ما حكم إعلان الخصومات غير الحقيقية لجذب المشترين؟
إعلان الخصومات غير الحقيقية بقصد جذب المشترين محرمٌ شرعًا ويأثم فاعله؛ لاشتماله على الكذب والتدليس والتغرير بالمشتري، والنجش القائم على الإيهام والتلاعب بالأسعار، وذلك بتزييف إدراك المشتري بإيهامه بوجود منفعةٍ غير حاصلة، فيُقبِل على التعاقد بناءً عليها، وهذا المسلك يُفسد الرضا المعتبر شرعًا؛ لما في ذلك من التدليس والإيهام، فيصبح العقد في ظاهره تراضيًا وفي باطنه تغريرًا، وفي ذلك أكلٌ لأموال الناس بالباطل، مع أن الأصل في المعاملات النصح وبيان الحقائق لا الخديعة والإيهام.
المحتويات
من المقرر أن إباحة المعاملات مُقيَّدٌ بسلامةِ المقاصدِ والوسائلِ من الغشِّ والتدليسِ والخداعِ؛ إذ الشريعةُ إنما أباحت البيعَ لتحقيقِ المصالحِ ودفعِ المفاسدِ، فإذا تطرَّق إليه ما يُفسدُ الرضا أو يُلبسُ على المتعاقدين حقيقته خرج عن حدِّ الإباحة إلى المنع بحسب ما يقوم به من وصفٍ محرَّم.
ومن هذا الباب ما يُستحدث في زماننا من أمثال الصورة المسؤول عنها والتي يحدث فيها إعلانُ خصومات غير حقيقية بين البائعين أو المسوِّقين بقصدِ جذب المشترين وإيهامهم بوجود تنافسٍ أو نزاعٍ يُفضي إلى تفضيلِ سلعةٍ أو الإقبال عليها، وهذا من قبيل البيع المشوب بما قد يفسد الرضا أو يوقع المشتري في إيهام قد يقتضي الإخلال بالعقد، فيخرج البيع عن حد الإباحة إلى المنع.
وهذا المنع في حقيقته راجعٌ إلى جملةٍ من المحظورات الشرعية في الصورة محل السؤال:
أولها: الإخبارُ بخلافِ الواقع في إظهار الخصم على غير حقيقته، وهو من الكذب المحرَّم، لا سيما إذا اقترن به قصدُ الإضلال في المعاملة، وقد تواترَت النصوصُ في ذمِّه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: 28].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» متفق عليه.
ثانيها: إعلانُ الخصم المصطنع والذي من شأنه أن يُوهمَ المشتري بوجودِ تنافسٍ حقيقي أو نزاعٍ مؤثرٍ في السعر أو الجودة، فيندفع إلى الشراء بناءً على هذا التصوُّر، فيتحقق بذلك معنى الغش والتدليس.
قال الإمام الرازي في "مختار الصحاح" (ص: 106، ط. المكتبة العصرية): [(التدليس) في البيع: كتمان عيب السلعة عن المشتري] اهـ.
وقال العلامة محمد بن علان البكري الصديقي الشافعي في "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" (8/ 421، ط. دار المعرفة): [الغش بكسر الغين أي: ترك النصيحة والتزيين لغير المصلحة] اهـ.
وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من غشَّ فليس مني» أخرجه مسلم، وهو نصٌّ في تحريم كل ما يُفضي إلى خداعِ المتعامل وإيهامه بما ليس في الحقيقة.
وقد نصَّ الفقهاءُ على أن التدليسَ هو كتمانُ العيب أو إظهارُ ما يُوهمُ الكمالَ وليس كذلك، وهو معنى متحقق هنا من جهة إظهارِ صورةٍ غيرِ واقعةٍ للتأثير في إرادة المشتري.
قال شيخ الإسلام ابن حَجَر الهَيْتَمي في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (1/ 393، ط. دار الفكر): [الكبيرةُ الموفيةُ المائتين: الغِشُّ في البيع وغيرِه] اهـ.
وثالثها: أنه داخلٌ في باب النجش المحرَّم؛ إذ النجشُ في اصطلاح الفقهاء: أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها ليغرَّ غيره، أو يُظهر من القول أو الفعل ما يرفع رغبة الناس فيها على وجه الخداع.
قال الإمام تقي الدين بن عبد الواحد المَقْدِسِي في "عمدة الأحكام" (ص: 176، ط. دار الثقافة العربية): [هو أَنْ يزيدَ الإِنسانُ في ثمن السلعة أَويمدحَها وليس لهُ رغبةٌ في شرائِها، ولكنْ يريد خِداعَ غيرِهِ] اهـ.
وقد ثبت النهي عنه في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تناجشوا»، فأفاد أنَّ كلَّ ما يندرجُ تحت هذا المعنى من صورِ الإيهامِ المؤثِّرِ في الإرادةِ داخلٌ في حيزِ المنع؛ لأنَّ الشريعةَ لا تتعاملُ مع الأفعالِ في ظواهرها المجردة، بل في حقائقها المؤثرةِ في مقاصدِ التعاقد.
كما نقل الإجماعَ على حُرمته وعِصيان فاعِلِه غيرُ واحدٍ مِن العلماء.
قال الإمام ابن بَطَّال في "شرح صحيح البخاري" (6/ 270، ط. مكتبة الرشد): [أجمع العلماءُ أن الناجِشَ عَاصٍ بفِعلِه] اهـ.
وقال الإمام ابن عبد البَرِّ في "التمهيد" (13/ 348، ط. وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب) في النهي عن النجش: [وهذا مِن فِعل فاعِلِه مَكْرٌ وخداعٌ لا يجوز عند أحدٍ مِن أهل العلم؛ لِنَهْيِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن النجش، وقوله: «لَا تَنَاجَشُوا»، وأجمعوا أنَّ فاعِلَه عاصٍ لله إذا كان بالنهي عالِمًا] اهـ.
وإذا كان النجشُ إنما يتحقق برفع السعر صوريًّا، فإن إعلان الخصم الوهمي يحققُ المعنى نفسه من جهة تغريرِ المشتري واستثارةِ رغبته بطريقٍ غير صادق، فيُلحق به قياسًا جليًّا، بل قد يكون أشدَّ أثرًا؛ لأنه يعتمد على صناعةِ انطباعٍ كاملٍ مضلل، ويقوم على تزييف وعي المشتري وخديعته، عن طريق إعادةِ تشكيلِ وعيِ المشتري على وفقِ بنيةٍ مُصطنعةٍ تُوهمُه أنَّه يُمارسُ اختيارًا حرًّا، والحالُ أنَّ اختياره مُسيَّرٌ بخيوطِ الخداعِ الدقيقة، وهذا المعنى هو بعينهِ الذي اعتبره الفقهاءُ في تحريمِ النجش، إذ العبرةُ فيه بإفسادِ مسارِ الإرادةِ لا بمجردِ صورةِ الزيادةِ في الثمن، مع اعتبار أن الأصل النصح للمسلمين وبيان الحقائق و ليس الخديعة والإيهام.
قال الإمام ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج" (4/ 315، ط. المكتبة التجارية الكبرى): ["والنجش" وهو الإثارة لأنه يثير الرغبات فيها ويرفع ثمنها "بأن يزيد في الثمن" لسلعة معروضة للبيع "لا لرغبة بل ليخدع غيره" أو لينفع البائع مثلا، وإن نقصت القيمة فزاد حتى يساويها الثمن ولو في مال اليتيم على الأوجه؛ لأن الفرض أنه قاصد للخديعة أو نحوها، وذلك للنهي الصحيح عنه] اهـ.
وقال موفق الدين ابن قدامة في "المغني" (4/ 300، ط. دار الفكر): [النجش أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليقتدي به المستام، فيظن أنه لم يزد فيها هذا القدر إلا وهي تساويه؛ فيغتر بذلك، فهذا حرام وخداع] اهـ.
ورابعها: أن المشتري إنما أقدم على العقد بناءً على تصوُّرٍ مُختلٍّ صُنِع له عمدًا، فكان رضاه معيبًا، والقاعدةُ أن "الرضا معتبر في صحةِ العقد".
قال بدر الدين الزركشي في "البحر المحيط" (4/ 121، ط. دار الكتب العلمية): [قال تعالى: ﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡ﴾ [النساء: 29] وفي الحديث: «إنما البيع عن تراض»، وهذا يدل على أن الرضا هو المعتبر في العقود] اهـ.
قال الإمام المرداوي في "التحبير" (2/ 2892، ط. مكتبة الرشد): [الْغرَر فِي الْعُقُود مَانع من الصِّحَّة] اهـ.
فإذا كان الغررُ فاحشًا مؤثرًا في الثمن أو الرغبة، كان موجبًا للمنع أو لثبوت الخيار؛ لما يتضمنه من أكل أموال الناس بالباطل، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
وقد قرر الفقهاءُ أن من شروط صحة البيع خلوَّه من الغرر الفاحش، وأن كل ما من شأنه أن يُفضي إلى النزاع أو يُوقع في الخديعة فهو ممنوع.
قال ابن أبي زيد القيرواني في "الرسالة" (ص: 104، ط. دار الفكر): [ولا يجوز بيع الغرر] اهـ.
وقال الإمام أبو شجاع في "متن الغاية والتقريب" (ص: 27، ط. دار المشاريع): [ولا يجوز بيعُ الغَرَر] اهـ.
وهذه المعاني كلُّها متحققةٌ في مثل هذه الإعلانات التي تقوم على صناعةِ واقعٍ غير موجود.
بناءً على ذلك وفي السؤال: فإن إعلان الخصومات غير الحقيقية بقصد جذب المشترين محرمٌ شرعًا ويأثم فاعله؛ لاشتماله على الكذب والتدليس والتغرير بالمشتري، والنجش القائم على الإيهام والتلاعب بالأسعار، وذلك بتزييف إدراك المشتري عبر صورةٍ مصطنعةٍ تُوهمه وجودَ منفعةٍ غير حاصلة، فيُقبِل على التعاقد بناءً عليها. وهذا المسلك يُفسد الرضا المعتبر شرعًا؛ إذ يحوِّله من حقيقةٍ قائمة على العلم والبيان إلى صورةٍ قائمة على التدليس والإيهام، فيغدو العقد في ظاهره تراضيًا وفي باطنه تغريرًا، وفي ذلك أكلٌ لأموال الناس بالباطل، مع أن الأصل في المعاملات النصح وبيان الحقائق لا الخديعة والإيهام.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم البيع مع الاحتفاظ بحق التصرف إلى الممات؛ فامرأة باعت لزوجها فدانًا واحدًا بثمن قدره خمسون جنيهًا، وقد أبرأت البائعة المذكورة زوجها المشتري المذكور من قيمة ثمن هذا القدر، وقد تحرَّر بذلك عقد عرفيٌّ لا عن يد أحد قضاة المحاكم، وقد ذكر بصلب العقد: "ولي أنا البائعة المذكورة حق الانتفاع بالفدان المباع المذكور مدة حياتي، وما دمت على قيد الحياة، وبعد وفاتي ينتقل حق التصرف المذكور إلى زوجي المشتري المذكور".
والمشتري المذكور زوج البائعة المذكورة توفي إلى رحمة الله تعالى قبل وفاة زوجته البائعة المذكورة، وترك ذريةً من غير البائعة المذكورة -أي من زوجةٍ أخرى خلاف البائعة- فهل هذا العقد صحيح بجميع ما ذُكر فيه من الإبراء المذكور من قيمة هذا الثمن، ولا رجوع فيه؟ وهل ورثة المتوفى المذكورون يرثون في هذا القدر بعد وفاة زوجته البائعة المذكورة أم لا؟ أفيدوا الجواب، ولكم الثواب.
سائل يسأل عن حكم القيام ببيع السلع المدعمة في السوق السوداء؟ وما حكم مَن يقوم بذلك؟
ما حكم شراء السلع وبيعها بالتقسيط؟ فأنا أعمل في مجال بيع الأجهزة الكهربائية بالتقسيط، ولكن أحيانًا يأتي إليَّ من يريد سلعة معينة بعيدة عن مجال الأجهزة؛ كمواد البناء مثلًا -من حديد وأسمنت- فأذهب وأتصل بالتجّار الذين يبيعون هذه السلع، وأعرف منهم الأسعار، ثم أتصل على من يريد الشراء وأقول له: سعر طن الحديد مثلًا 1000 جنيه؛ وذلك بالتقسيط على سنة مثلًا، هل أشتري لك ما تريد؟ فإن وافق اشتريت له السلعة وذهبت بها إلى بيته وسلمته إياها، وهي في ضماني إلى أن تصل إلى بيته، علمًا أنه حتى وإن أعرض عن الشراء بعد أن اشترينا السلعة له ووصلت إلى بيته فلا شيء عليه إطلاقًا، وإذا ما تأخر عن المدة المحددة للسداد لا آخذ منه جنيهًا واحدًا زيادةً عن المبلغ المتفق عليه، وإذا تبين في السلعة خللٌ أو عيب أو تلف قبل وصولها إليه تحملنا ذلك عن المشتري.
ما حكم بيع شهادة الاستثمار على أن يدفع صاحبها قيمتها إلى المشتري مع أرباحها؟ فهناك رجلٌ يمتلك شهادة استثمار بأحد البنوك، واحتاج مبلغًا من المال، ولا يمكن فك الشهادة إلا بعد عام كامل، ويرغب في الاتفاق مع أحد الأشخاص على أن يبيع له هذه الشهادة بمقابل مادي على أن يدفع قيمتها إليه مع أرباحها عند فكها. فهل تصح هذه المعاملة شرعًا؟
نرجو منكم بيان فضل تعلم القرآن وتعليمه، وما القدر الذي يجب على المكلف حفظه من القرآن الكريم؟
سائل يسأل فيقول: سمعت أنَّ مكة المكرمة أفضل من المدينة المنورة؛ فما مدى صحة هذا الكلام؟