ما حكم الامتناع عن تسلم الوجبات بعد طلبها والتَّهرب من دفع ثمنها؟ فهناك امرأة تُعدّ وجبات الطعام حسب الطلب، وقد تواصل معها أحد العملاء وطلب منها صنع عدد من الوجبات بثمن معيَّن، واتَّفقا على كافة تفاصيل الوجبات من: مكوناتها، وأصنافها، وتسلم المبلغ عند تسليمها، وبالفعل أعدت هذه الوجبات في الوقت المحدد، إلا أن العميل أغلق هاتفه وأعرض عن الرد عن اتصالاتها، فما حكم ذلك شرعًا؟
اتفاق العميل المذكور مع المرأة التي تُعِدّ الطعام على تجهيز الوجبات له يُعدّ من باب الاستصناع فيما اعتاد الناسُ طلبَ صناعته، وهو أمرٌ جائزٌ شرعًا، وبوفاء المرأة بما اتفقا عليه، وذلك بإعدادها الوجبات وفق المواصفات والشروط المُتفق عليها فيما بينهما -يكون العقد مُلزمًا للعميل المذكور، ويكون امتناعُه عن تسلم الوجبات -بغير عذر- والتَّهربُ من دفع ثمنها محرمًا شرعًا؛ لما يترتب عليه من ضررٍ مباشرٍ للمرأة التي أنفقت من مالها في شراء المكونات، وبذلت جهدها ووقتها في إعداد الطعام وتجهيزه على النحو المطلوب، وربما لا تجد عميلًا آخر يقبل بشراء هذه الوجبات بعد تنفيذها وفق شروط العميل المذكور، مما يؤدي إلى ضياع الطعام وخسارة الجهد والمال، فضلًا عن أنَّ هذا الفعل يُعدُّ ضربًا من الغدر ونكث العهد، وهو أمرٌ محرَّمٌ شرعًا.
المحتويات
رغَّب الله تعالى عباده في العمل والسعي في مناكب الأرض ابتغاء الرزق الحلال، وجعل ذلك سبيلًا لإقامة المعاش وتقوية حركة العمران، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]، ولقد جاءت أحكام الشريعة متسقةً مع هذا المقصد، منظمةً لوجوه التعامل المالي، جامعةً بين تحقيق المصالح ودرء المفاسد؛ بحيث يكون الكسب قائمًا على أسس العدل والوضوح والبيان، منزهًا عن الغرر والجهالة، سالمًا من أسباب الظلم والعدوان.
اتفاق شخصين على أن يتولى أحدهما إعداد وطهي عدد محدَّدٍ من الوجبات للآخر في مقابل عوضٍ ماليٍّ معلومٍ يدفعه الأخير، مع تعيين محتوى كل وجبةٍ، وتحديد مكان التسليم وموعده، وبيان ما ينوط بكل واحد من الطرفين من حقوق والتزامات؛ بحيث يتعهد الطاهي بشراء المكونات وتحضير الوجبات وفق الرغبات والمواصفات التي اختارها طالب الطعام، بينما يلتزم الأخير بدفع الثمن المُتَّفَقِ عليه فور تسلمه إياها -يُكيَّف من الناحية الفقهية على أنه من باب الاستصناع فيما جرى فيه التعامل بين الناس -أي ما اعتادوا طلب صناعته-، وهو أمرٌ جائزٌ شرعًا، متى وقع عن تراضٍ، وخلا من الغرر والجهالة.
قال الإمام ابن مازه في "المحيط البرهاني" (7/ 134، ط. دار الكتب العلمية): [الاستصناع جائزٌ في كل ما جرى التعامل فيه] اهـ.
فإذا قام مُعِدُّ الطعام (الطاهي) -الصانِع- بتنفيذ ما التزم به، فأعدَّ الوجبات على النحو المتفق عليه من حيث الصفة والعدد، وبادر بتسليمها للطرف الآخر في المكان والموعد المحددين، فقد استوفى بذلك ما وجب عليه، وثبت له في مقابله استحقاق العوض، وحينئذ يتعيَّن على العميل -المُستصنِع- الوفاء بما التزم به من دفع الثمن المتفق عليه دون تأخيرٍ أو تنصُّل؛ إذ إنَّ استحقاق العوض يثبت بمجرد إتمام العمل على النحو المشروط، فلا يحق للعميل بعد ذلك العدول عن طلبه أو التحلل من العقد؛ لأن ذلك يفضي إلى إلحاق الضرر بالطاهي -الصانع- الذي قد أنفق من ماله على شراء المكوِّنات، وبذل جهده ووقته في إعداد الطعام وفق الطلب، وربما لا يجد عميلًا آخر يقبله منه بعد ذلك، فيَئُول الأمر إلى اجتماع ضياع الطعام وذهاب كلفة العمل، ومن ثَمَّ كان تمكين العميل -المستصنِع- من الخيار في هذه الحالة -لا سيَّما وأنَّ الطعام ليس كسائر المصنوعات التي تبقى صالحة مدة طويلة، ولا تتضرر ببقائها، وإنما هو مما يتسارع إليه الفساد- أمرًا منافيًا لمقاصد الشرع الشريف من ضرورة دفع الضرر عن الغير -الصانِع-، فقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أخرجه الإمام ابن ماجه.
قال شمس الأئمة السَّرَخسِي في "المبسوط" (12/ 139، ط. دار المعرفة) مبينًا الحكم عند إتيان الصانِع بالعين المصنوعة وفق ما تم الاتفاق عليه: [إذا جاء به كما وصفه له فلا خيار للمستصنِع؛ استحسانًا لدفع الضرر عن الصانع في إفساد أدِيمِه وآلاته، فربما لا يرغب غيرُه في شرائه على تلك الصفة، فلدفع الضرر عنه قلنا بأنه لا يثبت له الخيار] اهـ.
وقال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (5/ 210، ط. دار الكتب العلمية) معلِّلًا عدم ثبوت الخيار للمستصنِع حال وفاء الصانِع ومطابقة المصنوع للصفة المتفق عليها: [إنَّ في إثبات الخيار للمستصنِع إضرارًا بالصانِع؛ لأنه قد أفسد متاعه، وفرى جلده، وأتى بالمستصنَع على الصفة المشروطة، فلو ثبت له الخيار لتضرر به الصانع، فيلزم دفعًا للضرر عنه] اهـ.
إضافة إلى ذلك فإنَّ نأي العميل -المستصنِع- عن تسلم طلبه -بغير عذر- بعد إتمام الطاهي -الصانع- للعمل وفق ما اتُّفق عليه يعد إخلالًا بالعهد ونقضًا للاتفاق، وهو ما جاءت الشريعة بالتحذير منه والتَّشديد في النهي عنه؛ إذ الأصل في معاملات الناس وعقودهم وجوب الوفاء بما يلتزمونه من عهود وشروطٍ، عملًا بعموم قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].
قال الإمام البيضاوي في "أنوار التنزيل" (3/ 254، ط. دار إحياء التراث العربي): [﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ بما عاهدكم الله من تكاليفه، أو ما عاهدتموه وغيره. ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ مطلوبًا يطلب من المعاهد ألا يضيعه ويفي به، أو مسؤولًا عنه يسأل الناكث ويعاتب عليه: لِمَ نكثتَ؟ أو يسأل العهد تبكيتًا للناكث، كما يُقال للموءودة: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾، فيكون تخييلًا، ويجوز أن يرادَ أن صاحب العهد كان مسؤولًا] اهـ.
وإذا كان الوفاء بالعهد مأمورًا به شرعًا، فإن نقضه بعد توثيقه يُعَدُّ من الغدر المحرَّم، وقد حذَّرت السنة النبوية من هذه الخصلة الذميمة، وبيَّنت قُبحها وشدة الوعيد عليها؛ فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغدر من خصال النفاق التي ينبغي للمسلم أن يتنزه عنها، ويحذر الوقوع فيها، وذلك فيما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا -أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ- حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» أخرجه الإمام البخاري.
كما بيَّن ما يترتب على الغدر من مآلات وخيمة يوم القيامة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» أخرجه الإمام البخاري.
قال الإمام القسطلاني في "إرشاد الساري" (4/ 108، ط. المطبعة الكبرى الأميرية) مبينًا حقيقة "الغدر" أي: [نقض العهد الذي عليه ولم يفِ به] اهـ.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ» أخرجه الشيخان.
قال الإمام ابن الملقن في "التوضيح" (18/ 668، ط. دار النوادر) مبينًا ما يدخل في عموم هذا الحديث: [يدخل فيه من غدر من بَرٍّ أو فاجرٍ، فالغدر حرام لجميع الناس، بَرِّهم وفاجرهم؛ لأن الغدر ظلم، وظلم الفاجر حرامٌ كظلم البَرِّ التَّقي] اهـ.
وقال الإمام القسطلاني في "إرشاد الساري" (5/ 247) موضحًا ما يشير إليه هذا الحديث: [فيه غلظ تحريم الغدر] اهـ.
وقال الإمام المناوي في "فيض القدير" (2/ 179، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [«لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ» أي: ينصب له «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» لواءٌ حقيقةً «بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ»، فإن كانت كبيرةً نُصِبَ له لواءٌ كبير، وإن كانت صغيرةً فصغير، وفي خبرٍ أنه يكون عند إسته، وقيل: اللواء مجاز، والمراد شهرة حاله، وإذاعته بين الملأ في ذلك الموقف الأعظم] اهـ.
بناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنَّ اتفاق العميل المذكور مع المرأة التي تُعدُّ الطعام على تجهيز الوجبات له يُعَدّ من باب الاستصناع فيما اعتاد الناسُ طلبَ صناعته، وهو أمرٌ جائزٌ شرعًا، وبوفاء المرأة بما اتفقا عليه، وذلك بإعدادها الوجبات وفق المواصفات والشروط المُتفق عليها فيما بينهما -يكون العقد مُلزمًا للعميل المذكور، ويكون امتناعُه عن تسلم الوجبات -بغير عذر- والتَّهربُ من دفع ثمنها محرمًا شرعًا؛ لما يترتب عليه من ضررٍ مباشرٍ للمرأة التي أنفقت من مالها في شراء المكونات، وبذلت جهدها ووقتها في إعداد الطعام وتجهيزه على النحو المطلوب، وربما لا تجد عميلًا آخر يقبل بشراء هذه الوجبات بعد تنفيذها وفق شروط العميل المذكور، مما يؤدي إلى ضياع الطعام وخسارة الجهد والمال، فضلًا عن أنَّ هذا الفعل يُعدُّ ضربًا من الغدر ونكث العهد، وهو أمرٌ محرَّمٌ شرعًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم استرداد العارية قبل انتهاء المدة المتفق عليها؟ فرجلٌ استعار سيارةً مِن جاره لقضاء بعض المصالح بها لمدة ثلاثة أيام، إلا أن صاحب السيارة طلب استردادها بعد يومٍ مِن أخذها لسفر ضروري طرأ له في عمله، ولا يملك غير هذه السيارة للسفر، لكنِ المستعيرُ امتنع عن رَدِّها، وتمسك باتفاقه مع صاحب السيارة، وأنه قد استأذنه فيها لمدة ثلاثة أيام، والسؤال: هل يجوز شرعًا ما فعله المستعير مِن الامتناع عن تسليم السيارة إلا بمضي المدة المتفق عليها؟ علمًا بأن رَدَّها لا يَضُره في شيء، فهي موجودة عند البيت ولا يستعملُها حين طُلِبَت منه، وإنما المتضرر هو صاحب السيارة؛ لأنه لو استأجر سيارة للسفر سوف يتكلف كثيرًا من المال، ولو امتنع عن السفر تضرر في عمله.
ما حكم بيع الأدوية المرسومة بسعر قديم بسعرها الجديد؟ فهناك رجلٌ يملِك صيدلية، وفي ظلِّ ارتفاع الأسعار تُوَرَّدُ إليه الأدوية مُسَعَّرَةً بأسعارها الجديدة، ويوجد في الصيدلية أدويةٌ أخرى بأسعارها القديمة، فهل يجوز له بيع الأدوية المُسَعَّرَة بالسِّعر القديم بسِعر التوريد الجديد مِن باب توحيد سِعر الدواء؟ علمًا بأنه يسدد ثمن الدواء القديم لشركات الأدوية بالسِّعر القديم المنقوش عليه ولو كان السداد بعد تحرُّك الأسعار.
أنا مقبلٌ على الزواج ولا أعلم أحكامه؛ فنصحني البعض بضرورة تعلم أحكام عقد الزواج؛ حتى لا أوقع نفسي أو غيري في حرج أو إثم بسبب عدم علمي بذلك، وذلك من خلال الدورات التي تنظمها الجهات المتخصصة في هذا الشأن؛ فما قولكم في ذلك، وهل يجب عليَّ ذلك؟
ما ضابط التناجي المنهي عنه شرعًا؟ وهل الكلام الخاص مع شخصٍ ما في حضور ثالث يُعدُّ من التناجي الممنوع؟
يقول السائل: يقوم بعض التجار الجشعين ببيع المواد بأسعار مرتفعة فادحة تزيد على الأسعار المقررة، وبعضهم يختزنون أقوات الناس وأهم ما يلزمهم من احتياجات معاشهم ويحتكرونها من ذوي الأطماع ومنتهزي الفرص؛ فما حكم إبلاغ الجهات المسؤولة عن هؤلاء؟
يقول السائل: بعض الأزواج يقومون بالاعتداء بالضرب على زوجاتهم، ويدّعون أن ذلك توجيه من الشرع؛ فما ردّكم على هذه الدعوى؟