01 يناير 2017 م

الكيمياء في الحضارة الإسلامية

الكيمياء في الحضارة الإسلامية

يعد الكميائيون المسلمون من أول من استخدم المنهج العلمي في توصيف ما يحدث في تفاعلات المواد وتحولات الفلزات، وعرف العلماء المسلمون بواسطة الترجمة أعمال الكيميائيين الإغريق التي تُعنى بشكل خاص بالمعادن، وتحويل الفلزات الرخيصة إلى فلزات ثمينة كالذهب، وقد برزت شخصية العالم المسلم جابر بن حيان كأعظم شخصية إسلامية رائدة في علم الكيمياء وهو العلم المعروف في الغرب باسم "جبر Geber"، وقد جدد ابن حيان في أفكار علم الكيمياء وطرح أفكارًا تغاير ما طرحه من سبقه من الهلينستيين. وأولى هذه الأفكار نظرية الزئبق والكبريت، حيث يعتقد أن الزئبق به من عناصر الماء والتراب، بينما يحتوي الكبريت على النار والهواء؛ ولهذا تحتوي المادتان على العناصر الأربعة، وعندما يُخلط الزئبق بالكبريت، ويدخلان في مركب متماسك، فإن الحرارة تولد عملية الإنضاج والطبخ التي تؤدي الى أنواع من الفلزات المختلفة. إذا كان الزئبق نظيفًا والكبريت نقيًّا، وإذا كانت الكميتان بنسبة العلاقة المثلية بينهما، وإذا كانت الحرارة بالدرجة المناسبة؛ ينتج الذهب الخالص. بينما إذا دخلت البرودة قبل الإنضاج تنتج الفضة، وإذا دخل الجفاف ينتج النحاس الأحمر. وبقدر ما تتدخل عوامل مفسدة أكثر، تقل جودة الفلزات الناتجة. كما أن فكرة الإكسير الذي تمَّ استخدامه كعلاج أو كقوة مانحة للحياة كانت من إبداعات جابر بن حيان، والإكسير هو المادة التي يمكن تحضيرها من مواد حيوانية أو نباتية أو معدنية، ويمكن استخدامها لإطالة الحياة أو تعاطيها كعلاج للمرضى اليائسين من الشفاء. وقد ألَّف أكثر من خمسمائة كتاب في شتى فروع هذا العلم، وجاء الفليسوف أبو بكر الرازي الذي حول علم الكيمياء من الناحية النظرية إلى الناحية التطبيقية، وقد ألَّف كتاب الأسرار في الكيمياء وانتقد على جابر بن حيان ومن سبقه تلك المحاولات الساذجة التي تعنى بتحويل المعادن العادية إلى ذهب، وألف الرازي عدة من الكتب الخيميائية الأخرى بعضها لا يزال موجودًا، ومن أهمها كتاب "الأسرار" الذي يبرز أن الرازي شخصية علمية لها مقدرة فكرية فائقة. وأشهر المؤلفات الكيميائية بعد ذلك هي تلك المنسوبة للعالم الأندلسي مسلمة بن أحمد المجريطي (حوالي سنة 1008 م)، ثم كتاب أيدمر الجلدكي المصري (قرابة سنة 1342 م). وكانت كل هذه الكتب المعتمد الأساسي للأوروبيين حتى شطر كبير من العصر الحديث، ونسب إليه عملين مهمين في الكيمياء هما "رتبة الحكيم" و"غاية الحكيم"، هذا الأخير الذي تمت ترجمته إلى اللغة الإسبانية سنة 1256م بأمر من الملك ألفونس، ثم تُرجم بعدها إلى اللاتنية.

 

من إبداعات الحضارة الإسلامية التي نشأت تلبية لنداء الشريعة بضرورة الحفاظ على النظام الاجتماعي وشيوع العدل والفضيلة في كافة مناحي الحياة (علم الاحتساب). وقد ذكرنا في مقال سابق أن أمر الحسبة خطير، وأنها أحد وجوه التطبيق العملي لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنها إن لم تنضبط بميزان الشرع فقد تأتي بنتائج سلبية تكر على المقصود منها بالبطلان، وبدلًا من أن تؤدي إلى استقرار المجتمعات تؤدي إلى اضطرابها. وآية ذلك ما نرى من بعض المتشددين الذين لم ينالوا من العلم والدين القدر الكافي، ويسعون في الأرض بغير هدى ولا علم؛ ظانين أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.


ليس من قبيل المصادفة البحتة أن يكون ذكر القلم والكتابة في أول أيات تنزل من القرآن الكريم على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله تعالى:﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ • الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: 3، 4] وأقسم سبحانه وتعالى بالقلم فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]، وأقسم بالكتاب ﴿وَالطُّورِ • وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: 1، 2] وفي محكم التنزيل آية كبيرة تسمى بآية الدَّين؛ وهي آية تحث


يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92]، وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».


يُعَدُّ "الإسناد" إحدى خصائص الأمة الإسلامية؛ ذلك أن حضارتنا الإسلامية تتميز بسمة المشافهة، أي: انتقال العلم فيها بالتلقي الشفوي، وهذا النوع أضبط الطرق لتوثيق العلم؛ فالكتابة بمفردها لا توفر الثقة الكاملة بما تفيده؛ لأن كثيرًا من الإشكالات تتعلق بضبط المكتوب، فتم الجمع بين التلقي الشفوي والتوثيق بالكتابة، وهذا أمر تتفرد به الأمة الإسلامية وحضارتها، قال الإمام محمد بن حاتم: "إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها -قديمهم وحديثهم- إسناد".


يظن البعض أن الاهتمام بقضية "الرفق بالحيوان" قد بلغ منزلة عظيمة في ظل الحضارة الغربية الحديثة، في حين أن نظرةً خاطفةً لتراث المسلمين تؤكد أن هذا الاهتمام، بل والتطبيق العملي له، نشأ نشأةً حقيقية بين المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما تلاه من عهود، كيف لا، وهذه القضية مظهرٌ من مظاهر الرحمة، التي جاء الإسلام ليكون عنوانًا عليها، وجاء الرسول ليكون تجسيدًا لها؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ليس للآدميين فحسب، بل للعالمين؛ من إنسانٍ، وحيوانٍ، وماءٍ، وهواءٍ، وجمادٍ، ... إلخ.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 10 يونيو 2026 م
الفجر
4 :8
الشروق
5 :53
الظهر
12 : 54
العصر
4:30
المغرب
7 : 56
العشاء
9 :29