزوج. وطلب بيان الحكم الشرعي في هذا الزواج، وهل يحل له التزوج بها أو لا؟


ما حكم علف الدواجن المحتوي على مخلفات الخنزير؛ فقد تم استيراد شحنة من مسحوق لحم وعظم لتغذية الدواجن، وهذا المسحوق يحتوي على آثار مكونات من الخنزير. فهل يجوز تغذية الدواجن على هذا المسحوق المحتوي على لحم ومكونات الخنزير؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 21 يونيو 2026 م
الفجر
4 :8
الشروق
5 :54
الظهر
12 : 57
العصر
4:32
المغرب
7 : 59
العشاء
9 :33