هل تجب الزكاة في الأموال التي أقرضتُها للناس؟ ومتى يجب إخراجها؟
تجب الزكاة في المال إن توفر فيه شروط وجوب الزكاة من الملك التام، وبلوغ النصاب، وهو قيمة 85 جرامًا من الذهب عيار 21، وحولان الحول؛ أي: مرور عام هجري كامل، والزيادة عن الحوائج الأصلية للمزكي ولمن يعولهم، وتخرج الزكاة بنسبة ربع العشر أي 2.5%، والدين لا يمنع وجوب الزكاة في المال، بل يجب على صاحب الدين -المُقرِض- أن يخرج الزكاة عن المال الذي أقرضه لغيره، وذلك بعد أن يقبضه، ويزكيه لسنة واحدة حتى وإن بقي الدين في يد المدين -المقترض- أعوامًا، شريطة ألا يكون صاحب الدين قد أخَّر قبضه متعمدًا ليفرَّ من الزكاة، فإن فعل فيُعامل بنقيض مقصوده ويجب عليه زكاة الدين لما مضى من السنين.
المحتويات
من المقرر شرعًا أن الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» متفق عليه.
وشروط وجوب الزكاة: الملك التام، وبلوغ النصاب، وهو 85 جرامًا من الذهب عيار 21 أو قيمتها، وحولان الحول؛ أي: مرور عام هجري كامل، والزيادة عن الحوائج الأصلية للمزكي ولمن يعولهم.
فإذا توفرت هذه الشروط في المال وكان في حوزته، وجبت فيه الزكاة وأخرجها بواقع ربع العشر أي 2.5%.
إذا توافرت شروط الزكاة في المال غير أن صاحبه قد أقرضه لشخص آخر؛ فللدَّين حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون الدَّين مرجو الأداء: بمعنى أن المدين -المقترض- موسر ومقر بالدَّين، ففي هذه الحالة يرى الحنفية والحنابلة في المذهب: أن يؤدي صاحب المال الزكاة بعد قبض الدين، ويرى الشافعية في معتمدهم أن الدين إن كان حالًّا وجب إخراج الزكاة عنه في الحال، وإن كان الدين مؤجلًا وجب إخراج الزكاة عنه بعد قبضه.
قال العلامة القدوري الحنفي في "التجريد" (3/ 1335، ط. دار السلام): [قال أصحابنا: إذا كان له دين على مقر به فالزكاة واجبة فيه ولا يلزمه إخراجها حتى يقبضه] اهـ.
وقال العلامة تقي الدين الحصني الشافعي في "كفاية الأخيار" (ص: 170، ط. دار الخير): [أن يكون الدين دراهم أو دنانير أو عروض تجارة ففي وجوب الزكاة قولان: القديم: لا زكاة في الدين بحال لضعف التصرف فيه فأشبه مال الكتابة، والمذهب الصحيح المشهور وجوب الزكاة فيه في الجملة، وتفصيله إن كان متعذر الاستيفاء لإعسار من عليه أو جحوده ولا بينة له عليه أو مطله أو غيبته فهو كالمغصوب وقد مر، وإن لم يتعذر الاستيفاء بأن كان على مليء باذل أو على جاحد عليه بينة، فإن كان حالًّا وجبت الزكاة ووجب إخراجها في الحال؛ لأنه مال حاضر، وإن كان مؤجلا فهو كالمغصوب، ولا يجب الإخراج حتى يقبضه على الأصح] اهـ.
وقال العلامة المرداوي في "الإنصاف" (6/ 321-322، ط. هجر): [قوله: "ومن كان له دين على مليء، من صداق أو غيره، زكاه إذا قبضه"؛ هذا المذهب، وعليه الأصحاب] اهـ.
الحالة الثانية: أن يكون الدين غير مرجو الأداء؛ بمعنى أن المدين معسر لا يرجى يساره، أو كان مماطلًا، ففي هذه الحالة يرى الحنفية والشافعية والحنابلة في الصحيح أن الدائن -المقرض- يزكيه إذا قبضه لما مضى من السنين، وهو مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
قال الإمام علاء الدين السمرقندي في "تحفة الفقهاء" (1/ 297، ط. دار الكتب العلمية): [فأما إذا كان الدين مقرًّا به ولكن من عليه الدين معسر فمضى عليه أحوال ثم أيسر فقبضه صاحب الدين، فإنه يزكي لما مضى عندنا] اهـ.
وقال العلامة ابن النقيب الشافعي في "عمدة السالك" (ص: 98، ط. الشؤون الدينية): [ولو غُصب ماله، أو سُرق، أو ضاع، أو وقع في البحر، أو كان له دين على مماطل، فإن قدر عليه بعد ذلك لزمه زكاة ما مضى] اهـ.
وقال العلامة المرداوي في "الإنصاف" (3/ 21، ط. دار إحياء التراث العربي): [قوله: "وفي الدين على غير المليء، والمؤجل، والمجحود، والمغصوب، والضائع، روايتان"، وكذا لو كان على مماطل، أو كان المال مسروقًا، أو موروثًا، أو غيره، جهله، أو جهل عند من هو. وأطلقهما في "الفروع"، و"الشرح"، و"الرعايتين"، و"الحاويين"، و"المستوعب"، و"المذهب الأحمد"، و"المحرر"؛ إحداهما كالدين على المليء، فتجب الزكاة في ذلك كله إذا قبضه، وهو الصحيح من المذهب] اهـ.
أما المالكية فيرون أن الدين الذي سببه القرض سواء كان مرجو الأداء أو ميؤوسًا من أدائه فعلى مالكه أن يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة، إذا لم يكن تأخير القبض بفعله؛ فرارًا من الزكاة، فإن أخَّرَه عمدًا لِيَفرَّ من الزكاة، وجب أن يزكيه لما مضى من السنين، كما قاله ابن القاسم.
وقال العلامة الخرشي في "شرح مختصر خليل" (2/ 191، ط. دار الفكر): [(ص) لسنة من أصله. (ش) يعني أن الدين يزكى زكاة واحدة إذا قبضه صاحبه لسنة من أصله، أي: لسنة من حين زكى أصله، أو ملك أصله إن لم تجر فيه الزكاة لا من حين قبضه، وسواء أقام عند المدين سنين، أو سنة أو بعضها كما إذا أقام عنده أي: عند مالكه بعد زكاته ستة أشهر ومثلها عند المدين] اهـ.
وقال الشيخ الدردير في "الشرح الكبير" (1/ 468، ط. دار الفكر): [ومحل تزكيته لعام فقط إن لم يؤخر قبضه فرارًا من الزكاة، وإلا زكَّاه لكل عام مضى عند ابن القاسم] اهـ.
والمختار للفتوى ما ذهب إليه فقهاء المالكية من أن القرض تجب فيه الزكاة على صاحبه إذا قبضه، ويزكيه لسنة واحدة؛ وذلك لأن الشريعة الإسلامية مبناها على التيسير ورعاية مصالح الناس ورفع الحرج عنهم، فعن أُم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "مَا خُيِّرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ فِي أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا" متفقٌ عليه.
كما أن العمل بهذا الرأي فيه الحرص على الإقراض وفك كرب الناس، أما تكليف الدائن بإخراج الزكاة في الدين عما مضى من السنين فيه من الحرج والمشقَّة ما نُفي عن الأمة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، فكان القول بوجوب الزكاة في الدين بعد قبضه لسنة واحدة أليق بمقاصد الشرع وأقرب إلى روح التيسير والعدل.
بناءً على ذلك: فتجب الزكاة في المال إن توفر فيه شروط وجوب الزكاة من الملك التام، وبلوغ النصاب، وهو قيمة 85 جرامًا من الذهب عيار 21، وحولان الحول؛ أي: مرور عام هجري كامل، والزيادة عن الحوائج الأصلية للمزكي ولمن يعولهم، وتخرج الزكاة بنسبة ربع العشر أي 2.5%، والدين لا يمنع وجوب الزكاة في المال، بل يجب على صاحب الدين -المُقرض- أن يخرج الزكاة عن المال الذي أقرضه لغيره، وذلك بعد أن يقبضه، ويزكيه لسنة واحدة حتى وإن بقي الدين في يد المدين -المقترض- أعوامًا، شريطة ألا يكون صاحب الدين قد أخَّر قبضه متعمدًا ليفرّ من الزكاة، فإن فعل فيُعامل بنقيض مقصوده ويجب عليه زكاة الدين لما مضى من السنين.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
يقول السائل: لو نترك الناس في مدينتنا وهم مستحقون للزكاة ونعطي الزكاة للذين يسكنون في مدينةٍ أخرى ونحن لا نعرف إلا هم؛ الذين قالوا: إننا مستحقون، فهل في هذه الصورة تبرأ ذمَّتنا من الزكاة؟
هل يجوز التفاضل بين المستحقين للزكاة؛ بحيث تكون الأولوية في الدفع إلى بعض الأصناف المستحقة دون بعضها أو لا بد من المساواة؟
طلب مجلس إدارة مشروع إنشاء معهد أمراض الكبد بيان ما إذا كان يجوز شرعًا دفع الزكاة أو جزء منها لهذا المشروع أم لا يجوز؟ وبعد الاطلاع على الكتيب الذي حوى فكرة المشروع، وتقدير تكاليف إنشائه وضرورته بسبب انتشار أمراض الكبد انتشارًا كبيرًا في مصر وباقي الأقطار العربية، وفي مراحل العمر المختلفة، وأن الجمعية القائمة على المشروع قد تم شهرها وتسجيلها بالشؤون الاجتماعية جنوب القاهرة، وأن المعهد سيلحق به مستشفًى لعلاج القادرين بأجر في حدود نسبة معينة من المرضى، وذلك كمورد لتشغيل المعهد ومؤسساته بالإضافة إلى الموارد الأخرى المبينة بالكتيب.
ما حكم اشتراط المقرض على المستقرض رد القرض بقيمته ذهبا بعد إقراضه بمدة؟ فقد اقترض رجلٌ مبلغًا من المال مِن أحد الأشخاص، وبعد شهرين طلب منه هذا الشخصُ المُقرِض أنْ يُحوِّل هذا الدينَ الماليَّ إلى جراماتٍ مِن الذهب، وذلك لضمان قيمة المال في ظلِّ التغيُّرات الطارئة على العملة، فهل يَحق له ذلك شرعًا؟
ما حكم توزيع الصدقات عند زيارة المقابر؟ فأنا خرجت في أوَّل يوم من رجب -على عادتي السنوية- إلى المقابر لزيارة أقاربي فقمت بتوزيع بعض الصدقات عند القبر، فأنكر عليَّ بعضهم وادَّعى أنَّ هذه بدعة محرَّمة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك صحابته الكرام، واحتجَّ عليَّ بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كل بدعة ضلالة».
هل يجوز لابني أن يأخذ قرضًا من البنك بهدف عمل مشروع ليعيش منه؟ فإنه لم يحصل على وظيفة حتى الآن، والقروض عليها فوائد ربوية.